

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
الأخيلة
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 38-42
2026-02-25
14
الأخيلة
الأخيلة جمع خيال.. والخيال تشكيل سحري لا يقدر عليه غير الفنان المبدع. وهو على وفق ما يرى الدكتور علي جواد الطاهر: أن تخلق من أشياء مألوفة شيئاً غير مألوف في الفن عموما (1) وليس ما نعنيه بالخيال هنا مجرد التسمية، لأن ذلك يدخل كل خيال ساذج ضمن تسميتنا من غير قصد منا. وانما نعني به تلك العملية التي تؤدي إلى تشكيل مصورات ليس لها وجود بالفعل أو القدرة الكامنة على تشكيلها (2) لأن الخيال عنصر مهم في انتاج الابداع فهو القوة التي تجعل المبدع يربط بين الأشياء المختلفة والمبدع البارع هو الذي يربط عن طريق الخيال بين أشياء لا صلة بينها كما تبدو في أعين الناس (3). يقول كولردج في تعريف الخيال: إنه القوة السحرية التي توفق بين صفات متنافرة تظهر أشياء قديمة مألوفة بمظهر الجدة والنضارة. إنه ... اجتماع حالة غير عادية من الانفعال بحالة غير عادية من النظام (4) وهذا التعريف على وفق ما ترى روز غريب لم يقصد به مجرد التصوّر أو استحضار الصور في الدهن. بل أراد به القوة الخالقة (5)
والقوة الخالقة. أو القوة المبدعة على وفق ما يرى بعض الباحثين المعاصرين من علماء النفس أكثر شمولا من التخيل. انها في رأيهم درجة عليا من الذكاء يتميز صاحبها بقوة البصيرة وعمق النظر. والقدرة على اكتشاف صلات خفية بين الاشياء ليؤلف منها صورا مبتكرة. أو هو القدرة على تجريد علاقات اساسية عامة. وعزلها
تؤول الى الجمع بين أشياء شديدة الاختلاف ظاهرا. (6)
واليك أمثلة من الأخيلة المبدعة:
اولا - قال المتنبي:
1- أتوك يجرون الحديد كأنهم
سروا بجياد مالهن قوائم
2- إذا بَرَقُوا لم تُعرف البيض منهم
ثيابهم من مثلها والعمائم
3- خميس بشرق الأرض والغرب زحفة
وفي أذن الجوزاء منه زمازم
4- تجمع فيه كل لسن وأمة.
فما تفهم الحداث إلا التراج
5- فلله وقت ذوب الغش ناره الشرامية
فلم يبق إلا صارم او صبارم
6- تقطع مالا يقطع الدرع والقنا
وفر من الابطال من لا يصادم
7- وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
8- تمر بك الابطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
9- تجاوزت مقدار الشجاعة والنهي
الى قول قوم أنت بالغيب عالم
10- ضممت جناحيهم على القلب ضمة
تموت الخوافي تحتها والقوادم
11- بضرب أتى الهامات والنصر غائب
وصار الى اللبات والنصر قادم
12- حضرت الردينيات حتى طرحتها
وحتى كأن السيف للرمح شاتم
13- ومن طلب الفتح الجليل فإنما
مفاتيحة البيض الخفاف الصوارم
14 - نثرتهم فوق الأحيدب كله
كما نثرت فوق العروس الدراهم (7)
ما مر كان مقطعا من قصيدة للمتنبي انشدها سيف الدولة سنة ثلاث وأربعين وثلثمئة (343هـ) في قلعة الحدث التي أكمل الأمير بناءها ذلك اليوم. مشيرا فيها الى انتصاره الكبير على قوات الروم التي كانت قد أغارت على ثغر الحدث بقيادة الدمستق. في نحو خمسين ألف فارس وراجل. وكيف مزقهم سيف الدولة وظفر بقائدهم. وأسر منهم جمعا كبيرا. ولكن المتنبي حين صور المعركة لم يكن ناقلا صحفيا ولا واصفا واقعيا. ولا مسجلا تقريريا. انما كان ذا خيال خصب. وقوة مولدة. كونت صورا تدفقت على لوح متحرك كأنه الحياة ذاتها. فكنت ترى غبار المعركة من خلال الابيات الشعرية. وكنت تستمع إلى جعجعة السلاح من خلف الأوراق المحبرة. وكنت تشاهد الانتصار وهو يتحقق بفعل الحرف الفاعل من غير أن تظن مرة واحدة أنك است مشاهدا. معايشا. فكيف تم هذا؟ إنه تم بفعل أخيلة المتنبي التي كانت تترسم الخطوات واحدة واحدة واليك تحليلا مكثفا لهذا المقطع.
لم يكن الجيش الذي أتى لملاقاة سيف الدولة جيشا عاديا. انما كان جيشا جرارا سرى ليلا مدججا بسلاح كثير حتى أن كثرة ما كان من حديد على فرسانه وخيوله قد حجب قوائم الخيل. وجعلها تبدو خيولاً من غير قوائم. لأن كثرة الحديد التي كانت ترفل به الخيول صورت حركتها على نحو جديد إذا بدأت الخيل كأنها خيول حديدية سيارة ومثل هذا التصوير لا يقوده غير خيال دافق مبتكر. ثم جعل كثرة الحديد هذه سببا في عدم قدرة المتلقي على تمييز بريق سيوفهم من بريق فرسانهم. فالكل يبدو واحدا. فالسيوف لماعة. ولباسهم من دروع الماعة كذلك. ويعتمرون خوذا لماعة. إن كل شيء فيهم لماع. فكيف يميز المشاهد لمعانهم من لمعان سيوفهم؟ إن هذا الجيش جرار وكثير العدد ولكثرته ملا الارض. وتداخلت أصواته المثيرة فبلغة الميسور وصف الجيش أكثر إثارة من هذا؟ لقد تجمع فيه مقاتلون من اعرام تتلفه ظلوا يرطنون بلغات شتى. بحيث لو أراد جيل منهم أن يفهم جيلا آخر من الذين لا يتكلمون لغته احتاج الى مترجمين بعدد تلك اللغات وهذه الصورة المتخيلة لهذا الجيش جيء بها إشارة الى عظمته. واتساع حجمه. واختلاف مقاتليه. فانظر كيف صاغ المتنبي ذلك خيالا: إن الشاعر يقود متلقيه الى نتيجة محتمة إذ لا يمكن لمن يتصدى لمثل هذا الجيش إلا أن يكون أكثر اقتدارا منه وأقوى عزيمة. وأشجع منازلة. وهكذا أدت نار الحرب الى اذابة كل ما كان رديئا من أسلحة وفرسان. ولم ينج منها إلا ما كان صارماً من السيوف. وشجاعا من الفرسان فقد تكسر كل سيف لم يكن ماضيا في تقطيع الدروع والرماح. ولم يثبت من الرجال فيها غير الاشداء الاقوياء لأن من كان غير قادر على المصادمة كان في عداد الجبناء الفارين منها. ثم يلتفت الشاعر بخياله الى سيف الدولة. وهنا تكمن قدرته الابداعية توصيلا. إذ كيف يمكن أن يصف شجاعة هذا القائد؟ إن كل وصف قيل قديما وكل دورة صيغت عن الشجعان سابقا يجب الا يسمح بمرورها في صياغة الخيال المؤلف هنا. لأن ما أثاره من أخيلة وصفية لهذا الجيش. ولقوة هذا التصادم ينبغي أن تتوج بصورة مثيرة للشجاعة. لا تقل غرابة. وجدة عن غرابة هذه المعركة فقال:
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
