مظاهر المخالفة الدستورية وآثارها
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 136-143
2026-07-04
41
قد تتخذ مخالفة المحكمة الاتحادية العليا لنصوص الدستور الصريحة مظاهر مختلفة ، ومن هذه المظاهر المخالفة بالامتناع وهو المظهر السلبي للمخالفة كالتنصل عن الفصل بالدعوى بحجة عدم الاختصاص أو الامتناع عن تفسير نصوص الدستور ، أو قد تظهر بصورة القيام بعمل كأصدار حكم مخالف لنصوص الدستور الصريحة وهذا هو المظهر الأيجابي، منها المخالفة الشكلية أو الموضوعية التي نص عليها الدستور ، ولتلك المخالفة القضائية لنصوص الدستور آثاراً سنبين كلا منها على النحو الآتي :-
أولاً / مظاهر المخالفة السلبية وأثرها :- قد تصدر المحكمة الاتحادية العليا أحكاماً تظهر فيها بمظهر الممتنع عن القيام بعمل قانوني أوجبه الدستور، ومن تلك الاحكام التي أصدرتها الامتناع عن تفسير نص دستوري ، أو قد تتنصل عن ممارسة الاختصاص المنصوص عليه في الدستور، وسنتناول فيما يتعلق بهذا المظهر حكمين للمحكمة وهما على سبيل المثال لا الحصر وعلى النحو الآتي :-
1- ورد طلب من مجلس النواب بتاريخ 5 / 9 / 2013 يشير الى ورود مشروع قانون التخلي عن الجنسية المكتسبة من وزارة الدولة لشؤون مجلس النواب، ولمقتضيات السير في أجراءات تشريع مشروع القانون نرجو بيان المقصود بما ورد في نص المادة ( 18 / رابعاً ) وما يمكن أن يعتبر من المناصب السيادية الرفيعة وفق النص الدستوري .
وبعد مرور ما يزيد عن ( 16) شهرا أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكمها التفسيري ذي العدد 100 / اتحادية / 2013 في 19 / 11 / 2015 ، ذهبت فيه الى أن ( تعبير المنصب السيادي والامني الرفيع الذي تنص عليه المادة ( 18 / رابعاً ) من الدستور مناط تحديده الى التوجهات السياسية في العراق ، والقائمون عليها هم من يحدد هذه المناصب ومدى تأثيرها في السياسة العامة للدولة وتنظم مدلولاتها وفقا لذلك بقانون ) (1).
ولا شك أن ما ذهبت أليه المحكمة في حكمها يشكل انتكاسة كبرى لممارسة اختصاصها في التفسير ، ويدخل متغيرات في أحكامها تخالف أحكام الدستور وتودي بموضوعه ، فهي معنية وملزمة بموجب المادة ( 93 / ثانياً ) من الدستور بتفسير أحكامه وأيضاح معنى نصوصه وأجلاء الغموض والالتباس عنها ، بيد أنها تخلت عن ذلك وأحالته للقائمين على التوجهات السياسية في الدولة رغم أنها تدار من مؤسسات دستورية منتخبة ، وربطت تلك التوجهات السياسية بالسياسة العامة للدولة التي أسندها الدستور في المادة ( 80 / أولا ) لمجلس الوزراء (2) .
أذ أن تخلي المحكمة عن اختصاصها ما هو الا رضوخ للارادة السياسية يزيد من غموض تلك النصوص ، ويوصف على أنه كبوة في طريق استقلال القضاء الذي يفترض أن لا يتردد في أنزال حكم القانون (3) .
