(وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
خلاصة التفسير: إن المنافق والطاغي والباغي ما داموا لم يصلوا إلى السلطة. هم من دعاة الإصلاح، لكنهم بمجرد حصولهم على أحد المناصب يبدءون بالإفساد في الأرض. في المجال الثقافي يعملون على زعزعة إيمان البسطاء والسذج بإثارة الشبه الإلحادية. وفي المجال العاطفي يبدلون ما بين الناس من المحبة والتعاطف إلى اختلاف وعداء من خلال إثارة الوساوس المفتعلة، بل إنهم لا يتوانون عن التجسّس للأجانب وإشعال نار الحروب على وجه البسيطة إذا استطاعوا مستبدلين الأمن والحياة إلى خوف وموت، ويسوقون جميع الثروات الاقتصادية والإنسانية إلى الفناء، مما يؤدي إلى إفساد المجتمع وصياع الأجيال.
ولا شك في أن المقصود من الفساد الذي يثير غضب الله سبحانه وسخطه هو من نوع الأمور المذكورة؛ لا الفساد التكويني المقابل للتكون التكويني الضروري للنظام الكوني.
أما عبارة (وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ) فهي بمثابة التكذيب الصريح لما يدعيه أهل النفاق كذباً من استشهادهم بالله سبحانه.
تفسير المفردات: تولى (الولاية) هي تولى الامر[1]، و(التولي) من باب التفعل هو التسليم بولاية شخص أو الوصول الى السلطة وقد فسرت (تولى) في هذه الاية بالإعراض والانصراف أيضا بقرينة حذف (عنك[2]).
سعى (السعي) هو بذل الجهد والجد في أي عمل وهذه المفردة في الاصل بمعنى المشي السريع دون العدو[3].
الحرث: تهيئة الارض وزراعتها[4]. والحرث (بمعناه المصدري أيضا هو تهيئة الارض للزراعة وبمعنى نثر البذور في التربة[5].
النسل: هو الانفصال عن الشيء ويقال للولد أيضا (نسل) لانه ينسل من الوالد[6]. وآية: (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [7]) تناسب هذا المعنى.
تناسب الايات: وصفت الاية السابقة المنافق ومن شابهه بالعدو الحاقد على الاسلام والبشرية وفي هذه الاية بيان لبعض العلائم الاخرى والأساليب العدوانية للمنافقين والطغاة والبغاة يُظهر لنا أن هؤلاء في سعي دائم لإفساد النظام الاقتصادي والقيم الثقافية للمجتمع، وأنهم باعتداءاتهم المستمرة يقفون عائقاً أمام السير الطبيعي للتطوّر المادي والعلمي، ويسدّون الطريق أمام الرقي الخلقي للمجتمعات البشرية.
[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص 885، و ل ي .
[2] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 13 - 14، ص 206 - 207، و لي؛ الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 96 .
[3] مفردات ألفاظ القرآن، ص 411، س ع ي .
[4] المعجم الوسيط، ص 164، ح رث.
[5] مفردات ألفاظ القرآن، ص 226، ح رث.
[6] المصدر نفسه، ص 803، ن س ل.