الإخبار بنكرة عن الضمير
يجوز في هذه المسألة اعتبار حال المخبر عنه وحال المخبـر بـه، وذلك أنّ المخبر عنه والمخبر به شيء واحد في المعنى فنقول: انت رجلٌ فعل الخير، فيعود الضمير في (فعل) غائباً على لفظ النكرة، ونقول: أنت رجلٌ فعل الخير، فيعود الضمير في (فعلت) حاضراً على المعنى؛ لأنّ المخبر عنه (أنت) والمخبر به (رجل) هما شيء واحد، فيجوز عـود الضمير الى أيّ واحد منهما.
وقد عالج ابن الشجري (1) هذه المسألة عند ذكره بيت المتنبي:
كفى بجسمي تحولاً أنني رجل لولا مخاطبتي إيـاك لـم ترنـي
فذكر أن كلمة (رجلٌ) خبر موطأ وأنَّ الخبر في الحقيقة هو الجملة التي وُصِفَ بها (رجلٌ) إذ الفائدة مقرونة بالصفة، فالخبر هنا- كالزيادة في الكلام؛ ولذلك عاد الضميران في (مخاطبتي) و (لم) ترني) الى الياء في (أنني)؛ لأنّ الجملة في الحقيقة خبر عن الياء في (أنني) وهذا تخريج جميل وحسن ينطبق على جميع الامثلة.
أما التخريج الآخر الذي خرج به ابن الشجري هذا البيت فهو ما سبق أن ذكرناه، وهو أن (رجلٌ) لما كان هو الياء التي في (أنني) من حيث وقع خبراً عنها، عاد الضميران اليه على المعنى.
ثم ذكر ابن الشجري أنّ هذا ليس بضرورة لوروده في القرآن الكريم وفي الشعر ((ولا يخفى ان مبني كلامه على أن الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، والصحيح أنها ما وقع في الشعر سواء أكان عنه مندوحة أم لا)) (2)، وألحق الكوفيون(3) بالنكرة المحلى (بأل) إذا وقع خبراً للحاضر وأعطوه حكمها في عود الضمير اليه غائباً أو مطابقاً للحضور نحو: انـــا الرجل يأمر بالمعروف او آمر بالمعروف. وأنتَ الرجلُ يأمر بالمعروفِ، أو تأمرُ بالمعروف. وقد ورد في القرآن الكريم عدد من الآيات روعي فيه ضمير الخطاب.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} [الاعراف: 61-62] فقد أجيز في جملة (أبلغكم) وجهان(4)، أحدهما أن تكون كلاماً مستأنفاً، والآخر ان تكون صفة لـ (رَسُولٌ)، : وعلل الزمخشري مجيئها صفة بقوله: ((فإن قلت كيف جاز ان يكون صفة والرسولُ لفظه لفظ الغائب؟ قلت: جاز ذلك؛ لأن الرسول وقع خبراً عن ضمير المخاطب وكان معناه كما قال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة))(5).
ومنه قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ}[النمل: 55] جاءت صفة قوم، بصيغة الخطاب وعلل الزمخشري ذلك بقوله ((اجتمعت الغيبة والمخاطبة فغلبت المخاطبة؛ لأنّها أقوى وأرسخ أصلاً من الغيبة))(6) أما ابن الشجري فقال: ((فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء، وفاقاً لقوم لكنّه جاء وفق المبتدأ الذي هو أنتم في الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قوم، لم يحصل بهذا الخبر فائدة))(7).
ومنه قوله تعالى: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] كان القياس (يجهلون)؛ لأنّه صفة قوم ولكنّ الذي حسّن إجراء الخطاب وصفاً لقوم وقوعه خبراً عن ضمير المخاطبين(8)، ومثل ذلك قوله تعالى {بَلْ أَنتُمْ قوم تُفتَنُونَ}[النمل: 47] راعى الضمير أنتم فحمل على معناه، قال ابو حيان ((ويجوز (يفتنون) بياء الغيبة على مراعاة لفظ قوم وهو قليل))(9).
وذكر أبو حيان (10) أنّ الاشهر مراعاة السابق من تكلم أو خطاب ومما جاء في الشعر قول امرئ القيس:
جالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام
قال ابن الشجري: كان حقه أن يقول (صرعُه) فيعيد الى امرئ ضمير غيبة؛ لأنّه اسم غيبة، ولكنه لما وقع خبراً عن ياء المتكلم والخبـر المفرد هو المخبر عنه، أعاد إليه من الجملة التي وصفه بها ضمير متكلم)) (11) ومن ذلك قول الشاعر:
أأكرم من ليلى عليَّ فتبتغي به الجاه ام كنتُ امرأ لا أطيعها(12)
أعاد من (أطيعها) ضمير المتكلم ولم يعد ضمير غائب على امرئ.
وقال الشاعر:
أتجزع إن دار(13) تحمّل أهلُها وأنتَ امرؤٌ قد حملتك العشائر(14)
أعاد على الضمير (أنت)، ولم يعد على لفظ امرئ، ولو أعاد لقال: حملته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: ما لم ينشر من الأمالي الشجرية، مجلة المورد مجلد 3 عدد/2 القـسم الثاني / ص 178-179.
(2) خزانة الادب 523/2
(3) ينظر: ارتشاف الضرب ورقة 123.
(4) ينظر: الكشاف 114/2، وإملاء ما من به الرحمن ،277/1 ، والبحر المحيط 4/321 .
(5) الكشاف 114/2.
(6) الكشاف 374/3 .
(7) ما لم ينشر من الأمالي الشجرية. مجلة المورد مجلد 3 عدد 2 ق 179/2.
(8) ينظر: الأمالي الشجرية 27/1-28.
(9) البحر المحيط 83/7.
(10) ينظر: البحر المحيط 2/45 .
(11) الامالي الشجرية 1/27.
(12) ما لم ينشر من الامالي الشجرية مجلة المورد ج3 عدد 2 ق2/179.
(13) في الأصل (دارا) وهو خطأ نحوي وما أثبتناه هو الصواب.
(14) خزانة الادب 156/4.