وبدورنا نعتقد أن ما ذهبت أليه المحكمة الاتحادية العليا ماهو الا أمتناع عن أداء الاختصاص ، ومظهراً من المظاهر السلبية لمخالفة نصوص الدستور الصريحة التي اختصت المحكمة الاتحادية العليا في المادة ( 93 / ثانيا ) بتفسير نصوص الدستور وليس للقائمين على التوجهات السياسية، علاوة على ما تقدم نجد أن تقديم طلب التفسير قدم بتاريخ 5 / 9 / 2013 وصدر الحكم من المحكمة بتاريخ 19 / 1 / 2015 ، وهذا التأخر بأصدار الحكم التفسيري بما يزيد عن ( 16 ) شهرا يدلل على قصد المحكمة الامتناع عن التفسير ، ويعزز من تقاعسها عن أداء واجبها الدستوري بتفسير نصوص الدستور لغرض أصدار قانون بأهمية قانون التخلي عن الجنسية المكتسبة .
وبرز أثر هذه المخالفة في بقاء هذا المصطلح غامضاً ومبهما وخضوعه للتوجهات السياسية المتعددة والمتناقضة في الرؤى ، مما أدى لعدم صدور قانون مهم وهو قانون التخلي عن الجنسية المكتسبة لغاية اللحظة .
ومما زاد من توغل المحكمة الاتحادية العليا في مخالفتها لارادة المشرع الدستوري المتمثلة بعدم جواز تولي مزدوجي الجنسية للمناصب السيادية العليا ، أصدارها للحكم بالعدد 8 / أتحادية / 2015 في 4 / 5 / 2015 حين طلب فيه المدعي الغاء مرسوم رئيس الجمهورية بتكليف رئيس لمجلس الوزراء من مزدوجي الجنسية ، وتصويت مجلس النواب على تشكيلته الوزارية لمخالفته نص المادة ( 18 / رابعا ) من الدستور. والذي ردت فيه المحكمة أدعاء المدعي لفقدانه السند القانوني معللة حكمها بأن الدستور ربط تطبيق ذلك النص بصدور قانون بهذا الصدد، وبما أن القانون الذي ينظم كيفية التعامل مع مزدوجي الجنسية ممن تولوا مناصب سيادية لم يشرع لا يمكن اصدار الحكم بألغاء التكليف (4).
وبدورنا نرى كأن لسان حال المحكمة ( عند تعليلها لردّ الادعاء ) يقول للمدعي ، أني أرى تكليف رئيس المجلس الوزراء والمصادقة على تشكيلته الوزارية مخالفا لارادة المشرع الدستوري الواردة في المادة ( 18 / رابعاً ) ، لكن لا أحكم بعدم دستوريته لعدم صدور قانون عادي ينظم ذلك ، وكأن المحكمة تحكم وفقا للقوانين العادية وتناست أن أحكامها تصدر بالاستناد لأحكام الدستور ، بدليل أنها لم ترد الادعاء لان المكلف لم يكن مزدوج الجنسية ولم ترده لان المنصب غير سيادي، بل ردّته لعدم وجود قانون سبق أن كانت ( بأعتقادنا ) أحد أسباب تلكؤ صدوره ، ورغم هذا وذاك لم تجتهد المحكمة الاتحادية العليا وتحافظ على الدستور وتحكم بعدم دستورية ذلك التكليف وتلك المصادقة ، وتركت الدستور عرضة للانتهاك مساهمة مع من خالفوا أحكامه بتعطيلها للنص الدستوري وأمتناعها عن تفسير مصطلح المنصب السيادي ، تاركة ذلك للتوجهات السياسية التي قد تمنح المناصب الدستورية لمزدوجي الجنسية وحاملي الولاء لدولة اجنبية وهم يصدرون القرارات المصيرية في الدولة ، وظهرت بمظهر من يضع العصا في العجلة مكتفية برد المدعين بحجة عدم تشريع القانون ، فلا هي مفسرة لمصطلح المناصب السيادية العليا لكي تساعد في تشريع القانون ، ولا هي تراقب على دستورية الاجراءات وتحكم بعدم دستوريتها حفاظاً على الدستور من الانتهاك ضاغطة بأتجاه تنظيم القانون
- أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكما بالعدد 158 / أتحادية / 2019 في 20/ 1 / 2020 برد دعوی المدعي لعدم الاختصاص ، حين طلب الحكم ببطلان عضوية أحد النواب أستنادا للمادة ( 52 / ثانيا ) ، أذ سبق أن تقدم المدعي بطلب للمدعى عليه رئيس مجلس النواب أضافة لوظيفته معترضا على صحة عضوية النائب المعترض عليه ، ولم يتم الرد عليه ضمن المدة الدستورية البالغة ثلاثون يوماً من تاريخ تسجيل أعتراضه ، حيث وجدت المحكمة وجوب الفرز بين موقف مجلس النواب بعدم عرض الاعتراض على أعضاء مجلس النواب للتصويت عليه ، وبين القرار الذي يصدره المجلس بأغلبية ثلثي أعضاءه عند نظر الاعتراض على صحة عضوية أحد النواب وهو ما تختص به المحكمة الاتحادية العليا وفقا لاحكام المادة ( 52 / ثانيا) من الدستور ، وبما أن مجلس النواب لم يصدر قرارا بشأن صحة عضوية النائب المُعترض على صحة عضويته من عدمه فأن اختصاصها المنصوص عليه في المادة أعلاه لم يتحقق ، وهذا ما أستقر عليه قضاء هذه المحكمة أيضاً في حكمها 72 / أتحادية / 2019 في 23 / 9 / 2019 حين قضت بعدم جواز سحب قرار مجلس النواب الحكمي بعدم عرض الاعتراض على أرادة أعضاء مجلس النواب بأغلبية الثلثين وأعتباره قرارا صادرا عنهم (5) .
ولعمري أن حكميها ما هو الا مظهرا من مظاهر التنصل عن ممارسة الاختصاص بالرقابة على أمتناع مجلس النواب عن أداء مهامه ، وعدم البت في الاعتراض على صحة العضوية ضمن المدة البالغة ثلاثون يوماً والمنصوص عليها في المادة ( 52 / أولا ) من الدستور، وهو أمتناع من المحكمة أيضا عن ممارسة اختصاصها بالرقابة على قرارات مجلس النواب السلبية وهو ما أطلقت عليه المحكمة تسمية ( قرار مجلس النواب الحكمي ) في حكمها 72 / أتحادية / 2019 .
وبدورنا نتساؤل عن دور المحكمة الاتحادية العليا عند أمتناع رئيس مجلس النواب عن عرض طلبات الطعن بصحة العضوية ، الا يعد ذلك مخالفة لاحكام الدستور يستدعي من المحكمة ممارسة دورها بحماية نصوصه من الانتهاك وعدم احترام المدد المنصوص فيها ؟ ومن يلزم مجلس النواب للنظر في طلبات المعترضين على صحة عضوية أعضاءه فيما لو أمتنع عن القيام بذلك ؟ وما الذي يمنع المحكمة الاتحادية العليا من أصدار حكم يُلزم مجلس النواب بالنظر بتلك الطلبات فيما لو تجاوزت المدة الدستورية البالغة ثلاثون يوماً وممتنعاً عن أداء مهامه ، كما فعلت ذلك وأصدرت حكمها بالعدد 55 / أتحادية / 2010 في 24 / 10 / 2010 تلزم فيه رئيس المن بدعوة مجلس النواب للانعقاد واستئناف الجلسة المفتوحة .
