وكان أغريبة الثاني بن أغريبة الأول لا يزال في السابعة عشرة من عمره يتابع دروسه في رومة، ورغب كلوديوس لأول وهلة أن ينفذه ملكًا محل والده، ثم عدل عن ذلك، وعاد إلى نظام المحصلية، ولعل السبب في ذلك أنه ذكر مطامع أغريبة وسياسته الدينية، فخشي انتشار اليهودية في الشرق، كما خشي انتشار «الدرودية Druidism» في الغرب، ولعل رجال بطانته طمعوا في استدرار المال، فرأوا في العودة إلى المحصلية وسيلة لإشباع مطامعهم، وظل كلوديوس عاطفًا على أغريبة الثاني، فإنه أنفذه ملكًا على خلقيس بعد وفاة عمه هيرودس في السنة 48، ثم أضاف إلى ملكه وادي بردي واللجا والبثنية (1).
وبينما كانت ولاية سورية تنتظر وصول الوالي الجديد الفقيه الكبير «كاسيوس لونجينوس Cassius Longinus» (45–50) ووالي آسية سابقًا، أطل على قيصرية فلسطين المحصل «كسبيوس فادوس Cuspius Fadus» (44–46)، فحل المشادة بين يهود شرق الأردن وبين سكان فيلادلفية حول حصن زي القريب من السلط، واقتص من «طولوميوس Tholomaios» رئيس العصابة، الذي عاث فسادًا في أدوم وبين القبائل العربية، ثم قتل «توداس Theudas» الذي سطا على عقول جماعة من اليهود، زاعمًا أنه بإمكانه أن يشق الأردن كما شق موسى البحر الأحمر (2)، وحاول المحصل الجديد بعد ذلك إعادة الألبسة اليهودية الحبرية إلى القصر في أورشليم، وسانده في ذلك والي سورية لونجينوس الفقيه، فنشبت مشادة جديدة، ورُفع الأمر إلى الإمبراطور، فحكم لليهود وأوجب إبقاء تاج الكاهن الأعظم وثيابه الحبرية في الهيكل، وأمر الإمبراطور في الوقت بأن يتولى هيرودس خلقيس شئون الهيكل في أورشليم، وتعيين الكاهن الأعظم، وظل الحال على هذا المنوال حتى السنة 71ب.م (3). وحل محل فادوس في السنة 46 وحتى السنة 48 المحصل طيباريوس ألكسندروس، وكان هذا أحد أنسباء فيلون الفيلسوف اليهودي الإسكندري، فجحد اليهودية واعتنق الوثنية، وخدم رومة بأمانة وإخلاص، فسعى لتوطيد الأمن في فلسطين، وصلب يعقوب وسمعان ابني يهوذا «الجليلي الغيور»، ولكن مجاعة السنة 46 عرقلت أعماله الإصلاحية (4)، وجاء بعده «ونتيديوس كومانوس Ventidius Cumanus» (48–52) فكان أسوأ حظًّا، وتفصيل ذلك، أن بعض العناصر العسكرية السبسطية القيصرية كانت لا تزال مقيمة في اليهودية منذ وفاة أغريبة الأول، وأن هذه العناصر شاركت السامريين والوثنيين في كرههم لليهود، ولما جاء الفصح تواقح أحد هؤلاء على اليهود في أروقة الهيكل، فطالب اليهود بمعاقبته، وشتموا كومانوس وأهانوه، فخشي هذا سوء العاقبة، واستقدم قوة جديدة، فدب الرعب إلى صفوف الشعب، واحتشدوا في الهيكل وجواره، ولجأ بعض اليهود إلى الإخلال بالأمن، فسلبوا اسطفانوس أحد أرقاء الإمبراطور جميع أمتعته في ضواحي أورشليم، وأنفذ كومانوس قوة إلى محل الحادث فأساءُوا التصرف، ودنس أحدهم نسخة من التوراة، فطالب اليهود باحترام دينهم! واعترض السامريون سبيل اليهود القادمين من الجليل إلى أورشليم عند جنين ومنعوهم من الدخول إلى منطقتهم، فشكا الجليليون السامريين إلى كومانوس في قيصرية، فلم يرَ رأيهم، فتجدد الإخلال بالأمن في تلال اليهودية، ومشى بعض اليهود إلى حدود السامرة فأحرقوا وذبحوا، فنهض كومانوس إلى أورشليم على رأس قوة من الجند، ولكنه تحاشى فأغضب السامريين، فقام وفد من هؤلاء إلى ولاية سورية، وشكوا أمرهم إلى الوالي «أوميديوس كوادراتوس Ummidius Quadratus» (50–60)، ومثل أمامه في صور وفد من اليهود يتهمون السامريين وكومانوس بالتعدي، فنهض إلى قيصرية وصلب بعض اليهود فيها، ثم قام إلى اللد، وحزَّ رقاب غيرهم، وأرسل المتداعين إلى رومة، ولدى وصولهم إليها نشبت مشادة عنيفة بين عتقاء كلوديوس من رجال البطانة وبين أغريبة الثاني، فأمر كلوديوس بثلاثة من كبار الوفد السامري، ونفى كومانوس، وأنفذ التريبون «كيلر Celer» إلى فلسطين مفوض مطلق الصلاحية (5).
……………………………………….
(1) CHARESWORTH, M.P., Gaius and Caludius, Cam. Anc. Hist., X, 680-681; ABEL., F.M., Hist. Palest., I, 455.
(2) JOSEPHUS, Ant., 20:1–5.
(3) JOSEPHUS, Ant., 20:6–16.
(4) JOSEPHUS, Bell. Jud., 2:220, Ant., 20:100–103; REINMUTH, O.W., Tiberius Julius Alexander, Trans. Am. Phil. Ass., 1934.
(5) JOSEPHUS, Ant., 20:105–136, Bell. Jud., II, 224–246; TACITUS, Ann. 12:54