وكان أوغوسطوس — كما سبق وأشرنا — قد جعل اليهودية في السنة 6ب.م. ولاية رومانية، يدبر شئونها «محصل Procurator» ذو صلاحية قضائية واسعة، وكان قد سمح باستمرار نظام التتراخية في كل من مقاطعتي فيلبوس وأنتيباس، وجاء طيباريوس فتقيد بسياسة أوغوسطوس، وحارب البلص وابتزاز الأموال بإطالة مدة الولاية للولاة، فلم يعين على اليهودية سوى محصلين اثنين طوال عهده، ولكنه لم يوفق في انتقاء هؤلاء كل التوفيق، فإن «غراتوس Valerius Gratus» الذي تولى محصلية اليهودية منذ السنة 15 حتى السنة 26ب.م. لم يحفظ حرمة، ولم يثبت على عهد في علاقاته مع رؤساء المجمع، فاستبدل في سنواته الإحدى عشرة خمسة رؤساء، أولهم حنان، وآخرهم يوسف، الذي كان يدعى قيافا (1) ،وفي السنة 17ب.م. في عهد هذا المحصل نفسه، أسس أنتيباس عاصمة جديدة لتتراخيته، أسماها طبرية، تخليدًا لذكر طيباريوس، وجعلها هلينية في نظمها وقوانينها وملاهيها، فتوجست الأوساط اليهودية المحافظة خوفًا، واستشعرت رهبة وروعًا (2)، وأسس فيليبوس في تتراخيته قيصرية فيليبوس عند منبع الأردن ويولية على ضفة بحيرة طبرية الشمالية، وسك النقود حاملة رسوم أوغوسطوس أو طيباريوس، وصورة الهيكل الذي كرسه هيرودس الكبير لأوغوسطوس في بانياس، مخالفًا بذلك نصوص التوراة في نظر اليهود المحافظين (3).
وفي السنة 26ب.م.، تولى بنطس البيلاطي شئون محصلية اليهودية، وظل يدير دفة الأمور فيها حتى السنة 37، ولا نعلم الشيء الكثير عن أصله وفصله، وإنما يستدل من اسمه Pontius أنه تحدر من أصل سمني، ولعل الكنية «البيلاطي Pilatus» تنبئ باجاصة شرَّفه بها الإمبراطور، وكان «سيانوس Sejanus» مستشار طيباريوس قد قدمه إلى الإمبراطور مثنيًا، فعينه هذا محصلًا على فلسطين تابعًا — كما قضى النظام — إلى «والي legatus» سورية، الذي كان آنئذٍ لوكيوس فيتاليوس.
وحكم المحصل الروماني اليهودية من مدينة قيصرية، التي أنشأها هيرودس على ساحل فلسطين لا من أورشليم العاصمة التقليدية، وذلك لأسباب أهمها الابتعاد عن كل ما كان يثير حساسة اليهود في معتقدهم، فقيصرية فلسطين كانت آنئذٍ مدينة هلينية في سكانها ونظمها وعاداتها، وكان بإمكان الرومانيين فيها أن يمارسوا طقوسهم وعاداتهم ونظمهم كاملة غير ناقصة، ومذ أمست اليهودية محصلية رومانية أصبح قصرا هيرودس في قيصرية وفي أورشليم «مقرين Praetorium» للمحصل الروماني (4)، وكان المحصل في اليهودية يستند عند الحاجة إلى القوات الرومانية المرابطة في سورية، ولكنه كان بالإضافة إلى ذلك يجند من اليهودية نفسها قوة مساعدة مساندة، ولما كان اليهود لا يزالون مستمسكين بإعفائهم من الخدمة العسكرية حسب ترتيب يوليوس قيصر، أمست هذه القوة المجندة محليًّا مؤلفة من غير اليهود من قيصرية وسبسطية وتوابعهما، ومن حوران ومن بعض عناصر رومانية إيطالية، وأمسى اليهود عزلًا وأمسى أخصامهم الأمميون مسلحين، وأدى هذا بطبيعة الحال إلى شيء من التوتر الكامن في صدور الناس (5).
وكان بنطس البيلاطي فارسًا رومانيًّا شديدًا عنيفًا متمسكًا بالقانون، متصلبًا، وكان يرى أن عهد التحالف بين اليهود ورومة قد انقضى، وأن اليهودية أمست ولاية رومانية، ورأى اليهود غير ذلك فتكتلوا في وجهه وصمدوا، ولم يستثمر بنطس طموح كبار الكهنة للوصول إلى كرسي الرئاسة كما فعل زميله قبله، بل اكتفى بقيافا، فظل هذا رئيس المجمع وحبر اليهودية طوال مدة بنطس.
