يواصل الله سبحانه بيانه للخصائص النفسيّة للمنافقين، فيذكر أن هذه الفئة هم أشخاص يدعون العمل للإصلاح وحب الخير ما داموا بعيدين عن المنصب والمكانة، إلا أنهم - وبسبب خصلتهم المنافقة وحقدهم الدفين وعدائهم الشديد في لحظة أن يستلموا مسؤولية أحد الأعمال أو يحتلوا أحد المناصب شرعوا في بثّ الفساد وممارسة الإجرام: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا).
وقد فسر (التولي) حيناً بمعنى الإعراض والانصراف، كما فسر حيناً آخر بمعنى الإشراف وتدبير أمور جماعة صغيرة كانت تلك الجماعة أم كبيرة؛ وسواء أشير إلى متعلقه أم تم حذفه.
وذكر المفسرون آراء مختلفة حول هذا الموضوع[1]، وقد اكتفى بعضهم بنقل الرأيين المذكورين، ولم يرجّح واحداً منهما، في حين عمد آخرون إلى ترجيح أحد القولين.
وقد رجح قسم من هؤلاء المفسّرين معنى الإعراض على معنى الولاية والإشراف لأنه أقرب إلى نظم الآية؛ حيث إن مفادها هو بيان تفاوت حالتي حضور المنافقين وغيابهم. ويعدّ الفخر الرازي واحداً من هذا القس القسم[2].
وهناك أيضاً قسم آخر رجحوا معنى الولاية والإشراف. ومن هذا القسم من لم يذكر سنداً لهذا الترجيح كشيخ مشايخنا محمد جواد البلاغي في[3].
ومنهم كمحمد عبده - من استند إلى جملة (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) التي تناسب مقام الإشراف والولاية، وإن كان تلميذه قد ناقش هذا الترجيح في تفسير المنار قائلاً إن التولي بمعنى الإعراض لا يتعارض مع مضمون جملة (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ)، و وإن كان الإعراض عن النصح أظهر بالنسبة إلى معنى الولاية[4].
وترجيح أحد القولين على الآخر يكون أحياناً بعبارات صريحة، وأحياناً بتقديم أحدهما على الآخر في تحرير المطلب، في إشارة واضحة إلى الرجحان.
وقد اعتبر الزمخشري[5] وأبو حيان الأندلسي[6] وباقو المفسرين الأدباء كلا المعنيين المذكورين صحيحين، ولم يقولوا بأنّ عدم ذكر متعلق التولي يحتم أن يكون المعنى هو الإعراض.
وربما أشير أحياناً في تأييد معنى الولاية والإشراف إلى شأن نزول الآية، أي قضية الأخنس بن شريق الثقفي زعيم موالي بني زهرة.
ورغم ما يظهر من أمين الإسلام في مجمع البيان[7] من القول بصحة كلا القولين مع ترجيح معنى الإعراض، واختياره ذلك؛ إلا أن المستفاد مما ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله في التبيان[8] هو اختياره معنى الإعراض فقط، مع عدم تطرقه بأي كلمة إلى معنى الإشراف مطلقاً.
ولا بد من الالتفات إلى أنّ الأراذل ومثيري الفتن لم يكونوا بحاجة إلى حضور مجالس الرسول الأعظم ﷺ والحديث عن حبهم للخير أمامه، كما لم يكونوا يشهدون الله على أقوالهم، مما يتيح اتخاذ هذه النقطة مؤيدة لمعنى الولاية والإشراف.
وخلاصة ما ذكرناه من المطالب هو أن جملة (وَإِذَا تَوَلَّىٰ) لها معنيان: 1. الإعراض والانصراف والابتعاد، حيث يقال في حالة ما إذا ابتعد شخص عن مجلسك: تولّى عنك.
وعلى أساس هذا الاحتمال يكون معنى الآية أن المنافق ما أن يبتعد عنك إلا ويشرع في الإفساد الذي يتجسّد إما بالتجسّس أو المتاجرة بالدين. وفي هذه الحالة يجب تقدير (عنكم)؛ لأن (تولى) إذا تعدّت بحرف (عن) - لفظاً أو تقديراً صارت بمعنى الإعراض والانصراف.
