هو ابن أرسطوبولس بن هريودس الكبير من برنيقية، أرسله جده إلى رومة ليتهذب فيها، فنشأ مع دروسوس وجرمانيكوس وكلوديوس برعاية أمهم أنطونية، ولما مات دروسوس في السنة 23 آثر والده طيباريوس إبعاد رفقائه عن البلاط؛ كي لا يتذكر حبيبه، فعاد أغريبة إلى فلسطين مستبدلًا عظمة رومة بحقارة أدوم، والبذخ بالتقتير، فحزَّ ذلك في صدره، ورغب في الامتناع عن الطعام ليموت جوعًا (1)، فشددته زوجته قبرص، وشحذت عزيمته، وكتبت إلى شقيقته هيرودية في ذلك، فاستدعته إلى طبرية، وعينته مفتشًا لأسواقها براتب محدد، وساء أغريبة ما بان من التفاوت في المرتبة بينه وبين شقيقته وزوجها نسيبه، وشق ذلك عليه، وخاب رجاء أغريبة، فسرى بينه وبين صهره داء الضرائر، وذر الشقاق قرنه في صور، عندما أنب أنتيباس ابن عمه أغريبة في أثناء مأدبة أقيمت لهما، فهجر أغريبة صهره، والتجأ إلى والي سورية «بومبونيوس فلاكوس Pomponius Flaccus» القنصل السابق الذي عرفه جيدًا في رومة، وقرَّبه فلاكوس وأكرمه، ولكن حاجة أغريبة الملحة للمال جعلته يستغل هذه الصداقة، فإنه عندما نشأ الخلاف بين الصيدونيين والدمشقيين حول الحدود تبنى أغريبة ادعاء الدمشقيين، ودافع عنهم لقاء مبلغ كبير من المال، فلما علم فلاكوس بذلك أبعد أغريبة، فاستدان هذا مبلغًا من المال في عكة والإسكندرية، وأقلع مع زوجته إلى رومة ليستعطف طيباريوس، فأصغى إليه طيباريوس، ولكنه ردَّ ادعاءه على أنتيباس، ونصح إليه أن يُعنى بحفيده طيباريوس، وآثر أغريبة رفقة غايوس، وتمنى أمامه انتهاء عهد طيباريوس ووصوله هو إلى السدة، فعلم طيباريوس بذلك، وأرسله مكبَّلًا بالقيود إلى ثكنة الحرس الإمبراطوري.
ومات طيباريوس بعد ذلك بستة أشهر، وتولى أزمة الأمور بعده غايوس، فأطلق سراح أغريبة، ودعاه إلى البلاط، وألبسه الذياذمة شارة الملك، واستبدل قيده الحديدي بسلسلة من الذهب، وأنفذ إلى اليهودية «مرولوس Marullus» محصلًا، وذلك في ربيع السنة 37 (2)، وقضى أغريبة سنة في رومة، ثم استأذن بالعودة على فلسطين ليدبر شئون مملكته، ومرَّ في الإسكندرية يحيط به حرسه بأسلحتهم المفضضة المذهبة، فأثار غضب الوثنيين من سكانها، فهاجوا وماجوا واضطهدوا اليهود، وأقاموا تماثيل الإمبراطور في بعض هياكل هؤلاء، وهدموا غيرها، وكان «أويليوس فلاكوس Avilius Flaccus» ناظر مصر راضيًا عما جرى، فشكاه أغريبة إلى الإمبراطور، فصودرت مجموعاته الفنية، ونفي إلى «أنذروس Andros»، ثم أُعدم في السنة 39 (3).
واستوقد الحسد ضلوع هيرودية وزوجها أنتيباس، فأقلعا بدورهما إلى رومة، وما كادا يصلان إلى مقر غايوس في «بايس Baies» حتى لحق بهما «فورتونة Fourtunat» أحد عتقاء أغريبة، حاملًا رسالة إلى غايوس من أغريبة وهدايا، وادعى باسم أغريبة؛ أن أنتيباس كان له ضلع في مؤامرة سيانوس على طيباريوس، وأنه على تفاهم مع ارتبان ملك ألبرت، وأنه عثر على كميات كبيرة من الأسلحة في تترارخيته تجهز سبعين ألف مقاتل، فأمر غايوس بنفي أنتيباس إلى حدود إسبانية، وألحق تترارخيته بمملكة أغريبة، وذلك في السنة 39 (4).
.........................................
(1) JOSEPH., Ant., 18:146; ABEL, F.M., Geog., II, 180.
(2) JOSEPHUS, Ant., 18:143–169, 179–237.
(3) PHILON, In Flaccum.
(4) JOSEPH., Ant., 18:240–255.