إن لنيات الناس وأعمالهم الصالحة والطالحة سهم في حوادث العالم الحسنة والسيئة لأن بين هذه الأعمال والحوادث صلة متصلة. وهذا ما يسانده البرهان العقلي والنقلي.
الأول - البرهان العقلي يمثل الإنسان بكل شؤونه حلقة من سلسلة عالم الوجود، فلا يستطيع الانفصال عن سائر الحلقات لأنه معلول للكثير من العلل وعلة للكثير من المعاليل بحيث أنه يتأثر من الموجودات البحرية والصحراوية والبرية والجوية ويؤثر فيها كذلك، إذن فأعمال الإنسان تضع أثرهـا علـى الأحداث المفرحة والمؤلمة وتتأثر منها. وإن هذا التأثير والتأثر المتبادل لا يختص بنطاق جسم الإنسان بل يشمل عقائده وأخلاقه وسلوكه وأقواله وأفعاله أيضاً. وقد لا نستطيع البرهنة على تفاصيل هذه المسألة ولكـن هنـاك برهان عقلي على علاقة الإنسان المباشرة مع الطبيعة وإن كانت تفاصيلها لا تثبت إلا بالنقل، إذن فكون الحسنة الفلانية تسبب هطول المطر المناسب أو نزول البركات الإلهية والذنب الفلاني يؤدي إلى الزلزال وموت الفجأة أمر مقبول وفق شروط معينة.
الثاني - البرهان النقلي: لقد بين القرآن الكريم العلاقة المباشرة لأعمال الإنسان مع الطبيعة في آيات مختلفة وأيّد البرهان العقلي المذكور. والمراد بالتأييد إثبات أصل التعامل بين الإنسان والطبيعة الذي يعد أمراً كلياً قابلاً للتعليل العقلي، لا بیان حدث خاص جزئي كالزلزال في المنطقة الفلانية بهذا المقياس من الريختر لأن الحدث الجزئي لا يقبل البرهنة العقلية وبما أن العقل لا يحمل ادعـاء في الأمور الجزئية فلا يصح تأييده بالنقل أيضاً. والمراد بالعمل هنا عنوان الحسنة والسيئة التي هي وصف للحركات الخارجية لا نفس الحركات والسكنات المنبثقة من الآثار الطبيعية للأجسام والمشتركة بين السيء والحسن. وإن الآيات القرآنية في هذا المجال تنقسم إلى عدة أقسام أصلية وفرعية:
الآيات الناظرة إلى أصل العلاقة المتبادلة بين أعمال الإنسان وحوادث العالم في الجملة أو بالجملة.
الآيات الدالة على علاقة الأعمال الحسنة بأحداث العالم الجيدة.
الآيات الناظرة إلى علاقة الأعمال السيئة بأحداث العالم المريرة.
وكل من القسمين الثاني والثالث ينقسم إلى أقسام فرعية: التأثير المتقابل بين الأعمال الفردية الصالحة والطالحة وحوادث العالم الحسنة والسيئة والتأثير المتبادل بين الأعمال الجماعية في المجتمع وحوادث العالم الجيدة والأليمة.
الآيات الناظرة إلى أصل العلاقة المتقابلة بين عمل الإنسان والطبيعة
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11]، تبين هذه الآية من خلال المدلول المطابقي علاقة أعمال الإنسان مع حوادث العالم وإن يظهر من مدلولها الالتزامي ضرب من الإنذار للناس. وهذه الآية عامة وتشمل النعمة والنقمة والحسنة والسيئة. وبالاستناد إلى ذيل الآية فإن الله إذا أراد تغيير مصير قـوم لا يستطيع أحد الوقوف أمام هذه الإرادة الإلهية لأنهم لا ولي لهم سوى الله.
والحاصل أن هناك سلسلة من الأعمال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأمثالها يحيط بها الإنسان ويُقرر فيها ويؤديها بالاستشارة وبعد النظر. وهذه الأمور المقررة والمنفذة إما أن تكون مطابقة للشريعة أو مخالفة لها، وفي كلتا الحالتين فإن الله سبحانه يقدر ويقرر طائفة من الأحداث الخارجة عن نطاق التقدير والتفكير والاستشارة والتصميم لذلك المجتمع الحسن أو السيء وهي تمثل الرسالة العذبة أو المرة للآية المشار إليها إلى هذا التعامل المذكور. ولابد من الالتفات إلى أن المقصود من الاستدلال بالآيات لا يعني بأن جميع الآيات المذكورة تدلّ على نحو القضية الموجبة الكليـة علــى وجود ارتباط وثيق بين جميع أعمال البشر بأبعادها المختلفة وبين كل الحوادث الكلية والجزئية في العالم.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53]. تتحدث هذه الآية عن نعم الله التي هي كلها ابتداء: ((كل نعمك ابتداء))(1) ولا يطلب الإنسان الله شيئاً قطّ. وإن سنة الله وفق هذه الآية قد استقرت على ألا تغيّر نعمة فرد أو جماعة بتاتاً، إلا أن يغيروا منهجهم ويحرموا أنفسهم من هذه النعمة.
لقد جرى الحديث في الآيتين السابقتين عن تغيير النعمة وتبديلها لا عـن سلبها وهذا ما يدعو إلى التأمل. فالعلم على سبيل المثال مدعاة لجمال الإنسان وكماله وفي برهة من الزمن سبب لسلب كرامته وإراقة ماء وجهه وذلك بأن عدم العمل به يهيء الأرضية للفهم والاستنباطات الخاطئة ويسوقه إلى درجة من الخزي والفضيحة لم يصل إليها أي جاهل.
فإن استعمل فرد أو جماعة أموالهم في طريق غير شرعي وصرفوها فـي الحرام سيوقعون أنفسهم في عذاب القهر الإلهي في الدنيا والآخرة ويعبّدون الطريق لسقوطهم في الهاوية.
والسر الكامن في ارتباط تغيير النعمة بتغيير النفس هو أن لنفسيات الإنسان صلة مباشرة مع الأحداث الخارجية.
_________________________
(1) الصحيفة السجادية، الدعاء 12.