عليه ندعو المحكمة الاتحادية العليا للعدول عن توجهها بالسكوت عن امتناع رئيس مجلس النواب عن درج طلبات الاعتراض على صحة العضوية في جدول أعمال المجلس ، والذي نعتبره قرارا تشريعياً سلبياً يستوجب الرقابة على دستوريته ، وأيقاف الانتهاك للمدة الدستورية عند النظر بتلك الطلبات والبالغة ثلاثون يوماً من تاريخ تسجيل الطلب والواردة في المادة ( 52 / أولاً ) ، حتى يتنسى للمعترضين تقديم طعونهم أمام المحكمة الاتحادية العليا وفقا للفقرة ثانياً من ذات المادة الدستورية ، وبخلاف ذلك فأن توجه المحكمة مع أمتناع مجلس النواب عن البت في الطلبات يجعل المعترضين معلقين فلا هم تم البت بطلباتهم ولا بأمكانهم التوجه للمحكمة للطعن بما يبت به المجلس ، وذلك لعدم أعتبار المحكمة سكوت مجلس النواب قرارا صادر عنه رغم أعترافها أنه ( قرار حكمي ) ...، مما يعرض حقوق المعترضين التي كفلها الدستور وأصوات ناخبيهم للضياع بسبب امتناع مجلس النواب عن البت بطلباتهم وتنصل المحكمة الاتحادية العليا عن ممارسة اختصاصاتها .
ثانياً / مظاهر المخالفة الايجابية : قد يصدر للمحكمة الاتحادية العليا أحكاما تخالف بها نصوص الدستور الصريحة وتظهر بمظهر القيام بعمل يجسد تلك المخالفة الدستورية سواء أكانت المخالفة لنصوص الدستور من ناحية الشكل أو الموضوع ، وسنورد بعض من تلك الاحكام التي صدرت عن المحكمة على سبيل المثال لا الحصر وعلى النحو الآتي :-
1- مخالفة أحكام المحكمة الاتحادية العليا للاجراءات الشكلية الواردة في نصوص الدستور :- أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكما بالعدد 53 / أتحادية / 2011 في 18 / 10 / 2011 ، قضت فيه أن عدم تسمية وزراء لبعض الوزارات بعد مرور خمسة أشهر وأناطتها بالوكالة لوزراء جرى التصويت عليهم لا يُعد خرقاً لاحكام الدستور ، وقد عللت المحكمة حكمها بعدم وجود نص دستوري يمنع ذلك ، ولعدم حصول التوافق بين الكتل السياسية على تسمية وزراء لتلك الوزارات ولم تقدم مثل تلك الترشيحات لمجلس النواب (6) .
وحكم المحكمة أعلاه هو مخالفة صريحة لنص المادة ( 76 / ثانياً ) التي حددت مدة ثلاثون يوماً يتوجب على رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية وزرائه خلالها وهي مدد أمرة لا يمكن مخالفتها (7) ، كما ان هذه الصفة الأمرة للمدة الدستورية واضحة حين أستعمل المشرع عبارة ( خلال مدة أقصاها ) ، وهو ما يدل على أهمية المدة لدى المشرع فهي تعني للبرهة الزمنية التي تمنح للمكلف بتشكيل مجلس الوزراء خلال الحد الاقصى للمدة وهي الثلاثون يوماً، وبخلاف ذلك يُعد أخفاقا للمكلف يرتب أثرا بتكليف رئيس الجمهورية لمرشح جديد لتشكيل مجلس الوزراء خلال ذات المدة، عليه من العجب تجاهل المحكمة الاتحادية العليا ذلك وذهابها عكس ما نص عليه لتساير الواقع السياسي في انحرافه دون مراعاة تحديد المدد الدستورية ولا اجتهاد في مورد النص (8) .
