أوّلًا، قال: ومن الطريف أنّه يذكر في آخر رواية الصحيفة المعروفة سنداً آخر أيضاً يبدأ من أبي المفضّل ويحتوي على أبواب «الصحيفة». والقائل: «حدّثنا» في هذا السند غير معيّن كالسند السابق. ومجمل السند الماضي موجود في هذا السند نصّاً.
والجواب هو: أنّه يشيع بين رواة الحديث أنّهم إذا رووا في وسط سلسلة السند المشغولين بسرده بقيّة السند بطريق آخر، فإنّهم يقطعونه عند تلك النقطة، ويذكرون الرواية بطريق آخر من خلال قولهم: حدّثنا وأخبرنا وأمثالهما، ثمّ يرجعون مرّة ثانية، ويوردون بقيّة السند السابق من النقطة التي قُطع فيها ويختمون السند.
وهذا ما يسمّى بالحَيلُولَة، وغالباً ما يحدّدون نقطة السند الجديد بعلامة «ح» المخفّفة من (حيلولة).
واصطلاح الحيلولة من موضوعات السابقين وليس من اصطلاحات عصر العُكْبَريّ وأمثاله. يضاف إلى ذلك أنّ ذكر الحيلولة ليس ضروريّاً، ونلحظ في كثير من الروايات أنّهم يذكرون السند الذي يتغيّر بلا إشارةٍ إلى عنوان الحيلولة.
ونحن نعلم في رواية الحسنيّ لـ «الصحيفة الكاملة» أنّ الراوي عن أبي المفضّل الشيبانيّ هو الشيخ الصدوق أبو منصور محمّد بن محمّد بن أحمد ابن عبد العزيز العكبريّ المعدّل.
ينقل السيّد الأجلّ هذه الرواية عبر هذا الطريق إلى أن يصل إلى موضع بيان الرواية بسند آخر يُعرَف بسند المطهّريّ (في مقابل الحسنيّ).
وهناك ينقل رواية المطهّريّ بنفس السند، غاية الأمر أنّه لم يذكر الحيلولة. ومن البيِّن أنّ القائل: وحَدَّثَنَا أبُو المُفَضَّل في آخر رواية المطهّريّ في آخر «الصحيفة» هو راويها في أوّل «الصحيفة» في رواية الحسنيّ. وهو أبو منصور محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد العزيز العكبريّ المعدّل الذي رواها هنا وهناك عن أبي المفضّل.
ثانياً، قال: الموضوع في هذا السند كالصحيفة القديمة حتى أوّل رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم تُذكَر تتمّة رواية الصحيفة المعروفة في هذا السند.
الجواب: جاء في عبارة «الصحيفة الكاملة» ما نصّه: فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ إلى رُؤيَا النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
قال المحقّق العليم استاذ العربيّة وآدابها السيّد على خان المدنيّ الكبير رضوان الله عليه في شرح قوله: إلى رُؤيا النَّبِيّ صلى الله عليه وآله: ينبغي أن يكون ما بعد إلَى داخلًا في حكم ما قبلها فتكون الرؤيا داخلة في الحديث المذكور بقرينة قوله: فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِتَمَامِهِ.
وقد قالوا: إذا دلّت قرينة على دخول ما بعد إلى نحو: قَرأتُ القُرآنَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، أو على خروجه نحو: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ،[1] عمل بها وإلّا فلا يدخل، لأنّ الأكثر مع عدم القرينة عدم الدخول، فيجب الحمل عليه عند التردّد.
وقيل: يدخل بدون قرينة إن كان من الجنس.
وقيل: مطلقاً. والأوّل هو الصحيح لما ذكرنا.[2]
وجعل المرحوم السيّد على خان في هذا الحديث المبارك قرينة: ذَكَرَ الحَدِيثَ بِتَمَامِهِ لدخول الرؤيا، كما تقول: سمعتُ منبر فلان كلّه حتى آخر قراءته للعزاء. أو تقول: قرأتُ «نهج البلاغة» حتى آخره. وحينئذٍ يقال قطعاً إنّه قرأ باب حكمه ومواعظه أيضاً ولم يكتف بباب خطبه ورسائله.