وقدَّس بنطس البيلاطي شعائر الجيش وأعلام الفرق والأفواج، واعتبرها نقطة الدائرة في الحياة العسكرية والمدنية، فلما أرسل بعض الوحدات إلى أورشليم لتتولى حراسة الأمن فيها أرسل معها أعلامها وشعائرها، واتفق صدفة أن كان بين هذه الشعائر ما تضمن رسم الإمبراطور، فاحتج اليهود على ذلك، وطالبوا بإخراج هذه الشعائر من أورشليم وإعادتها إلى قيصرية.

حامل العلم.
فأصر المحصل على إبقائها مع الجنود العاملين في ظلها، فهرع إليه إلى قيصرية وفد من الأتقياء المتزمتين، يصرون على إخراج الأعلام حاملة الرسوم من المدينة المقدسة، فأبى، فأكبوا على وجوههم خارج قصره خمسة أيام متتالية، فدعاهم إلى المدرج، وأمرهم بالرجوع عن مطلبهم، مهددًا بضرب أعناقهم … فأجابوا بمد العنق للضرب! فتراجع بنطس، وأرجع الأعلام إلى قيصرية (6)، فتشوَّف اليهود وتواقحوا، ثم احتجوا على تعليق لوحات من ذهب Ex Voto على جدران القصر في أورشليم، كانت تحمل اسم الإمبراطور طيباريوس، وألحوا بوجوب إنزالها وتعليقها في هيكل أوغوسطوس في قيصرية، فامتنع بنطس، فكتبوا بذلك إلى طيباريوس نفسه، راجين احترام تقاليدهم الدينية، فأمر هذا الإمبراطور بتعليق اللوحات في قيصرية (7)، وازداد اليهود تصلبًا وتزمُّتًا، حينما شرع بنطس في جر المياه إلى أورشليم من خزان العروب، من نقطة كانت تبعد سبعة وثلاثين كيلومترًا عن أورشليم، وتفصيل ذلك، أن بنطس رأى في جر المياه خيرًا لليهود وغيرهم من سكان المدينة المقدسة، فأخذ من مال القربان من الهيكل ما احتاج إليه، فغضب اليهود محتجين على إنفاق مال القربان لأغراض دنيوية، وتجمعوا صاخبين، فأنفذ بنطس رجاله لتفريقهم، فكان اصطدام أسفر عن مقتل عدد من اليهود (8)، ووصل القول آنئذٍ بمسيح مخلص إلى الأوساط اليهودية المشاغبة، فقال به واستغله الغيورون أتباع يهوذا الجليلي، وأخلوا بالأمن، فأمر بنطس بهم في أثناء تقدمة صاخبة فقُتل منهم عددًا غير قليل، ومن هنا قول لوقا الإنجلي (13: 1): «وفي ذلك الوقت عينه، أقبل قوم وأخبروه بأمر الجليليين، الذين مزج بيلاطس دماءهم بدم ذبائحهم»، وهكذا، فإنه عندما أراد اليهود التخلص من «المخلص المسيح» شكوه إلى بنطس، واتهموه قائلين: «لقد وجدنا هذا الرجل يثير أمتنا، ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدعي أنه المسيح الملك» (لوقا 23: 2)، فلما قال بنطس لهم أنه لم يجد فيه علة، وأراد أن يطلقه، صاحوا قائلين: «إن أنت أطلقته فلست مواليًا لقيصر؛ لأن كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر» (يوحنا 19: 12)، وغسل بيلاطس يديه، وقال: إنه بريء من دم هذا الإنسان، ولكن تكيتوس المؤرخ الروماني سجَّل للأجيال المقبلة المتتالية «أن المسيح أُعدم على يد بنطس بيلاطس محصل اليهودية في أيام طيباريوس» (9).
.................................
(1) JOSEPHUS, Ant. 18:34 f.
(2) JOSEPH., Ant. 18:35.
(3) SCHURER, E., Gesch. des judischen Volkes, I, 430, n. 10; ABEL, F.M., Hist. Palest., I, 436-437.
(4) BEBBER, VAN, Das Praetorium des Pilatus, Theol. Quartalschrift, 1905, 184 ff.; VINCENT, H., Rev. Bib., 1933, 83 ff.
(5) ABEL, F.M., op. cit., I, 426–428.
(6) JOSEPHUS, Ant. 18:55–59; KRAELING, The Episode of the Roman Standards of Jerusalem, Harvard, Theol. Rev., 1942, 263 ff.
(7) Leg. ad Gaium, 133, 299–305.
(8) JOSEPH., Ant., 18:60.
(9) TACITUS, Ann. 15:43.