جاعلا وقفة سيف الدولة في ميدان المعركة وقفة تقود من يقفها إلى الهلاك لا محالة. ولكن كيف يقنع الشاعر متلقيه بحتمية هلاك من يقف تلك الوقفة باستثناء الأمير؟ لقد برع خيال الشاعر حين جعل ممدوحه محاطا بالموت من كل جهة من جهاته فكأن الموت قد أطبق عليه تماما كما ينطبق جفن النائم على تمام العين غير أن النتيجة كانت هزيمة الموت وانتصار سيف الدولة. فحين انجلى. غبار المعركة كان وجه الأمير مشرقا باسما بالنصر. وكانت وجوه اعدائه تمر من أمامه كالحة عابسة من شدة الجراح والهزيمة. إن من يقف هذه المواقف المهلكة ويخرج منها منتصرا مشرقا محتقرا عظمتها يكون قد تجاوز مألوف الشجاعة وحسابات العقل إلى ما يمكن تسميته معرفة الغيب والا كيف يفسر الناس هذا الاقتدار العجيب؟ لقد أطبق الموت كل جهاته على الأمير لكنه لم يستطيع أن يغلبه. في حين أطبق الأمير على جيش الروم على حو لم يكن باستطاعة أحد التخلص من ذلك الاطباق:
ضممت جناحيهم على القلب ضمة
تموت الخوافي تحتها والقوادم
فكان أن تحقق النصر سريعا. إذ لم يدم وقت المعركة سوى مسافة وصول السيوف الى النحور عبر فلق الهامات. فكنت أيها الأمير في قتالك شجاعا عجيبا. إذ فضلت القتال بالسيف على القتال بالرمح لتكون قريباً من خصمك لا بعيدا فكأن سيفك ازدرى الرماح لجبنها فهي تقاتل بعيدة. وهو يحب الاقتحام. ولعل مفاتيح أي نصر عظيم لن يكون بغير السيوف المرهفة القاطعة. ثم يصل خيال الشاعر الى درجة التوقد حين يرسم صورة الانتصار النهائي. فيبتكر لوحة ظلت تحتفظ بجمالها عبر مئات السنين. لا يستطيع متلقيها غير الانبهار بها الى حد الاكبار والاعجاب. والاندهاش الدائم.
نثرتهم فوق الأحيدب كله
كما نثرت فوق العروس الدراهم (8)
فانظر كيف جعل تحكم سيف الدولة باعدائه؟ إنه تحكم جعله ينثر جثثهم فوق جبل الأحيدب كما تنثر الدراهم على العروس ولعل في هذا ما يكفي دليلا على ذلك الخيال المبتكر. وليس ما ذكرناه من أهمية الخيال وقفا على قصيدة الشطرين. وانما هو مطلوب في كل نص ابداعي. سواء أكان شعرا حرا. أم من شعر الشطرين. أم نصا نثريا. فمن غير الخيال لا يستطيع النص. تقديم العاطفة اطلاقا. ولتوكيد ما قلناه اليك هذا المقطع من قصيدة وقال لأحمد عنتر مصطفى.
وأنا أتامل في قلبي المنهك
أعجب من نفسي ...!!
أتساءل: حيث أردت الضحك بكيت
فلماذا حين هممت بأن ابكي
لم أضحك؟؟!!
ولعل أحدا لا يجادل في الذي أثاره النص من خيال مبتكر.
______________
(1) مقابلة خاصة مع الباحث في 18 / 3 / 1989 م.
(2) ينظر مجدي وهبه معجم مصطلحات الأدب 166.
(3) ينظر كمال نشأت. في النقد الأدبي دراسة وتطبيق، 28.
(4) روز غریب تمهيد في النقد الأدبي 86.
(5) (6) ينظر روز غريب تمهيد في النقد الأدبي 860
(7) ينظر: شرح ديوان المتنبي للبرقوقي الجزء الرابع 94.
(8) في بعض نسخ الديوان يرد الصدر نشرتهم فوق الاحيدي نشرة.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)