روى ابن شهرآشوب أيضاً عن كتابَي أبي القاسم الكوفيّ والقاضي نعمان، عن عمر بن حمّاد بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قدم قوم من الشام حجّاجاً، فأصابوا أدحى نعامة فيه خمس بيضات وهم محرمون، فشووهنّ وأكلوهنّ. ثمّ قالوا: ما أرانا إلّا وقد أخطأنا وأصبنا الصيد ونحن محرمون، فأتوا المدينة وقصّوا على عمر القصّة.
فقال: انظروا إلى قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاسألوهم عن ذلك ليحكموا فيه. فسألوا جماعة من الصحابة، فاختلفوا في الحكم في ذلك.
فقال عمر: إذا اختلفتم فهاهنا رجل كنّا امرنا إذا اختلفنا في شيء فيحكم فيه. فأرسل إلى امرأة يقال لها عطيّة، فاستعار منها أتاناً، فركبها، وانطلق بالقوم معه حتى أتى عليّاً عليه السلام وهو بَينْبُع. فخرج إليه عليّ عليه السلام فتلقّاه، ثمّ قال له: هلّا أرسلتَ إلينا فنأتيك؟ فقال عمر: الحَكَمُ يُؤْتَى في بَيْتِهِ.
فقصّ عليه القوم. فقال عليّ لعمر: مرهم فليعمدوا إلى خمس قلائص من الإبل فليطرقوها للفحل. فإذا أنتجت، أهدوا إلى مكّة ما نتج منها جزاء عمّا أصابوا. فقال عمر: يَا أبَا الحَسَنِ! إنّ النّاقَةَ قَدْ تُجْهِضُ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: وكَذَلِكَ البَيْضَةُ قَدْ تَمْرَقُ. فقال عمر: فَلِهَذَا امِرْنَا أنْ نَسْألَكَ.[1]
وذكر محبّ الدين الطبريّ هذه القصّة في كتابيه: «ذخائر العُقبي» و«الرّياض النّضِرة» بالشكل الآتي: قال محمّد بن الزبير: دخلتُ مسجد دمشق. فإذا أنا بشيخ قد التوت ترقوتاه من الكبر. فقلتُ: يا شيخ! من أدركتَ (من أصحاب رسول الله)؟! قال: عمر! فقلتُ: فما غزوتَ معه؟! قال: غزوتُ اليرموك!
قلتُ: فحدّثني شيئاً سمعته! قال: خرجت مع فتية حجّاجاً، فأصبنا بيض نعام وقد أحرمنا. فلمّا قضينا نسكنا، ذكرنا ذلك لعمر، فأدبر، وقال: اتبعوني، حتى انتهى إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، فضرب حجرة منها، فأجابته امرأة. فقال: أثَمَّ أبو حسن؟! قالت: لا، فمرّ في المقتاة. فأدبر، وقال: اتبعوني، حتى انتهى إليه وهو يسوّى التراب بِيَدِهِ. فقال عمر: إنّ هؤلاء أصابوا بيض نعام وهم محرمون. فقال أبو الحسن: ألا أرسلتَ إلَيّ؟! قال عمر: أنا أحقّ بإتيانك! قال عليّ عليه السلام: يَضْرِبُونَ الفَحَلَ قَلَائِصَ[2] أبْكَاراً بِعَدَدِ البَيْضِ، فَمَا نَتَجَ مِنْهَا أهْدَوْهُ. فقال عمر: فَإنّ الإبِلَ تُخْدِجُ![3] قَالَ عَلِيٌّ: والبَيْضُ يَمْرَضُ.
فقال عمر: اللَهُمَّ لَا تُنْزِلْ بِي شَدِيدةً إلَّا وأبُو الحَسَنِ إلَى جَنْبِي![4]
وجاء في السنّة أنّ المحرم إذا صاد نعامةً، فعليه أن ينحر بَدَنَةً بمكّة. وهذه هي كفّارتها. وعلى مَن صاد بيض النعام أن يهدي قلوصاً كفّارة له. فلهذا كان عمر يتوقّع أن يقول أمير المؤمنين عليه السلام: كفّارة البيضات الخمس إهداء خمس قلائص إلى مكّة.
بَيدَ أنّ الإمام لم يحكم بهذا. وحكم بإهداء ما تنتجه القلائص الخمس بعد إطراقها للفحل. وتعجّب عمر هنا وقال: صادوا خمس بيضات، وقد لا يكون أولاد الناقة بهذا العدد، لأنّ بعض النياق تجهض. ولذلك يقلّ مقدار الكفّارة عن مقدار البيضات المصيدة. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في جوابه: لا يُعلم أنّ بيضات النعام الخمس كلّها تنتج لاحتمال
فساد بعضها، فيكون هذا الاحتمال بإزاء ذلك الاحتمال.
وعلى ضوء هذه الدقّة في المحاسبة العجيبة، قال عمر: اللهمّ لا تُنزل بي شديدة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي! (فيحلّها لي كحلّ مسألة بيض النعام!)
[1] «المناقب» ج 1، ص 496.
[2] القلوص: الناقة الشابّة التي تُركب حديثاً. وجمعها: قلائص.
[3] خدجت الدابّة وأخدجت: ألقت ولدها ناقص الخلقة أو قبل تمام الأيّام فهي خادج ومُخدج. وولدها خديج وخدوج ومخدج.
[4] «ذخائر العقبي» ص 82؛ و«الرياض النضرة» ج 3، ص 205 و206، طبعة مكتبة لبندة.