والتولي بمعنى الإعراض ربما يتجسّد أحياناً بالنفوذ إلى مراكز القرار لتسميم الأجواء وتعكير المسيرة السياسية والثقافية للمجتمع والتآمر المشترك ضد النظام الإسلامي، مثل: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ[9]) ، وفي أحيان أخرى يكون الأمر بشكل مختلف. وفي الآية التي هي مورد البحث يأتي عنوان (الإفساد وإهلاك الحرث والنسل) بمثابة الخلوة مع الشيطان وإظهار السرّ المكنون والتصريح بالاستهزاء وأمثال ذلك، وكلتا الظاهرتين بحدّ ذاتها تعدّ إفساداً، والمنافق ذو الوجهين مفسد يظن نفسه مصلحة وما جاء في الاية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ[10]) انما هو تبيين لهذه الحقيقة وهكذا يتضح سر تسفيه القرآن الحكيم لهذه الفئة من الناس: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ[11]).
2. يقال لتحمل مسؤولية أحد الامور: تولي الامر.
وعلى هذا الاساس يكون معنى الاية هكذا: إن المنافق بمجرد وصوله الى أحد المناصب يبدأ بالإفساد.
والمعنى الثاني أفضل وأنسب بقرينة شاهدين داخليين: الشاهد الاول هو أن السعي للإفساد في الارض وإبادة الحرث والنسل هومن اعمال الناس المقتدرين لا أي منافق ورغم أن أصل الفوضى والتخريب لا يتوقف على الاقتدار والحكومة إلا أن العنصر الاساسي في هذا النوع من الافساد انما يكون برعاية الحكومة الظالمة: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ[12]).
والشاهد الثاني أنه متى دعي الى تقوى الله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ[13]) أحاطته العزة الكاذبة التي جعلته يشعر بالعزة دون وجه حق وصارت حائلة بينه وبين قبوله للدعوة الى التقوى ومن هذا يعلم أنه كان قد كسب عزة كاذبة في المجتمع ولا ينطبق ذلك إلا على الذين يتولون المناصب وأصحاب المقامات والحكام ولا يشترك في ذلك المتولي أن يكون زعيم البلاد الاوحد بل كل أصحاب المناصب الساعين للفساد والجريمة يمكن أن يكونوا من المشمولين بهذه الاية[14].
ومن هذه الاية ربما أمكن استظهار أن المنافقين يعملون على استلام السلطة واغتصاب المناصب الاساسية كي يتمكنوا بهذه الوسيلة من تحقيق أهدافهم الشريرة التي كانوا يضمرونها في دواخلهم الامر الذي تؤيده بعض الايات القرآنية[15]، وروايات المعصومين عليهم السلام[16] والأمثلة التاريخية.
ومن الاكيد أن عدم الاصغاء الى نصح الناصحين والتمرد على أمر ونهي الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر ليس مما ينفرد به رجال السلطة والحكومة فالأوباش الفوضويون أيضا لما كانوا يتوهمون العزة لأنفسهم يتفرعنون امام الدعوة الى التقوى إلا أن العنصر المحوي في مقاومة هداية الهداة وسواء كانت الهداية بصورة خاصة أم كانت بصورة عامة –كما في هداية المبلغين الرسميين للدين في مآثرهم البنانية أو آثارهم البيانية يتمثل في عدم تحمل أصحاب القدرة لتلك الهداية فيقفون عقبة أمام أصل التبليغ للعدل والقسط والأمن بل ربما اعتبر والامرين بالمعروف مستحقين للإعدام أحيانا فيقدمون على قتلهم وإن لم يكونوا هم المخاطبين بصورة مباشرة: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[17])، مع امكانية ارتكاب مثل هذه الجرائم من غير الحاكم أيضا.
[1] راجع: مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 534 ؛ الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 251؛ الجامع لأحكام القرآن، مج2، ج 3، ص 17 - 18؛ تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 123 - 124؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 200.
[2] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص200.
[3] آلاء الرحمن، ج 1، ص 348.
[4] تفسير المنار، ج 2، ص 250 - 251 .
[5] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 251.
[6] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 124.
[7] مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 534 .
[8] التبيان، ج 2، ص 179 .
[9] سورة البقرة، الآية 14 .
[10] سورة البقرة الايتان 11و12
[13] سورة البقرة الاية 206
[14] راجع :الميزان في تفسير القرآن ج2ص96-97
[15] سورة محمد ﷺ الاية 22
[16] راجع: البرهان في تفسير القرآن ج7ص216-217
[17] سورة آل عمران الاية 21