روى ابن شهرآشوب أيضاً أنّ امرأة جاءت إلى عمر، فقالت:
مَا تَرَى أصْلَحَكَ اللهُ *** وأثْرَى لَكَ أهْلَا
في فَتَاةٍ ذَاتِ بَعْلٍ *** أصْبَحَتْ تَطْلُبُ بَعْلَا
بَعْدَ إذْنٍ مِنْ أبِيها *** أتَرَى ذَلِكَ حِلَّا
فأنكر ذلك السامعون و استقبحوه. فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: أحضريني بعلكِ، فأحضرته، فأمره بطلاقها، ففعل، ولم يحتجّ لنفسه بشيء. فقال عليه السلام: إنّه عِنّين.[1] فأقرّ الرجل بذلك. فأنكحها رجلًا من غير أنّ تقضي عدّة.[2]
وقال أبو بكر الخوارزميّ: إذَا عَجَزَ الرّجَالُ عَنِ الامْتَاعِ (الإيقاع في نسخة بدل) فتطليق الرجال إلى النساء.[3]
وقال ابن شهرآشوب أيضاً: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة محصنة[4] فجر بها غلام صغير، فأمر عمر أن ترجم، فقال عليه السلام: لا يجب الرجم إنّمَا يَجِبُ الحَدُّ، لأنّ الذي فَجَرَ بِهَا لَيْسَ بِمُدْرِكٍ.[5]
وذكر أيضاً أنّ عمر أمر برجل يَمَنيّ محصن فجر بالمدينة أن يرجم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرّجْمُ لأنّهُ غَائِبٌ عَنْ أهْلِهِ؛ وأهْلُهُ في بَلَدٍ آخَرَ؛ إنّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ. فقال عمر: لَا أبْقَانِيَ اللهُ لِمُعْضَلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أبُو الحَسَنِ.[6]
وكذلك روى ابن شهرآشوب عن عمرو بن شعيب والأعمش وأبي الضحى والقاضي وأبي يوسف، عن مسروق أنّ عمر اتي بامرأة انكحت في عدّتها، ففرّق بينهما، وجعل صداقها في بيت المال، وقال: لا اجيز مهراً رُدّ نكاحه، وقال: لا تجتمعان أبداً.
فبلغ عليّاً عليه السلام فقال: وإنْ كَانُوا جَهِلُوا السُّنّةَ لَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ويُفَرّقُ بَيْنَهُمَا فَإذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الخُطّابِ.[7] فَخَطَبَ عُمَرُ النّاسَ، فَقَالَ: رُدُّوا الجَهَالاتِ إلَى السُّنّةِ. ورَجَعَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ عَلِيّ.[8]
[1] يقال للرجل: عِنّين إذا اصيب بالعَنَن وهو عدم انتصاب إحليل الرجل عند مواقعة زوجته. ولذلك جعلت الشريعة الإسلاميّة المقدّسة فسخ النكاح بِيَدِ المرأة. فتفسخ وتتزوّج رجلًا آخر برغبتها حسب شرائط وأحكام مقرّرة في الفقه.
[2] لا عدّة للمرأة المتزوّجة التي لم يواقعها زوجها فيما إذا أراد طلاقها، ولها أن تتزوّج آخر فوراً.
[3] «المناقب» ج 1، ص 492، الطبعة الحجريّة.
[4] إذا زنى المحصن أو المحصنة فعلى الحاكم الشرعيّ رجمهما بعد ثبوت الزنا برؤية أربعة رجال عدول. والإحصان يعني أنّ للرجل زوجة ويستطيع أن يقترب منها. أو للمرأة زوج وتستطيع أن تقترب منه. وأمّا إذا لم يكن إحصان بمعنى أنّ الرجل ليس له زوجة أو المرأة ليس لها زوج أو لا يستطيع كلّ منهما الحصول على صاحبه، فالزنا حيئنذٍ ليس محصناً. ولذلك يقام الحدّ على الزاني بعد ثبوت الزنا بشهادة أربعة رجال عدول، وحدّه مائة جلدة كما نصّ القرآن الكريم على ذلك.
[5] «المناقب» ج 1، ص 492 و493.
[6] «المناقب» ج 1، ص 493.
[7] إذا تزوّج رجل في العدّة ولم يعلم بالحرمة ولم يدخل، فلا تحرم عليه زوجته حرمة أبديّة في المذهب الشيعيّ، ويستطيع أن يتزوّجها بعد انقضاء العدّة. وأمّا إذا كان يعلم بالحرمة، أو كان جاهلًا فدخل، فإنّ زوجته تحرم عليه حرمة أبديّة. ولا يستطيع أن يتزوّجها بعد انقضاء العدّة. ونحن إنّما ذكرنا هذه الروايات هنا لا لاعتقادنا بمضمونها ومحتواها، إذ هي مخدوشة السند عندنا، بل كما قال العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» ج 9، ص 478: إنّما ذكر ذلك مع مخالفته لمذهب الشيعة في كونه خاطباً من الخطّاب: لبيان اعترافهم بكونه عليه السلام أعلم منهم انتهى.
[8] «المناقب» ج 1، ص 493 وروى الحديث كثير من علماء العامّة. منهم: الخوارزميّ في مناقبه، في الطبعة الحجريّة: ص 57، وفي طبعة النجف الحديثة: ص 50. وآخر الحديث: وردّوا قول عمر إلى عليّ عليه السلام؛ ومنهم سبط بن الجوزيّ في «تذكرة الخواصّ» ص 87؛ ومنهم محبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 3، ص 208، طبعة مكتبة لبندة؛ وفي «ذخائر العقبي» ص 81، وقال في ذيله: أخرجه ابن السمّان في «الموافقة»؛ ومنهم البيهقيّ في «السنن الكبرى» ج 7، ص 441 و442، إذ ذكر ثلاث روايات في رجوع عمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ونصّ في إحداها على أنّ عمر سأل الرجل والمرأة فيما إذا كانا عالمينِ بالمسألة أم جاهلينِ، وأجابا أنّهما جاهلان بها، لكنّه رجمهما. وورد في جميع الروايات المذكورة في «سنن البيهقيّ» أنّ عمر صادر الصداق وجعله في بيت المال. وذكر البيهقيّ رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال فيها الشعبيّ: إنّ عليّاً عليه السلام فرّق بينهما وجعل لها الصداق بما استحلّ من فرجها. وقال الشافعيّ: ونقول بقول عليّ عليه السلام نقول. وقال الشيخ: وعمر بن الخطّاب رجع عن قوله الأوّل وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان.