تقييم الاداء الوظيفي والحياد
المؤلف:
حسين علي جبر ناصر الزيداوي
المصدر:
حياد الموظف العام ودوره في تحقيق اهداف الوظيفة العامة
الجزء والصفحة:
ص 29-33
2026-07-13
102
إن للوظيفة العامة اهدافا تتضمن تحقيق غايات بناء على ما تضعه لها الإدارة العليا، ومنها اهداف خدمية عامة، مثل الاهداف الصحية والاهداف التعليمية وغيرها، وان توضيح هذه الاهداف وتعريفها امر جوهري بالنسبة للمؤسسة والمرفق العام والموظف الذي يتولى تنفيذ هذه الاهداف بناء على فلسفة النظام السياسي والوظيفة العامة، وان تقويم الوظيفة العامة يعني تقييم قيمتها النسبية من خلال التسلل الهرمي للوظائف، وحسب الهيكل التنظيمي وبشكل يتيح الدفاع عنها ويمكن من استخدامها على وفق الاساس القانوني لها، وحسب درجة المساهمة في تحقيق المصلحة العامة (1) ، وهنا لابد لنا من الوقوف على الخلفية التاريخية لتقويم الاداء حيث تشير الوثائق التاريخية إلى أن قدماء السومريين في حضارة بلاد الرافدين في العراق اليوم قد مارسوا فنون الادارة العامة كما استخدم سكان العراق القديم اسس وقواعد العملية الإدارية بشكل عام وعملية تقويم الاداء بشكل خاص، كما مارست حضارة وادي النيل مصر اليوم عملية تقويم الأداء بشكل كبير وواسع، بحيث اعتمدت كنشاط من انشطة الرقابة الادارية وكان الهدف منها في مصر القديمة متابعة اداء ادارات الاقاليم التي كانت تتبع إلى هذه الحضارة، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ التعليمات الصادرة من الإدارة المركزية حيث يساهم ويشترك رؤساء المصالح العامة وحكام الاقاليم برقابة اداء الموظفين والمستخدمين في السلطات وبحسب القانون (2) ، وهذا ما هو معمول به اليوم في الدساتير الحديثة ومنها الدستور العراقي لعام 2005 وكما ورد في المادة (14) والتي تنص على العراقيون متساوون امام القانون من دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون او الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي".
إذ أن قيام الموظف العام بما عليه من حقوق وماله من واجبات، ينبغي ان يكون على درجة عالية من الاحترام، وفي نفس الوقت على معرفة ودراية ودقة بما يقوم به او ينجزه من اعمال الوظيفة العامة (3)، وتحقيق اهداف التطوير التنظيمي والتنمية الادارية والتي هي كما يأتي:
1. دعم كفاءة المرفق او المؤسسة العامة وفعاليتها ودعم الانتاجية في العمل.
2. تنمية القوى البشرية وتحسين ادائها وهو هدف اساسي من اهداف التطوير التنظيمي والوظيفة العامة. .. رفع قدرة المؤسسات العامة والهيئات والمرفق العام على معالجة التغيرات الخارجية التي تؤثر في عملها وخاصة النشاط الحزبي الذي قد يتعارض مع اهداف الوظيفة العامة.
4. ایجاد نوع من التكامل والانسجام كلما كان ذلك ممكنا بين اهداف المرفق والمؤسسة العامة والحقوق والحريات السياسية والشخصية للأفراد.
5. دعم وترسيخ قيم التعاون والانتماء الوطني والعيش المشترك بين الرؤساء والمرؤوسين بدل الالغاء والتهميش وسيطرة طرف واحد، وبما ينسجم مع القيم الاخلاقية والديموقراطية والدينية القائمة على كلمة سواء، بعيدا عن الفرقة والانقسام وتغليب سيادة القانون"(4).
