طوال آلاف السنين من عمر البشرية دأب الناس على النظر الى السماء في الليل والتساؤل عن موقعنا في هذا الكون. والى غاية القرن السابع عشر، لم يكن أحد ليطرح أفكاراً جدية عن السفر الى السماء (الفضاء). لكن عالماً وكاتباً إنكليزياً تجرّاً على التنبؤ وتوقع هذا الشيء في نص كتبه عام 1638، وقال فيه إنه في يوم ما سيكون القمر مأهولاً بالسكان، وإن هناك رحلات ستقل البشر، ويجلسون فيها ضمن عربات
ستأخذهم الى هناك. كان ذلك هو جون ويلكينز (Wilkins). وبعد تلك النبوءة أو التوقع بثلاثمائة وواحد وثلاثين عاماً، نزل الانسان بالفعل على سطح القمر، واستقل مركبة تدعى (أبولو2)، وكان ذلك استثماراً طموحاً من قبل بلد ذي عمر صغير نسبياً يدعى الولايات المتحدة الأميركية كانت هذه المغامرة هي نتاج أكثر من نصف قرن من الثروة والازدهار غير المسبوقين في سرعة النمو. والآن، لو تراجع اهتمامنا بالعلوم، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة مستعدة للتقهقهر الى ماوراء العالم الصناعي في كل معايير الأداء التكنولوجي.
وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة شهدت كليات الهندسة والعلوم في الولايات المتحدة الأميركية التحاق أعداد متزايدة من الطلاب القادمين اليها من خارج البلاد وأقبل عدد متزايد منهم على دراسة العلوم الهندسية، وبالتالي الانخراط مباشرة في المستويات الصناعية عالية التقنية المتوفرة في اميركاً. واليوم، بعد أن ظهرت منصات تقنية عالية وفرص مهمة في التكنولوجيا الصناعية في الهند والصين، وشرق أوروبا، بدأت أعداد كبيرة من هؤلاء ببساطة تعود الى ديارها الأصلية من أجل الانخراط بالعمل هناك.
إن العلوم والتكنولوجيا هي أكبر ماكنة اقتصادية ظهرت على وجه الأرض، وأوسع منصة يمكن لها أن توفر وتستولد فرصاً للعمل يمكن لها ان تستوعب الأعداد المتزايدة من القوى العاملة. واذا حدث وأن تباطأت المصالح المتعلقة بهذا النمو التكنولوجي، فإن نمط الحياة الأميركية ومستوى الرفاه الذي توفره للأميركيين سيكون مهدداً بالتراجع الخطير. رفاهية الحياة الأميركية بمستواها الحالي) هي نتاج مباشر للتطور التكنولوجي والصناعي الذي تحقق على الأرض الأميركية. ورغم شيوع الأحاديث التي تقول بأن الصين قد ركزت اهتمامها على انتاج العقاقير والأغذية الملوثة والمنتجة خارج المعايير العالمية، لكن الصين تبقى محط اهتمام الاقتصاد الأميركي باعتبارها أهم نمو اقتصادي على وجه الأرض.
وخلال آخر رحلة قمتُ بها الى الصين، كنت أتوقع أن أرى شوارع كثيفة ملأى بالبشر، وفيها الناس يركبون الدراجات الهوائية كأهم وسيلة متوفرة للتنقل، لكنني بدلاً من ذلك رأيت شوارع حديثة وطرقاً سريعة تزخر بالسيارات الفارهة ومئات الرافعات العملاقة وهي تشيد مباني ضخمة وعالية. وكذلك سدّ المضايق الثلاثة الذي أثار جدلاً كبيراً، والذي يقام اليوم على نهر يانغ تسي يعد بحق أكبر مشروع في العالم، وهو أكبر من سد هوفر بست، مرات واليوم تباشر الصين في بناء أكبر مطار في العالم أيضاً.
وفي أكتوبر من عام 2003، أصبحت الصين ثالث أمة تستعمر الفضاء، بعد الولايات المتحدة وروسيا وأطلقت أول رحلة مأهولة لها في مدار حول الأرض، وستكون الخطوة القادمة هي الهبوط على سطح القمر. وفي نفس الوقت، تواصل الهند وأوروبا جهودهما لتشغيل منصات روبوتات فضائية في محطات ثابتة في مدارات معينة.
وهناك أكثر من 12 دولة أخرى أبدت اهتماماً متزايداً بالعمل على الوصول الى الفضاء، ومنها كينيا التي يشكل موقعها قرب خط الاستواء مكاناً مثالياً للانطلاق أفضل حتى من قاعدة كاب كانفيرال في فلوريدا. هذا النطاق المتنامي من الدول التي تسعى الى استكشاف الفضاء جعلنا كأميركيين ببساطة خارج نطاق قيادة الجهود الانسانية في هذا المجال، وهذا يخالف الصورة التي رسمناها عن أنفسنا وعن قدراتنا ودورنا في استكشاف الفضاء. لكن ما يزال هناك الكثير من الأمل بالنسبة لنا.
يمكن لنا أن نعرف الكثير عن أمة ما حين ننظر عن كثب الى ما أنجزته من ثقافة متراكمة، وعلائم حضارية هنا أسأل هل تعرفون ما هو المتحف الأكثر شعبية خلال العقد الماضي من السنين؟. أنه ليس متحف الميتروبوليتان للفنون في نيويورك، وكذلك ليس متحف اليوفيزي في فلورانسا، أو اللوفر في باريس أنه في الحقيقة المتحف الوطني للجو والفضاء في واشنطن دي سي. حيث يدخل إليه في المعدل، بحدود 10 ملايين زائر في السنة. وهو يضم معروضات تشتمل كل شيء من لحظة ما حاول الأخوان رايت الطيران عام 1903 الى قمرة القيادة المركبة (أبولو) والزوار يبدو أنهم يقيمون عالياً كل المعروضات التي يحتويها هذا المتحف. لكن لماذا ؟ ، إنه تراث قدمته الولايات المتحدة للعالم لكن الأهم من ذلك، أنها تمثل السعي الحثيث اتجاه تشكيل الأحلام، والجهود التي بذلت لاحقاً من أجل جعلها حقيقة. ولو حصل وأن زرت بلداً لا يضم مثل هذا الطموح العامل والكامن في الثقافة، ستستشعر ببساطة غياب الأمل وتحت ضغط الأوضاع الاقتصادية والسياسية والمعاشية، سيقتصر الناس في قلقهم واهتمامهم على مسائل تتعلق بالمأوى، وهموم يومهم المباشرة. وهذه لو حصلت في بلاد ما فإنها أمر مخز وعار على حكومة ذلك البلد. بل إنها مأساة، ألّا يفكر الناس في المستقبل. ولهذ، فإن التقنية الحديثة المصاحبة لقيادة حكيمة في صنع القرار هي لوحدها من ستتمكن من حل معضلات الهموم اليومية، وليس هذا فحسب، إنما ستتمكن من تحقيق الأحلام وتحويلها الى واقع.
إننا سنعلم بأننا نعيش في الولايات المتحدة، فقط حين نرصد أن كل جيل سيفكر في معيشته بطريقة تختلف عن الجيل الذي سبقه، هذه هي علائم الحياة الأميركية. وصار الأميركيون يتوقعون أن يحدث شيء جديد في حياتهم مع كل لحظة إضافية تمر عليهم. هناك دائماً ما يتطلعون له من أجل أن تكون حياتهم حاوية على المزيد من المرح، والمزيد من التقنية والرفاه. وهناك دائماً المزيد من الضوء الذي سيفتح استكشافات جديدة في الطبيعة المحيطة بحياتهم.
إن أعظم (مستكشف) يعمل اليوم هو أصلاً شيء لا ينتمي الى صنف البشر، إنه تيلسكوب هابل العملاق الذي وفر لنا منذ ما يزيد عن عقدين من السنين نافذة لتوسعة فهمنا للكون لم تكن متاحة على طول خط التاريخ الانساني. لكن حين أطلق هابل عام 1990، كان خلل في تصميم العدسات ولد لنا صوراً مشوشة. لكن عدسات تصحيحية جرى نصبها خلال الرحلة الأولى التالية عام 1993، والتي خصصت لصيانة التيليسكوب، وهو الأمر الذي تسبب في إحداث طفرة كبيرة في دقة الصور التي يلتقطها التيلسكوب الفضائي. لكن الصور الجديدة ورغم حدتها ووضوحها بقيت لثلاث سنوات مبهمة وغامضة. فما العمل في هذه الحالة؟.
