بعد أن أمرت الاية السابقة الزوار بالافاضة من عرفات دعتهم الى ذكر الله: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ[1]). وفي هذه الاية أيضا دعا الله سبحانه الزوار الى استغفاره بعد أمرهم بالافاضة من المشعر الحرام الى منى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهذا العمل العبادي مصداق بارز من مصاديق ذكر الله.
ويكمن سر الامر بالاستغفار عقب الوقوف في عرفات والمشعر والإفاضة منهما في دفع العجب والغرور عن الحجاج والعابدين في الحج واعتبر البعض ان ذلك هو استغفار من الجاهلية المتجسدة في تغيير المناسك وما شابه ذلك من التصرفات[2].
ولا شك في أن تناسب الحكم والموضوع من جهة وكون هذه الخطيئة محلا للابتلاء من جهة اخرى يوجبان أن يكون المورد المذكور مصداقا واضحا للحكم المذكور الذي هو الاستغفار ان الفوز بنعمة كبرى يرافقه أحيانا تهيئة أرضية الغرور الزائد عن الحد ولذا أمرنا بالاستغفار عند النصر والفتح: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ... وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا[3]).
إن الله لا يظهر بصفة (الغفور) المبالغة في الغفران فقط بل يظهر أيضا بصفة (الرحيم) المشيرة الى رحمته الخاصة وقد يطلب الانسان المغفرة والرحمة أحيانا من ربه فيكون جوابه: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ويكون هذا التعليل والجواب مناسبين لذلك الطلب ولكن الانسان قد يقصر طلبه في أحيان اخرى على طلب المغفرة من الله فقط إلا أن الله يجيبه: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أيضا وجواب الله في هذا المورد يبتني على ركيزة (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[4]) أي إن عليك أن تطلب من الله غسل أدران المعاصي وليس عليك أن تطلب الرحمة أيضا.
ويجيب الله جوابا إيجابيا أولا ويتجلى بصفة (الغفور) لا بصفة (الغافر) لأن موسم الحج الذي يكون الحجاج فيه ضيوفا للرحمن هو المكان المناسب لإبدائه كرم الضيافة لهم وهو الذي يغسل أدران ذنوبهم.
وثانيا أنه بعدما تمحى الذنوب تصبح صفحة القلب شفافة ونورانية وعندها يظهر الله بصفة (الرحيم) ويصبغ القلب بالصبغة الالهية[5].
والحقيقة أن المغفرة هي نوع من إزالة البقع فالله اذا اراد أن يصبغ أحدا ما بالصبغة الالهية يبدأ بإزالة بقع المعاصي من صفحة نفسه ويصيره شفافا ونورانيا، ثم يزين قلبه وروحه برحمته الخاصة التي هي (الصبغة الالهية).
[1] سورة البقرة الاية 198
[3] سورة النصر الايات 1-3
[4] سورة الانعام الاية 160
[5] سورة البقرة الاية 138