حالات الاجتهاد القضائي ومصادره
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 164-168
2026-06-30
47
يمارس القاضي أو المحكمة الأجتهاد القضائي في حالات معينة ، كما يستقي هذا الاجتهاد من مصادرها والتي سنبينها في النقطتين الآتيتين :-
أولاً / حالات الاجتهاد القضائي-: وتتمثل أهم هذه الحالات بالآتي :-
1- نقص النص : وهنا يثار التساؤل فيما لو عُرضت منازعة على القاضي أو المحكمة لا يوجد نص قانوني يمكن تطبيقه عليها ، فهل يفصل فيها ويجتهد أم يتوقف ويرتكب جريمة أنكار العدالة ؟
فلا شك أن سكوت النص أو قصوره تعد أنسب الحالات لتدخل القاضي للأجتهاد ، واستحداث قاعدة قانونية بالصورة التي واجه بها صمت القانون في مسألة معينة تحتم عليه الفصل فيها (1) .
والقضاء الدستوري في العراق متمثلا بالمحكمة الاتحادية العليا لابد له من الرجوع للدستور الذي يفترض احتواءه لقواعد دستورية تعالج وتنطبق على المنازعات والحالات المعروضة عليه ، أما أذا لم يجد نصاً فهو كحال القضاء الاداري والعادي ملزم بالفصل في تلك المنازعة وسد النقص التشريعي ، وهذا الأمر ماهو الا أعتراف ضمني بدور المحكمة باستحداث قواعد جديدة
فأذا جاءت نصوص الدستور قاصرة عن تقديم حلول لبعض الموضوعات الدستورية والتي تطرح على جهة الرقابة ، فأنه يجوز أبتداع حلول ، تطويرا للنصوص وتطويعاً لها ، بشرط عدم تصادمها مع أرادة المشرع الدستوري (2) .
2- تطوير النص : بما أن المشرع يُصدر القوانين مستوحياً نصوصها من المجتمع ، والمحكمة تطبقها مستوحية قناعاتها من ظروف كل قضية وملابساتها ، عليه فكلاهما يسعيان لتحقيق العدالة ، فأذا لمست المحكمة حاجة القانون للتغيير والتجديد في قضية ما وأن النصوص التي بين يديه لا تحقق العدالة ولا تستجيب لمقتضيات المنازعة ولا ظروفها ، فهل يمتنع عن الحكم ناكراً للعدالة أم يخضع لتلك النصوص ويحكم بما لا يحقق العدل والانصاف ؟ (3)
وانطلاقا من أن عمل المحكمة يهدف لتحقيق العدالة ، فهذا يدفعنا للقول بوجوب أتباعها لطريق العدالة فيما لو لاحظت بوناً شاسعاً بينها وبين النص القانوني ، فلا يُطبق الاخير على علاته ، والعلة تعود لعدم جواز الزام المحكمة بالحكم خلاف ما قصده المشرع من تحقيق للعدالة والانصاف والمساواة أمام القانون وخلاف وجدان المحكمة وضميرها، وبالتالي بات من المحقوق على المحكمة الركون للأجتهاد القضائي للاتكاء عليه لتطوير النص وحل النزاع بصورة عادلة .
وفي مجال القضاء الدستوري فان جهة الرقابة على الدستورية قد تمنح نصوص الدستور تطويعاً وتوفيقاً مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة ، مما يقربها من التعبير عن القصد الصحيح للمشرع ويجعلها صامدة في مواجهة المتغيرات التي تطرأ على المجتمع وتلبي للمحاكم الحلول للأوضاع الطارئة أو المستجدة والملائمة لها (4) ، وأذا كانت نصوص الدستور غير معرضة للتعديل أو الالغاء المتكرر وصالحة للتطبيق مدة طويلة من الزمن، فينبغي عدم تحديد معانيها والنظر لها نظرة ضيقة والانطلاق بها نحو آفاق رحبة ممتلئة بتطوير النصوص وتقدمها (5) .
بيد أن تطوير النصوص بالاجتهاد وتطويعها مع المتغيرات اللاحقة على صدور الدستور يجب أن لا تتصادم مع أرادة المشرع الدستوري لحظة وضع النص ، وتنسب أليه ما لم يَدْرُ في خلده ، والا ما فائدة النصوص المنظمة لاجراءات التعديل الموجودة في صلب الدستور والتي يلجأ اليها عند زوال قيمة القواعد الدستورية واختلافها عن الظروف التي وضع فيها (6) .
وأخيرا فأن الاجتهاد في مجال القضاء الدستوري يمكن النظر أليه من خلال أمكانية استجابة نصوص الدستور للواقع والوقائع ، والقياس على أمكانية تطويرها واستحداث نصوص دستورية بما يتوائم مع قضايا المجتمع ، فقد لا يتوافق التطوير أو الاستحداث مع نصوص الدستور أو التخفيف من صراحة نصوصه أو فكرته القانونية السائدة ، بقدر ما يتطلب الأمر مزيداً من الضبط والتضييق عند النظر لنصوص الدستور .