إذن، يتساوى سندا الحسنيّ والمطهّريّ تماماً ولا تفاوت في دخول الرؤيا وعدم دخولها بين السندَين الموجودَين.
يستبين من هنا أن لا محمل للفظ «و من الطريف» في آخر رواية الصحيفة المعروفة إلّا طغيان القلم.
ثالثاً: - ظنّ أنّ خلوّ الصحيفة المكتشفة - التي سمّاها «الصحيفة العتيقة»، ونحن سمّيناها المكتشفة، لا العتيقة، إذ كما عرفنا أنّ «الصحيفة الكاملة» المعروفة أسبق منها وأقدم، وسندها أمتن وأرسخ، وهو مصحوب بالتواتر، فلا يجوز لنا أن نُضفي عنوان القِدَم على هذه الصحيفة المكتشفة الجديدة في مقابل الصحيفة المعروفة - من ذكر تتمّتها الزاخرة بالحديث عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وتأويل نزو القردة على المنبر ببني اميّة (إذ ظهر أوّل دوران قطب الضلالة في رحى الإسلام بعد خلافة أمير المؤمنين عليه السلام متمثّلًا بمعاوية ويزيد، ثمّ ملك الفراعنة، أي: حكومة بني مروان) وبعد ذلك تفسير الإمام الصادق عليه السلام ليلة القدر وآيات سورة القدر بولاية أهل البيت، كلّ ذلك زيادة ملحقة بلا معنى.
إذ عدّ خلوّها من ذلك كلّه مزيّةً، وقال: فروق جزئيّة في الألفاظ والعبارات، وذكرها غير مهمّ. والمهمّ الجدير بالذكر هو تتمّة رواية الصحيفة المعروفة التي تشتمل على هذه القضيّة، ولا تشتمل عليه الصحيفة المكتشفة.
الجواب: ذكرنا مفصّلًا في انتقادنا لبحثه في باب الصلاة على النبيّ وآله أنّنا لا يمكن أن نحذف موضوعاً من كتاب، أو ننكر استناده إلى مصنّفه من وحي الذوق بلا دليلٍ ولا دعامة علميّة ولا مسوّغ من علم الدراية، فعند ما ترد الصلاة على محمّد وآل محمّد في الصحيفة المعروفة بسند متواتر، فإنّ عدم ورودها في الصحيفة المكتشفة التي لا شأن لسندها دليل على النقصان والإسقاط والحذف في تلك الصحيفة، لا دليلٍ على الإلحاق والزيادة في الصحيفة المعروفة.
أجمع العلماء على أنّ أصالة عدم الزيادة مُقَدَّمة على أصالة عدم النقيصة عند دوران الأمر بينهما والشكّ في طروّ الزيادة في جانب، والنقيصة في جانب آخر.
نقول هنا أيضاً: وردت قصّة رؤيا رسول الله وتعبيرها، عن الإمام الصادق عليه السلام للمتوكّل بن هارون في آخر مقدّمة الصحيفة المعروفة بمقدار ثلث حجم المقدّمة جميعها.
بأيّ استناد عقليّ، أو دليل شرعيّ، أو علم وكشف خارجيّ تستطيع أن تستدلّ على الإلحاق والزيادة فيها؟! بل تدلّ الأدلّة القويّة كلّها على أنّ ذلك من أصل الكتاب، ولا يمكن أبداً أن يُقطَعَ من كتابٍ ما - أيّ كتاب كان - جزء منه على سبيل الذوق، ويُحال دون انتساب ذلك الجزء واستناده إلى مدوِّن الكتاب.
إن كلّ مَن نظر في آخر شرح سند الصحيفة الجديدة المكتشفة، أدرك جيّداً أنّه أبتر. جاءت العبارات الآتية في خاتمتها: فَأخَذَا الصَّحِيفَةَ وقَامَا وهُمَا يَقُولَانِ: لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. ودَعَا المُتَوَكِّلُ بِالدَّفْتَرِ.
وَالصَّحِيفَةُ هي بِتَمَامِهَا بِحَمْدِ اللهِ ومَنِّهِ وفَضْلِهِ.