استمر التيلسكوب في التقاط صور عالية الجودة، على أمل أن يظهر علم معين ويتمكن من تفسير هذه البيانات والقراءات المتراكمة. والذي حدث لاحقاً أن (معهد بالتمور لأبحاث الفضاء التيلسكوبية) وهو الجهة العلمية التي أطلقت تيلسكوب هابل، تمكن من وضع برامج حاسوبية تعمل على عزل النجوم الظاهرة في الصور، وتحديد انتماءاتها عبر المجرات.
في ذات الوقت، تمكن الباحثون في مركز لومباردي لأبحاث السرطان، التابع لجامعة جورج تاون من تشخيص تشابه في المشاكل.
إذ بينوا أن المشكلة التي تواجه علماء الفلك في فهم صور التيلسكوب هابل هي مشابهة جداً للمشكلة التي تواجه الأطباء الباحثين في مجال الخلايا السرطانية، وتجعلهم لا يميزون الخلايا المصابة من الخلايا السليمة في حالات الإصابة بسرطان الثدي.
ومن خلال الاعتماد على التمويل الذي وقرته المؤسسة الوطنية للعلوم، تمكنت الأبحاث الطبية من انجاز تقنية جديدة لتمييز الخلايا السرطانية بالاعتماد على القاعدة التكنولوجية التي وفرها تيلسكوب هابل. والآن عدد لا يحصى من النساء يتمتعن بالحياة الصحية اليوم بفضل المنجز العلمي الذي كان التيلسكوب هابل سبباً في إطلاقه، ولا يمكن أبداً أن نقول عن نتائج هذه الأبحاث بأنها نتائج (الصدفة) لأن توفر قواعد البيانات الواسعة والدقيقة كانت عبر التاريخ سبباً لاستكشافات وفتوحات علمية عالية الأهمية، إنها ببساطة باب المعرفة الذي يدخل الى كل مجالات الحياة.
صحيح أن هذه الكشوفات العلمية لا يمكن توقع حصولها ووضعها ضمن جدول زمني لظهورها، لكنها تحصل كل يوم. والذي صار أمراً ثابتاً في البحث العلمي، هو أن تقاطع المجالات والاختصاصات أصبح أمراً منتجاً وخلاقاً . آفاقاً ويفتح جديدة في العلوم بطريقة غير مسبوقة طالما توفرت البيانات والمعلومات التسجيلية. وأصبحت هذه الجهود المتراكمة هي المسؤولة عن تطوّر وتقدم ما اصطلحنا عليه اليوم بأن نسميه بـ «العلم الحديث».
كم مرة سمعنا الاحتجاج التالي: لماذا ننفق المليارات هناك في الفضاء بينما لدينا على الأرض مجموعة كبيرة من المشاكل التي تحتاج الى حلول؟.
لنطرح السؤال مرّة أخرى بطريقة أكثر عمقاً: كم يبلغ حجم الانفاق على أبحاث الفضاء المعتمدة على التيلسكوبات الفضائية، أو على استكشاف المريخ، أو على المحطة الفضائية الدولية، أو حتى على التيلسكوبات التي لم تطلق لحد الآن؟.
الجواب هو : أقل من 0.07% (7 من1000) لكل دولار من أموال دافعي الضرائب.
كنت أتمنى أن يزيد الانفاق عن هذا، ولنتذكر أن أكبر الانجازات العلمية الفضائية قد جرت عندما كانت تخصيصات الانفاق على أبحاث الفضاء قد وصلت الى 2% من أموال دافعي الضرائب. لكن، مع هذه المعدلات سيبقى الفضاء وأبحاثه خارج أولوليات التخصيصات المالية الرئيسة.
أنني أشير بثقة الى أن المكانة العلمية التي تتبوؤها الولايات المتحدة اليوم، كانت قد نتجت عن الانفاق الماضي بسخاء على الأبحاث العلمية. واليوم، فإن الأمة الأميركية لديها من الثروات ما يكفي حتى تخصص المزيد من الأموال لأجل أبحاث الفضاء، لأنها هي التي يعوّل عليها في تشكيل المستقبل، وهي التي ستحوّل الأحلام الى حقيقة تنعكس على حياتنا اليومية.