هو ابن هيرودس الأول الكبير من زوجته ملثقة — كما سبق وأشرنا — وأخو أرخيلاوس الأصغر، وتتراخوس الجليل، وبعض شرق الأردن Peraea، وكان قد أقلع إلى رومة؛ ليعترض على وصول أرخيلاوس إلى دست الملك بعد أبيه، ويحل محله ولكنه لم يفلح، وأحب البذخ والإنفاق، فشيد وبنى وأسس طبرية، وأثقل كاهل الأهلين بالضرائب، وأحب هيرودية زوجة أخيه فيليبوس رومة، فأحبته وطمعت بما لم يكن لزوجها الشرعي من مال وجاه وسطوة فألحت بالزواج، ولكن أنتيباس كان قد تزوج من بنت الحارث ملك الأنباط، فلما علمت هذه بما سيتم قريبًا فرَّت إلى حصن «المكاور Machaerus»، ومنه إلى بيت أبيها في البتراء، فأعلنها هذا حربًا على صهره، حفاظًا على شرفه (1).
ووافق حدوث هذا كله ظهور يوحنا المعمدان، والبدء بكرازته في حوالي السنة 27ب.م.، ولمس أنتيباس نجاح يوحنا لمس اليد لما شاهد من حماس في الإصغاء إليه وقبول المعمودية على يديه، فرغب في التخلص منه قبل أن تتحول دعوته إلى حركة صاخبة بين الجماهير، وأدرك «السابق» ما أبطنه أنتيباس له، فتحاشى الكرز ضمن حدود تترارخية أنتيباس، وعمد — قبيل نهاية عمله — داخل حدود المحصلية في مياه عين فار بين قريتين عينون وساليم (2)، ولكنه وقع في النهاية في يد أنتيباس، عندما دفعه الإيمان إلى تبكيت هذا التترارخوس «من أجل هيرودية امرأة أخيه، ومن أجل جميع الشرور التي كان قد فعلها» (لوقا 3: 19)، فبقبض عليه وزَجَّه في سجن في حصن المكاور، ثم طلبت هيرودية رأسه، فكان لها ذلك (3).
واتسعت صلاحيات «فيتاليوس Vitellius» والي سورية (35–39)، فشابهت صلاحيات جرمانيكوس في أثناء تجواله في الشرق، فزار فلسطين في عيد الفصح سنة 36، وخفف الضرائب، وأعاد الألبسة الحبرية من القصر إلى الهيكل، وأقام يوناتان بن حنَّان كاهنًا أعظم بدلًا من أخيه قيافا، وأشار بسحب بيلاطس، وأعاده إلى رومة قبل نهاية السنة 36.
وفاوض فيتاليوس أرتبان ملك البرت، وتوصل إلى تفاهم ودي على جسر عبر الفرات ،واشترك أنتيباس في هذه المفاوضات إلى حد ما، ولكنه ادعى بأكثر مما فعل، فكتب إلى طيباريوس متبجحًا بما لم يكن له، فاغبر الجو بينه وبين فيتاليوس الوالي وأظلم، ومات فيليبوس التترارخوس في السنة 33-34 بلا عقب، فدُفن في المدفن الذي أعده لنفسه في بيت صيدا Julia، وورث تترارخيته طيباريوس قيصر فضمها إلى ولاية سورية بجولانها ولجاها وبتثنيتها، ولكنه أمر بحفظ أموالها في صندوق خصوصي (4)، وانتهز الحارث ظرف المفاوضات مع البرت فأثار مشكلة في الجولان تتعلق بحدود «جملة Gamala»، ولجأ إلى العنف ففوض أنتيباس نفسه بالدفاع وتأديب الحارث، ففر بعض جنوده، وانضموا إلى صفوف الحارث، فغُلب أنتيباس، وشكا أمره إلى صديقه طيباريوس، فأمر فيتاليوس بوجوب الاقتصاص من الحارث وإرساله إليه حيًّا أو ميتًا، فجيَّش فيتاليوس فرقتين، وأردفهما بالخيالة والقوى الخفيفة، وقام إلى عكة، وما كاد يصل إليها حتى قابله فيها وفد من اليهود، راجين عدم مرور الجنود في اليهودية بأعلامهم وشعائرهم، فوافق على ذلك، ومرَّ بجنوده عبر الجليل الأسفل حتى شرق الأردن، فتحاشى بذلك تدنيس اليهودية، ونهض هو بنفسه إلى أوروشليم في فصح السنة 37، يرافقه هيرودس أنتيباس وأصدقاؤه، ورفع ثيوفيلوس إلى رتبة رئاسة الكهنوت، ونعى بريد رومة طيباريوس وبشر بخلافة غايوس، فتقبل ولاء الشعب للإمبراطور الجديد غايوس يوليوس قيصر جرمانيكوس المعروف بكاليغيولا، وعاد بجنوده إلى الثكنات، ولم يتابع زحفه على البتراء؛ لأن نفوذ أنتيباس انتهى بنهاية عهد صديقه طيباريوس (5).
...........................................
(1) JOSEPHUS, Ant., 18:109–112.
(2) ABEL, F.M., Gtog., I, 142.
(3) JOSEPHUS, Ant., 18:116–119; KRAELING, C.H., John the Baptist, (1951).
(4) JOSEPH., Ant., 18:96–105.
(5) JOSEPHUS, Ant., 18:106–115, 119, 120–125.