ألا تُشاهد هنا آثار الحذف وقطع البقيّة؟! على عكس الصحيفة المعروفة التي جاء فيها: فَقَامَا وهُمَا يَقُولَانِ: لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ. فَلَمَّا خَرَجَا، قَالَ لي أبُو عَبْد اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُتَوَكِّلُ! كَيْفَ قَالَ لَكَ يحيى: إنَّ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ وابْنَهُ جَعْفَراً دَعَوا النَّاسَ إلَى الحَيَاةِ ودَعَونَاهُمْ إلَى المَوْتِ. إلى آخر كلامه عليه السلام: وكَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً في مَكْرُوهِنَا وشِيعَتِنَا.
رابعاً: يبدو أنّ كلام الإمام الصادق عليه السلام: مَا خَرَجَ ولَا يَخْرُجُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ إلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْماً أوْ يَنْعَشَ حَقَّاً إلَّا اصْطَلَمتْهُ البَلِيَّةُ وكَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً في مَكْرُوهِنَا وشِيعَتِنَا أصبح ذريعةً بِيَدِ المعارِضين لتأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة (مع غضّ النظر عن توجيهها الصحيح) ولا وجود لهذه الفقرة من الرواية في الصحيفة القديمة أساساً. ومن الطريف أنّ ....
الجواب: لا يقتصر كلام الإمام عليه السلام على هذا الموضع.
روى الكلينيّ في «الكافي» عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.[3]
وروى العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» في سيرة الإمام محمّد الباقر عليه السلام، عن «مناقب ابن شهرآشوب»: يُرْوَى أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى البَيْعَةِ قَالَ لَهُ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
يَا زَيْدُ! إنَّ مَثَلَ القَائِمِ مِنْ أهْلِ هَذَا البَيْتِ قَبْلَ قِيَامِ مَهْدِيِّهِمْ مَثَلُ فَرْخٍ نَهَضَ مِنْ عُشِّهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْتَوِي جَنَاحَاهُ!
فَاذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ، فَأخَذَهَ الصِّبْيَانُ يَتَلَاعَبُونَ بِهِ.
فَاتَّقِ اللهِ في نَفْسِكَ أنْ تَكُونَ المَصْلُوبَ غَداً بِالكُنَاسَةِ. فَكَانَ كَمَا قَالَ.[4]
إذا عرفنا أنّ صدّ الظلم واجب، وأن الخضوع له حرام، وأنّ عدم الركون إلى الجائرين من أهمّ التكاليف الشرعيّة حسب مفاد الآيات والروايات، وأنّ إقامة الحكومة الإسلاميّة من ألزم الفرائض، فحينئذٍ ينبغي أن نحمل مثل هذه الروايات على النهضة المستبدّة في عرض ولاية الإمام، لا في طولها.
وأنّ النهضة تنال دعم الإمام وتأييده، إذا كانت تابعة لتعاليمه وتوجيهاته.
وقد تحدّثنا بحمد الله ومنّه حديثاً وافياً حول هذا الموضوع في الجزء الرابع من كتاب «ولاية الفقيه في حكومة الإسلام» ضمن الدروس 38 إلى 41 من القسم السادس من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة.
ويعلم الجميع أنّ بحوثنا التي تحوم حول هذه الموضوعات لا تمثّل انتقاداً شخصيّاً. ولكن لمّا كان هذا القسم من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة المعنون «معرفة الإمام» يلتزم بالمحافظة على نواميس التشيّع شئنا أم أبينا، فلهذا رأيتُ لزاماً على نفسي أن أتحدَّث بصورة مركّزة حول «الصحيفة السجّاديّة الكاملة»، وهذه الصحيفة المكتشفة لتستبين هويّة كلّ واحدةٍ منهما بنحوٍ أفضل.
[1] الآية 187، من السورة 2: البقرة.
[2] «رياض السالكين» ج 1، ص 200، طبعة جماعة المدرّسين.
[3] «روضة الكافي» ص 259، طبعة الطبعة الحيدريّة.
[4] «بحار الأنوار» ج 46، ص 243، طبعة المطبعة الإسلاميّة؛ و«مناقب ابن شهرآشوب» ج 4، ص 188، طبعة انتشارات علّامة، قم.