يجب على المكلف في أوقات الخطر يؤدي صلاته بأركانها وأجزائها البديلة وهنا يبرز السؤال التالي: هل يترتب على المكلف وفقا لآية (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 239] تكليف جديد بعد زوال الخوف واستنتاب الأمن كي يحمل على الاستحباب أم ليس هناك من تكليف جديد في البين وأن المراد مشابه لما في آية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: 238] وتكون النتيجة أن المضمون هو الأمر بأداء الصلاة المتعارفة كما هي الحال في جملة (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) في آية (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [النساء: 103] التي ليس فيها من أمر جديد؟
إن الذي يظهر من جملة (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [النساء: 103] في الآية التي هي مورد البحث هو الدعوة الى ذكر الله ولكن الذي يظهر من جملة (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [النساء: 103] في الآية المستشهد بها هو الأمر بإقامة الصلاة بعد استتباب الأمن والاستقرار وهذا التفاوت في التعبير يقوي احتمال تضمن الآية التي هي مورد البحث لتشريع جديد هو الدعوة الى ذكر الله وشكره.
تنبيه: 1. إن منشأ احتمال التكليف الجديد وإن كان استحبابيا هو أن الذي أمر به هو (الذكر) فلو توفرت قرينة على أن المقصود من الذكر هو الصلاة كما في آية: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة: 9] التي كان المقصود فيها صلاة الجمعة فلا تكليف جديد حينئذ أما لو كان المقصود من الذكر شيئا غير الصلاة فعند ذلك يكون احتمال التكليف الجديد معقولا.
2. ربما استفيد من الشواهد غير المتصلة أن المقصود هو أنكم عندما تنتقلون من حالة الخوف الى حالة الأمن فستبقى كيفية وكمية الصلاة التي هي من أبرز مصاديق ذكر الله محفوظة ويجب عليكم أداؤها على هذا الأساس.
إن كيفية ذكر الحق قد تم بيانها[1] عند تفسير آية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152] مثلما تم بيان تفسير عبارة (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 151] الدالة على ضرورة الوحي الى الناس في الآية السابقة عليها[2].
وقد فسر الذكر في الآية التي هي مورد البحث بتفسيرين أحدهما الصلاة وثانيهما ذكر الله بالثناء والشكر أما الشيخ الطوسي رحمه الله فاعتبر الحمل على المعنى الجامع هو الأولى[3].
والخلاصة أن كيفية عبادة الله سبحانه ومناجاة العبد مع الذات الربوبية المقدسة تتوقفان أساسا على تعاليم المعبود نفسه وهي التعاليم التي يتكفل الرسل عليهم السلام بتوضيحها فمع أن العقل يدرك أصل العبادة وضرورتها إلا أن ألفاظها الخاصة وحركاتها وسكناها والأعمال العبادية المعينة تتوقف جميعها على هداية الوحي، وليس هناك من أحد يعرف أو يستطيع أن يفرض عبادة معينة من نفسه ويعبد المعبود بالأسلوب الذي يبتدعه.