وبدورنا نعتقد أن حكم المحكمة أعلاه هو خرق واضح لحكم المادة ( 76 / ثانيا ) من الدستور ، التي نصت صراحة أن يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ التكليف ، وأن أتكاء المحكمة لعدم وجود نص يمنع أدارتها بالوكالة رغم مرور خمسة أشهر يتنافى مع أرادة المشرع التي أوضحها بتحديد مدة للتسمية تشير لفشل المكلف بتسمية أعضاء حكومته يستدعي من رئيس الجمهورية استناداً للمادة ( 76 / ثالثا ) تكليف مرشح آخر يمكنه القيام بذلك ، فضلا عن أن المحكمة ظهرت في حكمها وكأنها تؤسس لشرعية أحلال التوافقات السياسية وتوزيع الحقائب الوزارية كل حسب . استحقاقه الانتخابي محل الاغلبية ، وباتت توجد الأعذار للتأخر في تسمية باقي أعضاء الحكومة بدل الحكم بأنتهاك عدم تسمية وزراء بالاصالة لوزارات ذات أهمية كالوزارات الامنية لاحكام الدستور بعد مرور خمسة أشهر ، أذ جاء في حكمها ( أن كان من شأن تسمية وزراء لهذه الوزارات والمصادقة على ذلك مما يقتضيه حسن الاداء وتوزيع المسؤوليات ، الا أن ذلك لا يختص المدعى عليهما / أضافة لوظيفتهما بالقيام به بمفردهما ، وانما تتوزع المسؤولية في ذلك على الكتل السياسية كافة المشاركة في الوزارة الحالية وفي مجلس النواب التي يلزم أن تتنادى الى كلمة سواء للتوافق على مرشحين ممن تتوافر فيهم المعايير المهنية المطلوبة لمثل هذه الوزارات ) . وكان أثر كل ما صدر عن المحكمة ومجاراتها ورضوخها للتوافقات السياسية ، بقاء هذه الوزارات شاغرة وتدار بالوكالة طيلة الدورة الانتخابية الثانية .
2- مخالفة أحكام المحكمة الاتحادية العليا للجانب الموضوعي الوارد في نصوص الدستور :- صدر للمحكمة حكم بالعدد 118 / أتحادية / 2015 في 130 / 11 / 2010 ردا على طلب مجلس النواب لتفسير المادة ( 87 ) من الدستور، والتي ورد فيها أن السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفقا للقانون ، ومدى ارتباطها بالمادة ( 101 ) منه التي أجازت أنشاء مجلس دولة بقانون يختص بوظائف القضاء الاداري والافتاء والصياغة ، وهل أن ذلك القضاء والافتاء يعتبر مظهرا من مظاهر السلطة القضائية الواردة في المادة ( 87 ) من الدستور ، حيث قضت في الحكم أعلاه بأن القضاء الاداري لا يُعد جزءاً من السلطة القضائية الاتحادية المنصوص عليها في الدستور والقوانين ، سيما وأن الذين يمارسون القضاء الاداري هم ليسوا من القضاة وفق قانون التنظيم القضائي ممن جرى تأهيلهم لمهام القضاء (9).
وكان من آثار حكم المحكمة الاتحادية العليا السابق أن صدر قانون مجلس الدولة رقم (71 ) لسنة 2017 (10) وقد نص في مادته الأولى على أنشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الاداري بيد أنه هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية ، وشتان بين مجلس الدولة بوصفه قضاء أداري حسب وصف المادة ( 101 ) من الدستور التي وردت ضمن الفصل الثالث الذي ينظم السلطة القضائية ويصدر أحكاما قضائية ، وبين الهيئات المستقلة الواردة في الفصل الرابع والتي أما تتبع مجلس النواب أو مجلس الوزراء وتصدر قرارات ادارية .
وحين طعن بعدم دستورية القانون أعلاه أمام المحكمة الاتحادية العليا قامت برة الطعن أيضاً بحكمها 85 / اتحادية / 2017 في 10 / 10 / 2017 لعدم وجود مخالفة دستورية ، أذ وجدت المحكمة أن عدم ربط مجلس الدولة بالسلطة القضائية هي مسألة تنظيمية ، لان اختصاصاته تختلف عن اختصاصات مكونات السلطة القضائية ، كما ان وصفه بأنه من الهيئات المستقلة يجد سنده في المادة ( 108 ) التي أجازت أستحداث هيئات مستقلة غير المنصوص عليها في الدستور وبحسب الحاجة والضرورة وهو ما اجراه مجلس النواب (11) .