إن التنسيق في اطار التنظيم الاداري والوظيفة الادارية ضروري وعنصر أساسي في العمل الإداري، لأن التنسيق هو وظيفة ايضا يستطيع من خلالها الموظف العام تحقيق و تنمية جهد جماعي مشترك يخدم اهداف الوظيفة العامة، حيث يعرف النظام الاداري بشكل عام بانه مشروع يخدم فكرة منظمة تندمج فيه الفكرة بالمشروع اندماجا يجعل منهما وحدة ذات سلطان وديمومة يعلوان فوق الافراد الذين يتصرف النظام بواسطتهم في بيئة اجتماعية معينة (5) ، وهنا فان بيئة الوظيفة العامة هي جزء من البيئة السياسية والنظام السياسي الحاكم و يعملان معا من اجل تحقيق المصلحة العليا، وهذا ما يحرص عليه تقويم اداء الموظف من خلال الحياد والموضوعية في تنفيذ البرامج والسياسات الخاصة بشؤون الموظفين لكون ان تقويم الاداء يساعد في الكشف ايضا عن جوانب النشاط الوظيفي الايجابي والسلبي وما يتطلب ذلك من اجراءات تأديبية أو قرارات تنظيمية رشيدة (6) ، بعيدة عن تضارب المصالح وسوء الادارة والميل السياسي الذي يهدر كرامة الوظيفة العامة، ويهدد الاستقرار الاجتماعي والأمن القانوني معا، ويساهم في زيادة المنازعات والخصومات غير المبررة.
وتبقى هنالك مسالة مهمة ايضا في مسالة الأهداف التنظيمية للمرفق العام وعلاقتها بالوظيفة العامة، وهي هرمية الاهداف والثانية هي اهمية الاهداف التنظيمية، حيث ان من خصائص الأهداف التنظيمية آنها ذات شكل او تنظيم هرمي، حيث هنالك اهداف فرعية ذات صلة بأهداف اساسية، مما يتطلب تحديد كل هدف بدقة اذا ما اريد دراسته وتحليله للوقوف على اهمية كل هدف ومستواه وتسلسله في سلم الاهداف حيث هنالك مستوى ادنى كما هنالك مستوى أعلى (7)، وكذلك هناك سلم للمسؤولية الإدارية وبحسب الدرجات الوظيفية والملاك الخاص بكل مؤسسة عامة، حيث هناك وظائف ودرجات خاصة وهناك وظائف تنفيذية ملزمة ووظائف استشارية غير ملزمة للرئيس الأعلى للمرفق العام، وأن اهداف المرفق العام قد تختلف من مرفق الى اخر، حيث ان اهداف الموظف العام العامل في القطاع الصحي أو التربوي قد تختلف عن اهداف الموظف العام العامل في قطاع الخدمات ولكل منهم حقوق وواجبات وظيفية ينظمها القانون المعني وهي تلتقي جميعا في تحقيق المصلحة العامة وتقديم الخدمة والتي قد تكون تربوية أو صحية أو اقتصادية أو انتاجية أو تجارية وغيرها، ومن خلال ما تقدم تتضح لنا اهمية تقويم الاداء الوظيفي مما يتطلب منا الوقوف على تعريف تقويم الاداء الوظيفي لما له اهمية كبيرة في تحقيق اهداف الوظيفة من حيث الحقوق والواجبات التي يجب على الموظف القيام بها أو تلك التي يجب علية الامتناع عنها .
وقد عرف تقييم الاداء الوظيفي كمصطلح وهو التعريف الاساسي والمهم في موضوع البحث بتعريفات عديدة منها، تقييم أداء موظف معين يشغل وظيفة معينة خلال فترة زمنية محددة" كما ان الباحثين وان اختلفت الآراء حول ايجاد تعريف جامع ومانع إلا أن هذه التعريفات متقاربة، فمنهم من عرفه بانه عملية اصدار حكم على اداء وسلوك العاملين في "العمل" وكذلك هو نظام يقوم من خلاله تحديد مدى كفاية اداء العاملين لأعمالهم" وهو ايضا تقدير الفرد دوريا بما يتعلق بإدائه لعمله وامكانياته في التقدم ويعرف تقويم الأداء بانه عملية يتم بموجبها تقدير جهود الموظف بشكل منصف وعادل لتجري مكافاته بقدر ما يعمل وينتج، وذلك بالاستناد الى عناصر ومعدلات يتم على اساسها مقارنة ادائه بها لتحديد مستوى كفايته في العمل الذي يقوم "به ومع ذلك فان الفقهاء يرون ان هذه التعاريف قاصره وذلك بسبب اعتمادها على عنصر العمل فقط دون الاخذ بالاعتبار اهمية العناصر الأخرى ومنها مثلا السلوك والعلاقات الوظيفية (8) ، ونؤيد هذا الراي ، لأن تقويم اداء الموظف العام ينبغي ان يراعى فيه امكانيات الموظف وقدراته على العمل ونوع الوظيفة التي يقوم بها وحجم المسؤولية التي ينهض بها، وكذلك بيئة العمل والظروف المحيطة بها سواء كانت داخلية أو خارجية. وهناك من الباحثين من عرف تقويم الأداء الوظيفي بانه " تقيم اداء الموظف للعمل ومسلكة وعلاقاته الوظيفية وتقدير مدى قدرته وصلاحيته للقيام بأعمال ووظائف ذات مستوى أعلى" ويرى الفقهاء وأن هذا الاتجاه في تعريف تقويم الاداء الوظيفي اشمل مما سبق وهو اقرب الى الدقة والتجرد والموضوعية، لأنه يراعي الجانب العملي في الاداء الوظيفي وكذلك السلوك الوظيفي للموظف العام في اطار بيئة الوظيفية الإدارية (9)، والبيئة الخارجية مما يساعد على التطور وهو ما تستلزمه الوظيفية العامة، وبدورنا نرجح هذا التعريف لأنه يساعد في ترسيخ الحياد الايجابي المستمر والهادف والذي يعني القيام بواجبات الوظيفة العامة، حيث من الخصائص المهمة في الحياد الايجابي هو عدم الانحياز الى أي طرف من الأطراف (10) .
وهو مما يساعد على كسب الثقة بالموظف والوظيفة العامة كأداة بيد الدولة لتحقيق اهدافها، وكذلك الحياد السلبي والمتمثل في الامتناع عن كل ما لا يليق بالوظيفة العامة ويحط من كرامتها ومن ذلك سوء الادارة مما يستدعي وجود الرقابة الادارية والقضائية على نشاط الإدارة العامة، وكذلك متابعة السلوك الوظيفي للموظف وتفعيل الجزاء الإداري أو الجنائي أو المدني المناسب وبحسب نوع وجسامة المخالفة. لكي تتمكن الدولة من ادارة المرفق العام بشكل جيد وبأفضل صورة وبما يمكنها من تحقيق غاية الدولة وتقديم أعلى مستويات الخدمة الممكنة، ووفق نظام قانوني يكفل تنظيم العلاقة بين ادارة الدولة او الادارة العامة وموظفيها، وبما يحقق التوازن ويضمن استمرار المرفق العام ويحقق الغاية المقصودة بعيدا عن الانحراف والميل السياسي الضيق(11).
___________
1- جير آلد كول الادارة في النظرية والتطبيق. ترجمة حسام الدين خضور ، ط 1 ، دار الفرقد، دمشق، 2014، ص 672.
2- طلال جمال شريف تقويم اداء الموظف العام في القانون العراقي، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2020، بغداد، ص 7.
3- نور علي كاظم الكفاءة كشرط لتولي الوظيفة العامة في القانون العراقي دراسة مقارنة ، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، سنة النشر 2021، بغداد، ص 57
4- د. بلال خلف السكارنه، القيادة الادارية الفعالة، ط1، دار المسيرة، عمان، 2010 ، ص 27.
5- د. اسراء علاء الدين نوري مساهمة النظم الادارية في صنع السياسات العامة، ص 15 وما بعدها.
6- طلال جمال شريف تقويم اداء الموظف العام في القانون العراقي، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2020، ص 30.
7- د. منقذ محمد داغر ود عادل حرحوش صالح، نظرية المنظمة، ط 1 ، الناشر الذاكرة للنشر، بغداد، 2020، ص 194.
8- نقلاً عن: طلال جمال شريف تقويم اداء الموظف العام في القانون العراقي، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2020 ، ص 11.
9- طلال جمال شريف تقويم اداء الموظف العام في القانون العراقي، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2020، ص 17
10- د. محمد علي حمود، وريبين مدحت عمر الحياد الايجابي والسلوك السياسي الخارجي العراقي بعد عام 2020، ط1، دار هاتريك سنة النشر أربيل، 2025، ص 15.
11- حسن محمد دحام اصول التحقيق الاداري في ظل القوانين العراقية، ط 1، مطبعة الكتاب، بغداد، سنة النشر 2017، ص 1.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة