(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
خلاصة التفسير:
يبدو قانون القصاص القائم على العدل والحكمة (تكليفاً) وحكماً إلزامياً وإيجابياً في الظاهر، إلّا أنّ مضمونه لا يشمل سوى «الحــق» ولا يكون إلا في مصلحة الجميع بمن فيهم القاتل رغم أنّ نتيجته النهائية هي الموت. فحقيقة الأمر وباطنه يشيران إلى وجود عامل حياتي فريد وفد للمجتمع وأفراده في ظــل الإيمان بالقصاص والعمل بمبادئه ومن هنا، فإنّ تطبيق القصاص في مثل هذه الحالات التي تهدد أمن المجتمع واستقراره يُمثل أصلاً ثابتاً فيما يُعتبر العفو أو التخفيف فرع، وعند وجود المزاحمة بين العفو والقصاص أو بين الدية والقصاص، فإنّ ما يجب ترجيحه وتفضيله هو القصاص بصرف النظر عن أسباب وعلل الرّجحان في الخارج. يُضاف إلى هذا فإنّه لا ينبغي لتطبيـق حـق العفو الإضرار بالحياة العامة للمجتمع.
فأولو الألباب وأصحاب العقول الكاملة الذين ينظرون إلى أعماق الأمور وبواطنها ويميزون الجمال من الإغراء والخداع ولا مجال لديهم لاستبدال الأحسن بالأخس، والذين تُمثل تقواهم لب تقوى الآخرين، هؤلاء يعلمون أنه لا يصح تغليب الرحمة والعفو والمساواة الشعورية والعاطفية على العدل والإنصاف والحكمة المعقولة، أو اعتبار العدل والإنصاف والعمل على أساس الحق من خلال تطبيق القصاص وإعدام المحارب المفسد قسوة أو عنفاً أو أمراً بالياً أو حكماً متقادماً أو ساقطاً.
إن التقوى المطروحة في موضوع القصاص هي مسألة اجتماعية وسياسية الى جانب كونها أمرا عباديا كذلك وهي ليست تقوى محضة إذ إن المجتمع الذي يقوم بتطبيق القصاص سيكون بالتأكيد محفوظا من اراقة الدماء وقتل الابرياء بغير حق إضافة الى المنافع المعنوية الناجمة عن ذلك ومثل هذا المجتمع يكون قائما على قواعد العدل والانصاف.
التفسير المفردات:
أولي الألباب: الالباب العقول واحدها (لب) مأخوذ من لب النخلة[1] وكلمة {أولي} جمع بمعنى (ذوو) لا واحد له وقيل: أسم جمع واحدة ذو بمعنى صاحب كالغنم واحده شاة[2] و(أولات) للإناث واحدتها ذات[3].
أولي منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم[4]. الالباب جمع لب وهو العقل الخالص من الشوائب وسمي بذلك لكونه خالص ما في الانسان من معانيه كاللباب واللب من الشيء ولب النخلة قلبها ولب الجوز واللوز ونحوهما مافي جوفه[5]. ووردت هذه الكلمة بصيغة الجمع كثيرا في القرآن الكريم.
تناسب الآيات: قد يتوهم البعض بأن تشريع العفو من القصاص في الآية السابقة يعني أن العفو هو أقرب الى مصلحة المجتمع من الانتقام لكن الآية المذكورة تزيل هذا الغموض بعد الإشارة الى الحكمة في تشريع القصاص فتقول :إنه رغم كون العفو يتضمن التخفيف والرحمة الإلهية إلا أن المصلحة العامة تقوم على أساس القصاص وذلك لأنه ما من شيء يضمن بقاء المجتمع حيا سوى القصاص[6].
وتبين الآية أن الترغيب في العفو لا يجب أن يفهم على أنه تصغير لشأن القصاص أو استهانة بأهميته فضلا عن أن بيان الآية لسبب الحكم (أي حكم القصاص) والحكمة المتوخاة من تطبيقه من شأنه أن يزيد من تمكين المكلف وقبوله للحق[7]، سيما وأن حكم القصاص يبدو في الظاهر غير متناسب مع كمال رحمة الله تعالى وأن الافراد الضعفاء هم أكثر المتضررين من هذا الحكم[8]، بالإضافة الى كونه شاقا ومرهقا للنفوس ولهذا ولتوطين النفس وتعويدها على تقبل هذا الحكم قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) عطفا على قوله تعالى(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ[9]) وبهذا التذييل على حكم القصاص تطمئن نفوس الفريقين أو لياء الدم والقاتلين وتزداد رغبتهم في قبول أحكام القصاص برحابة صدر[10].
ولمّا أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميماً لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النصّ وعماهم عن الحكمة[11].
[1] مجمع البيان: 1-2/ 481
[2] أقرب الموارد: 1/24 مادة (اول)
[4] إعراب القرآن الكريم: 1/ 293
[5] راجع مفردات القرآن الكريم: 733 المصباح التحقيق 10/ 155 مادة (لبب).
[6] تفسير الميزان: 1/ 433
[8] تفسير غرائب القرآن: 1/484-485
[9] تفسير روح المعاني: 2/ 77
[10] تفسير التحرير والتنوير: 2/ 143
[11] نظم الدرر :1/333-334