ويبدو أن المحكمة قد ألقت على نفسها الدليل بأنها هي من عبد الطريق لمجلس النواب وأيده بأتجاه جعل مجلس الدولة هيئة مستقلة خاضعة لاحكام الهيئات المستقلة الواردة في الفصل الرابع من الباب الثالث من الدستور، وأقصائه من تشكيلات السلطة القضائية الوارد ذكرها في الفصل الثالث من ذات الباب الثالث (12) ، وقد ظهرت ايضاً متمسكة بتوجهها في حكمها السابق 85 / أتحادية / 2017 .
وذهب رأي فقهي الى أن توجه المحكمة توجه لا يستند لدليل ، فهي تتجاهل تفسير الدستور المنطقي الذي حدد معنى النص وفق موقعه من مجمل نصوصه ، وبما أن دستور جمهورية العراق لعام 2005 قد قسمت نصوصه الى أبواب وفصول بسبب أشتراكها في ذات الطبيعة وتنظم ذات الموضوع، عليه فأن ورود النص الذي يشير لانشاء مجلس الدولة ضمن الفصل المعنون بـ ( السلطة القضائية ) يجعله جزءا من هذه السلطة وليس سلطة أخرى ، أضافة لذلك أن المحكمة لم توفق حين حكمت بأن من يمارس القضاء الاداري هم ليسوا قضاة ، فلا يشترط ان يكون العاملين في المحاكم من فئة القضاة ، فدستور 2005 قد ضم في المادة (92 / ثانيا ) خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون في تكوين المحكمة الاتحادية العليا وهي محكمة لا خلاف عليها ، فضلا عن أن قانون مجلس الدولة رقم 65 لسنة 1979 أجاز انتداب القضاة من الصنف الاول والمفتشين القضائيين والمدعين العامين للعمل في مجلس الدولة (13) .
علاوة على ماتقدم فأن وصف تسمية اختصاص مجلس الدولة بمصطلح ( القضاء الاداري ) في المادة ( 101 ) من الدستور يدلل على أنه قضاء خلافا لما قضت به المحكمة في حكمها أعلاه بأنه هيئة مستقلة فضلا عن وروده ضمن فصل السلطة القضائية .
ولو سلمنا جدلا بحكم المحكمة لنا أن نتساءل عن حجية ما يصدر عن مجلس الدولة بعد أقصاءه عن السلطة القضائية وما تكييف ما يصدر عنه ؟ وهل تناله حجية الاحكام ونفاذها على المتخاصمين ؟ ولو كان القضاء الاداري ليس جزءاً من السلطة القضائية والذي لا تتعدى أحكامه ألغاء القرار الاداري أو تخفيفه أو المصادقة عليه ، فما وصف المحكمة الاتحادية العليا للقضاء العسكري المنصوص عليه في المادة ( 99 ) والذي تصدر محاكمة العسكرية ( بحسب وصف المشرع الدستوري ) أحكاما تتعلق بالجرائم ذات الطابع العسكري والتي قد تتنوع بين الاعدام والعقوبات السالبة للحرية والغرامات (14) ، فهل ستوصفه المحكمة الاتحادية العليا أيضاً بأنه هيئة مستقلة كالوصف الذي رسمته للقضاء الاداري ؟
لذلك نعتقد أن حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 118 / اتحادية / 2015 الصادر في 30 / 11 / 2015 مخالف لصراحة نص المادة ( 101 ) من الدستور بأنه قضاء ، لكنه قضاء أداري ، وما صدر عنها استخفاف بمجلس الدولة الذي يلعب دورا في كبح جماح السلطة التنفيذية قاضياً بين الأفراد أو الموظفين مع الادارة ، كما ندعو المحكمة للعدول عن هذا التوجه وتكون مطبقة للدستور وحامية لنصوصه لا خارقة له ، وتعطي مجلس الدولة مركزه المهم ، فهو وبحكم الدستور مؤسسة دستورية بات يشار له بالبنان ، وورد ضمن نصوص الفصل الثالث من الدستور وتحت عنوان السلطة القضائية .
