قال الزمخشري في معنى. (ثُمَّ أَفِيضُوا...): ثم لتكن إفاضتكم من عرفات ولا تكن من المزدلفة. فإن قلت: فكيف موقع (ثُمَّ) في هذه الآية؟ قلت: نحو موقعها في قولك: (أحسن إلى الناس ثمّ لا تحسن إلى غير كريم)، أي إن المجيء بـ(ثم) هو لبيان التفاوت ما بين الإفاضتين، وإنّ إحداهما صواب وهي الإفاضة من عرفات، والأخرى خطأ وهي الإفاضة من المزدلفة التي كان الخمس مبتلين بها. وقيل: المقصود هو أن عليكم بعد الإفاضة من عرفات والوقوف في المشعر أن تفيضوا من المكان الذي يفيض منه الناس - وهم الخمس أي من المشعر نحو منى[1].
وجدير بالذكر هنا أنّ ما يلقيه التكلّف من ظلال قائمة على هذا الاحتمال من جهة، وعدم مناسبته لفصاحة القرآن وبلاغته الأدبية من جهة أخرى، تما لا يخفيان على المتأمل.
وبعد أن نقل أبو حيان الأندلسي كلام الزمخشري المتضمن نفي معنى الترتيب من كلمة (ثم) في هذه الآية، وأنّها بمعنى اختلاف السابق واللاحق وتمايزهما، قال: ولا أعرف أحداً قبل الزمخشري ذكر مثل هذا المعنى لكلمة (ثم[2]).
وقد حظي ما قاله الزمخشري من كون (ثم) بمعنى التفاوت بالقبول في تفسير بيان السعادة[3]، إلا أن أستاذ أُستاذنا العلامة محمد جواد البلاغي تلت اعتبر قول الكشاف قياساً واهياً ولم يقبل به[4].
ومع غضّ النظر عن بطلان وعدم مشروعية سلوك أهل الخمس، إلا أنه يستحيل أن يقبل القرآن مثل هذا الإرجاع والإحالة. أي إن الاحتمال الذي ينسجم مع لغة القرآن هو أن يقول لجميع الحجّاج أفيضوا من نفس المكان الذي أفاض منه الأنبياء الإبراهيميون عليهم السلام وذرياتهم. وبعبارة أخرى: يجوز احتمال أن يقال للمتشرعين: إنكم بعد وقوفكم في عرفات والإفاضة منها لا تذهبوا مباشرةً إلى منى بحيث يصير المشعر معبراً لكم وليس موقفاً، وهو ما كانت قريش وسائر المتحمسين يأمرون الناس به ويمنعونهم من الوقوف في المشعر والإفاضة منه؛ بل عليكم أن تتصرفوا كما كان يفعل (الناس) أي الأنبياء الإبراهيميون والمعصومون والمتعبدون بأوامرهم، حيث كانوا يقفون في المشعر ومنه يفيضون، فافعلوا أنتم مثلهم أيضاً وقفوا في المشعر وأفيضوا من هناك.
فاحتمال أن يقال لقريش وسائر المتحمّسين إنّ عليكم أن تفيضوا من المكان الذي يفيض منه عموم المتشرعين؛ هو احتمال صحيح. ولكن الذي لا يصح هو أن يقال للمتشرعين إن عليكم أن تفيضوا من نفس المكان الذي تفيض منه قريش وسائر المتحمسين على الرغم من بطلان وعدم مشروعية عملهم.
تنبيه: 1. إن لغة القرآن وإن كانت لغةً عربية مبينة، إلا أنها تتميز بنقاط أدبية خاصة يكون الوصول إليها سهلاً ممتنعاً. ولو كان عرب ما قبل الإسلام يمتلكون نصوصاً أدبية مكتوبة من صرف ونحو ولغة ومعان وبيان وبديع وما شابه ذلك، وكانت قوانينهم الأدبية المدوّنة هي المرجع في استنباط المطالب من النصوص العلمية، للعب الرجوع إليها دوراً حاسماً في حل الإشكالات، ولكن انعدام النصوص الأدبية المدوّنة في عصر نزول القرآن أولاً، وثانياً ثبوت إعجاز القرآن باعتباره كلاماً إلهيّاً، وثالثاً اتضاح معانيه بمعونة السباق والسياق من جهة وإرشاد عدله العديل أي العترة الطاهرة عليهم السلام لن من جهة أخرى؛ فلا لزوم للتوقف عند بعض مفرداته من أمثال (ثم) وما شابهها، بل يجب النظر إلى الوحي الإلهي باعتباره منشأ للآداب العريقة، كما هو الحال في كونه منبعاً للعلوم الأخرى.
2. إن بعض متأخري المفسّرين يقع تحت تأثير المتقدمين، فإذا حصل في النسخ التفسيرية لبعض روّاد هذا الفنّ تصحيف أو سقط أو سبق قلم أو اشتباه مطبعي أو ما شابه ذلك، امتدّ أثره إلى المتأخرين أيضاً. فلو دققنا النظر في تفسير التبيان للشيخ الطوسي[5] رحمه الله لوجدنا سقطاً واضحاً في نسخته المطبوعة، وقد جاء أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله فرفع إشكال ذلك السقط إلى حد ما في تفسيره الشريف الذي شكل تنظيم التبيان قسماً مهماً منه[6]، وهذا يعني أن النسخة الخطية الموجودة عند أمين الإسلام رحمه الله كان سالمة. من هذا السقط، وقد التفت إلى هذه النقطة المحقق البارع الشيخ محمد جواد البلاغي قدس سره شنت وأشار إليها[7].
[1] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 247 .
[2] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص108.
[3] بيان السعادة، ج 1، ص 183
[4] آلاء الرحمن، ج1، ص 341.
[5] النبيان، ج 2، ص 161 .
[6] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 528 .
[7] آلاء الرحمن، ج 1، ص 341.