ثانيا / مصادر الاجتهاد القضائي ومصدر الشيء هو أصله أو ما يتسبب في وجوده ، ونقصد بالمصادر هنا الطرق والوسائل التي تستحدث بها المحكمة نصاً من العدم، فالمحكمة تبحث عند أجتهادها عن مصادر تستقي منها الحلول الناجعة للمنازعة التي لم تجد لها نص تطبقه عليها ، وهذه المصادر قد تكون متأتية أما من المبادئ والاسس العامة للقانون أو من روح النص ، وسنبين كلا منهما على النحو الآتي :-
1 - المبادئ والاسس العامة للقانون: قد تستقي المحكمة أجتهادها القضائي من مصادرها الرسمية المتمثلة بذات القانون المراد تطبيقه، مستنبطة حكمها من المبادئ التي قد لا تظهر بصورة مكتوبة في القانون المراد تطبيقه وتستلهم منها الحل القانوني ، فقد ترى المحكمة أن هذه النصوص مجرد تطبيقات جزئية لنصوص أعمّ وأشمل تتعدى تلك النصوص لتطبق على حالات خارجها ، فيستخرجها القاضي في حكمه لتحيا حياة مستقلة عن النصوص (7) .
وقد نص القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل في مادته الأولى على سريان نصوصه على جميع المسائل الواردة فيه ، فأذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف ، فأذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملائمة لنصوصه دون التقيد بمذهب معين ، فأذا لم يوجد بمقتضى قواعد العدالة ، وتسترشد المحاكم في كل ذلك بالاحكام التي أقرها القضاء والفقه في العراق ثم البلاد الأخرى التي تتقارب قوانينها مع القوانين العراقية .
وقد تلجأ المحكمة للمبادئ العامة للقانون والتي يعود أصلها للقضاء الاداري متمثلاً بمجلس الدولة الفرنسي ، الذي أستخلص مجموعة قواعد غير مكتوبة من الاتجاهات العامة للقانون وأصبحت ملزمة طالما لم يُنص القانون على نصوص تخالفها (8) ، وقد تلجأ المحكمة للبحث عن الحل من خلال القضايا المشابهة المعروضة على محاكم أخرى أو مقارنة .
أن أجتهاد المحكمة وأستحداثها للنصوص تمر بمراحل أولها مرحلة الاكتشاف وهي مرحلة العلم بالنقص الذي يشوب القانون وأن هذا النقص لم يعالج من قبل المشرع ، وبعد ذلك يتم البحث عن الحل الذي يسدّ ذلك النقص ويكمله ، تليها مرحلة صناعة النص القانوني والتي يمكن أظهارها للعلن في مقالات القضاة وكتاباتهم للتعريف بالحل المزعوم واخراجه للوجود ، مما يفسح الباب لتلقي الآراء بالحل المحتمل من ذوي الاختصاص، لتنتهي هذه المراحل بأدماج الحل في حيز النظام القانوني بوصفه علاجاً للنقص التشريعي ويصبح عنصرا من عناصر المشروعية (9).
2- روح النص : قد يكون الحل أو الاجتهاد القضائي لا يُستند فيه لمصادر محددة بقدر ما يعتمد في أستنباطه على جوهر القانون وروحه ومبادئ العدل والانصاف ، فالمشرع والقضاء يستلهمان الضمير القانوني العام للجماعة وما يحتويه من مبادئ عليا ، وهي ما تمثل جوهر القانون وحل ناجع للمنازعات مستمد من مصادر غير رسمية . (10) .
وقد أشار قانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 المعدل للحل العادل في مادته الأولى على توسیع سلطة القاضي في توجيه الدعوى وما يتعلق بها من ادلة ، بما يكفل التطبيق السليم لاحكام القانون وصولاً الى الحكم العادل في القضية المنظورة .
ولا شك أن هذا الحل يختلف عن الحل في المصدر الأول ، فهو يحتاج لجهد فكري أكبر في تفسير النصوص لاستنباط الحل القضائي من روح وباطن نصوص القانون وجوهرها .
____________
1- د. عبد الغني بسيوني ، النظرية العامة في القانون الاداري ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، 2002 ، ص70
2- د. أحمد فتحي سرور ، منهج الاصلاح الدستوري، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2006 ، ص 166
3- د. سمير تناغو ، جوهر القانون ، ط 1 ، مكتبة الوفاء القانونية ، الاسكندرية ، 2014 ، ص 47
4- د. عوض المر ، الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، مركز رينيه جان دبويه للقانون والتنمية ، القاهرة ، 2003 ، ص 82
5- د. أحمد فتحي سرور ، الحماية الدستورية للحقوق والحريات ، دار الشروق ، ط 2 ، القاهرة ، 2000 ، ص 72
6- د. فتحي فكري، اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالطلب الاصلي بالتفسير ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1998 ، ص 40
7- د. رأفت فودة ، ، مصادر المشروعية الادارية ومنحنياتها ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2012 ، ص 115
8- مصطفى أبو زيد فهمي ، القضاء الاداري ومجلس الدولة ، الدار العربية للنشر ، القاهرة ، 2000 ، ص 553
9-Gudement (Yves), les methodes du juge administratif,Paris,L.G.D.J, 1972, P216
10- د. فتحي فكري ، اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالطلب الاصلي بالتفسير ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1998 ، ص 40 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة