في السماء كما على الأرض
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص7
2026-06-28
45
قبل نيوتن، كان علم الفلك قائمًا، ولكن لم يكُن لعلم الفيزياء الفلكية وجود. وإذا صدقت الرواية، فقد نشأ علم الفيزياء الفلكية عندما رأى نيوتن تفاحةً تسقط في بستانه في وولثورب، وتوصَّلَ إلى فكرة مذهلة مفادها أن القمر يسقط بالطريقة نفسها التي تسقط بها تلك التفاحة. أي إن الأجرام السماوية، مثل القمر، لا تتحرَّك في مسارٍ إلهي مُحدَّد عَبْر السموات كما افترض السابقون لنيوتن، بل تخضع للقوانين الفيزيائية نفسها التي تخضع لها التفاحة البسيطة، التي ستصبح غدًا نصف ثمرة أسقطَتها الرياح على الأرض لا يهتم أحد بالتقاطها.
تكمن قوة هذه الرؤية الكاشفة في أنها تجعل بالإمكان تطبيق القوانين الفيزيائية التي توصَّلنا إليها في المختبرات من أجل فهم الأجرام في أقاصي الكون. وبذلك تُمكِّننا بصيرة نيوتن من السفر بعقولنا عبر الفضاء الكوني الشاسع الذي لا يمكن إدراكه لنرى ثقبًا أسود هائلًا في مركز مجرَّة بعيدة استقبلَت التلسكوبات الراديوية إشاراتٍ خافتة منها.
وضع نيوتن أسس الفيزياء الفلكية من زاويةٍ أخرى محورية؛ إذ أظهر أنه من الممكن الوصول إلى توقُّعاتٍ كمية دقيقة استنادًا إلى قوانينَ فيزيائية مُحدَّدة على نحوٍ مناسب. وبهذا لم يقتصر دوره على تقديم تفسيرٍ فيزيائي متماسك للملاحظات التي سبق أن أُجريَت، بل إنه «تنبَّأ» أيضًا بنتائج ملاحظات يمكن إجراؤها في المستقبل. وفي سبيل تحقيق ذلك، كان عليه أن يخترع رياضياتٍ جديدة — التفاضل والتكامل المتناهي الصغر — ويستخدم لغتها لتلخيص القوانين الفيزيائية. ومنذ عصر نيوتن، اتخذَت معظم القوانين الفيزيائية شكل المعادلات التفاضلية. تُعرَّف المعادلة التفاضلية الدالة عن طريق تحديد معدَّل تغيرها. وتمثل المعادلة التفاضلية الجوانب العامة لوضعٍ فيزيائي مُعيَّن، بينما تمثل الشروط المبدئية المطلوبة لاسترجاع الدالة الجوانب الخاصة بحدثٍ مُعيَّن. على سبيل المثال، مسار القذيفة المُطلَقة من بندقية يمثِّله حل معادلة نيوتن
وتربط معدَّل تغيير السرعة (v) (التسارع) بالقوة (F) المؤثِّرة. تنطبق معادلة نيوتن على جميع القذائف وكل التفَّاحات المتساقطة، وعلى القمر. إنها معادلةٌ عامة. تختلف مسارات القمر، والقذائف، والتفَّاحات بسبب اختلاف شروطها المبدئية؛ إذ يبدأ القمر بعيدًا عن مركز الأرض ويتحرك بسرعة فائقة، بينما تبدأ القذيفة من سطح الأرض وتتحرك ببطء أكثر، وتبدأ التفاحة أيضًا بالقرب من سطح الأرض، ولكنها تكون في البداية في حالة سكون. تعطي هذه الشروط المبدئية المختلفة، عند تطبيقها على معادلةٍ واحدة شاملة، ثلاثة مساراتٍ مختلفة تمامًا. بهذه الطريقة، أصبحَت الرياضيات التي اخترعها نيوتن وسيلة لتحديد القواسم المشتركة بين الأحداث المختلفة، وما يميز بعضها عن بعض.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في علم الفلك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة