قرن القرآن الكريم إبطاله للسنة الجاهلية[1] ودعوته إلى ذكر الله بيان كيفية ذكره بالقول إن عليكم بعد أن تنتهوا من أداء مناسك الحج في منى أن تذكروا الله كما كنتم تذكرون آباءكم وتتفاخرون بهم، بل أكثر من ذلك الذكر: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ).
وذكر الله يمكن أن يكون أثناء المناسك أو بعد الانتهاء منها، كما يمكن تطبيقه على تكبيرات أيام التشريق، وإن كان الظاهر أنه بعد أداء المناسك؛ لمكان كلمة (القضاء).
و(الذكر) في الآية التي هي مورد البحث هو كل ذكر الله، إلا أن المفسرين طبقوه على التكبيرات المستحبة في يوم العيد واليومين التاليين، وكذلك على الأدعية الخاصة بمنطقة منى[2]؛ لأنّ الدعاء في هذه المواقف من أفضل الأعمال، بل ربما كان هذا هو السبب في التطرق إلى مسألة الدعاء في نهاية هذه الآيات.
ومما يجب الالتفات إليه في التعبير الوارد في هذا القسم من الآية عند الدعوة إلى ذكر الله هو أن جملة (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) لیست بصدد تأييد السنة الجاهلية المتمثلة بالتفاخر بالآباء، بل هي تذمها.
فالإنسان قد يستغفر أحياناً لأسلافه المؤمنين ويطلب الرحمة لهم؛ كما في استغفار نبي الله نوح وإبراهيم عليهما السلام الأسلافها: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ[3])، و(رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا[4]). وهذا النوع من ذكر الأسلاف مقبول ومقرون برضا الله؛ لأنه في الحقيقة امتثال لأمر إلهي.
وقد يكون الإنسان في أحيان أخرى واقعاً في أسر التفاخر بالأجداد، فيفتخر بقيمهم الخيالية والواهية التي لم يرضَ الله بها أبداً، بل إنه عند ذمّه لهذه الفئة من الناس يطلب منهم أن يتذكروا النعم الإلهية بدلاً من ذكرهم آباءهم وأسلافهم.
إن افتخار العبد يجب أن يكون بالمولى، لا بأبيه الذي هو أيضاً عبد المولى.
فالإنسان عبد الله المولى المطلق، وأسلافه مثله أيضاً عبيد الله سبحانه، ولا فخر للعبد إلا بسيده، ولا يمكن الافتخار بأبيه وأُمّه اللذين هما الآخران عبدان لنفس السيد، وإن كان الله أوصى بالاعتراف بحقوق الأب والأم[5]: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ[6]).
وخلافاً للآيات السابقة التي كان المخاطب فيها هم ذوي الألباب والعقول الذين دعتهم عن طريق البرهان والاستدلال إلى ذكر الله: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ[7])، نرى أنّ الآية الأولى من الآيات التي هي مورد البحث ضمن دعوتها أهل الجاهلية إلى ذكر الله منعتهم من الطريقة الجاهلية في ذكر الأسلاف، تلك الطريقة التي لا نفع فيها.
تنبيه: 1. قسم صدر الآية الأولى الناس إلى قسمين، بينما صنفهم ذيلها والآية التي تلتها إلى صنفين. ومن هذا التقسيم والتصنيف يمكن استنباط تناسب صدر الآيتين وذيلهما على الشكل التالي: إن متذكري الله هم الذين يطلبون حسنتي الدنيا والآخرة، بينها متذكرو الآباء والأجداد هم أُولئك الذين لا يريدون إلا متاع الدنيا المؤقت دون أن يعيروا اهتماماً للحسنة.
2. كان مشركوا الحجاز قبل قيام الحكومة الإسلامية في الجزيرة العربية واستقرار قيادة الرسول الأعظم ﷺ وتقييد عبدة الأوثان ومنعهم من الدخول في المسجد والمشاركة في مناسك الحج يشركون مع الموحدين في المراسم المذكورة وكانوا يفعلون كما كانوا يفعلون في الجاهلية حيث يعقدون الحلقات يتفاخرون فيما بينهم بآبائهم فيخطب خطيبهم ويتحدث متحدثهم عن مآثرهم[8] المتمثلة بتاريخهم المنحوس والموهوم المليء بسفط الدماء والغزو ومذكر اياهم بكل ما في ذلك التاريخ من غث وسمين واستمر الحال على هذه الصورة حتى استقر الاسلام في الحجاز وتم فتح مكة ومنع المشركون من المشاركة في المناسك فزال عن المناسك ما علق بها ولم يبق مجال أمام التفاخر الباطل في مواقف منى المنزهة وغيرها.
وعلى هذا فإذا كان التقسيم المذكور بالنسبة الى زمان حضور المشركين في مناسك الحج فهو تقرير خارجي من جهة واستعراض لطريقتين في التفكير من جهة اخرى وإذا كان بالنسبة الى ما بعد انقضاء الزمان المذكور أي عصر تطهير ربوع الحجاز من التظاهر بالشرك وتنزيه مواقف الحج من حضور الوثنيين فهو استعراض لأسلوبين من التفكير في عالم الخارج فقط.
[1] راجع شأن نزول الآية في بداية البحث الروائي.
[2] جامع البيان، مج 2، ج 2، ص 397؛ التبيان، ج 2، ص 170 ؛ مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 529؛ تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 111 .
[3] سورة إبراهيم، الآية 41 .
[5] رحمة من الرحمن، ج 1، ص 299 - 300، بتلخيص وتصرف.
[6] سورة لقمان، الآية 14 .
[7] سورة البقرة، الآية 198.
[8] جامع البيان مج2 ج2 ص394