خلاصة القول أن المحكمة الاتحادية العليا قد خالفت بعض نصوص الدستور الصريحة ولم تقم بما يملي عليها الدستور من أختصاصات وما يُتوقع منها القيام به من مهام جمة، وتعمد لتفسير نصوص الدستور وتحميها من الانتهاك ، وبدل أن تمارس ذلك الدور الكبير بادرت لخرق نصوصه أما بمظهر سلبي تمثل بالامتناع عن تفسير نصوص الدستور تارة والتنصل عن اختصاصها بالرقابة على الدستورية أو تفسير النصوص تارة أخرى ، أو بمظهر أيجابي تمثل بمخالفتها القواعد الشكلية التي نص عليها الدستور أو بمخالفة القواعد الموضوعية التي قصدها المشرع الدستوري، وكان أثر ذلك أنعكاس أحكامها وبحكم ألزاميتها وحجيتها على السلطات والأفراد كافة أن عطلت نصوص الدستور بسبب غموضها أو طبقت بصورة مخالفة لما قصده المشرع الدستوري .
لذلك نهيب بالمحكمة الاتحادية العليا الكف عن مخالفة نصوص الدستور سواء بالتنصل عن ممارسة اختصاصها بالرقابة أو التفسير ، أو مخالفتها للشكلية التي أوردها الدستور او الفحوى الموضوعية لنصوصه ، وان لاتنظر للنصوص نظرة سطحية وتعيد النظر ببعض أحكامها بما يجعلها ممثل الارادة الحقيقية للمواطن والكاشف عن مقاصد الدستور وروح نصوصه .
______________
1- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 1 / 4 / 2021
2- د. عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية في العراق ، ط 1 ، منشورات مكتبة دار السلام القانونية ، النجف الاشرف ، 2021 ، ص73-74
3- عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية في العراق ، ط 1 ، منشورات مكتبة دار السلام القانونية ، النجف الاشرف ، 2021 ، ص 76
4- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsciq ، تاريخ الزيارة 1 / 4 / 2021
5- الحكمان منشوران على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 1 / 4 / 2021
6- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 1 / 4 / 2021
7- د. مصدق عادل ، قانون المحكمة الاتحادية العليا بين الواقع النظري والآفاق المستقبلية ، مكتبة السنهوري ، بغداد ، 2018 ، ص 149
8- د. عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق ، المصدر السابق ، ص 165 - 166 وسبق للمحكمة أن قضت في حكمها سابق الذكر 93 / اتحادية / 2010 اجازت فيه التشكيل الجزئي والمنقوص للحكومة بوجوب تقيد المكلف بتشكيل مجلس الوزراء بالاصالة أو الوكالة خلال مدة الثلاثين يوماً بدءاً من تاريخ التكليف ، الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsciq ، تاريخ الزيارة 4 / 4 / 2021 .
9- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 4 / 4 / 2021
10- القانون منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4456 في 2017/8/7 المنشورة في موقع جريدة الوقائع العراقية - وزارة العدل www.moi.gov.iq تاريخ الزيارة 4 / 4 / 2021
11- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsciq ، تاريخ الزيارة 4 / 4 / 2021
12- د. عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق ، المصدر السابق ، ص 88
13- د. عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق ، المصدر السابق ، ص88 – 90
14- أنظر المادة ( 10 ) من قانون العقوبات العسكري رقم ( 19 ) لسنة 2007 الذي تصدر محاكم القضاء العسكري العراقي أحكامها بالاستناد لاحكامه ، القانون منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4040 في 9 / 5 / 2007 المنشورة في موقع جريدة الوقائع العراقية - وزارة العدل www.moj.gov.iq تاريخ الزيارة 4 / 4 / 2021 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة