أقرأ أيضاً
التاريخ: 10-2-2017
![]()
التاريخ: 13-2-2017
![]()
التاريخ: 10-2-2017
![]()
التاريخ: 27-2-2017
![]() |
قال تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء : 35] .
لما قدم الله الحكم عند مخالفة أحد الزوجين صاحبه ، عقبه بذكر الحكم عند التباس الأمر في المخالفة فقال ﴿وإن خفتم﴾ : أي خشيتم ، وقيل : علمتم . والأول أصح لأنه لو علم الشقاق يقينا ، لما احتيج إلى الحكمين ﴿شقاق بينهما﴾ : أي مخالفة وعداوة بين الزوجين ، ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ : أي وجهوا حكما من قوم الزوج ، وحكما من قوم الزوجة ، لينظرا فيما بينهما . والحكم : القيم بما يسند إليه . واختلف في المخاطب بإنفاذ الحكمين من هو ؟ فقيل : هو السلطان الذي يترافع الزوجان إليه ، عن سعيد بن جبير ، والضحاك ، وأكثر الفقهاء ، وهو الظاهر في الأخبار عن الصادقين . وقيل : أنه الزوجان ، وأهل الزوجين ، عن السدي . واختلفوا في أن الحكمين هل لهما أن يفرقا بالطلاق إن رأياه ؟ أم لا ؟ فالذي رواه أصحابنا عنهم أنه ليس لهما ذلك ، إلا بعد أن يستأمراهما ويرضيا بذلك ، وقيل : إن لهما ذلك عن سعيد بن جبير ، والشعبي والسدي وإبراهيم ورواه عن علي (عليه السلام) . ومن ذهب إلى هذا القول ، قال : إن الحكمين وكيلان .
﴿إن يريدا إصلاحا﴾ : يعني الحكمين ، ﴿يوفق الله بينهما﴾ حتى يحكما بما فيه الصلاح . والضمير في بينهما عائد إلى الحكمين ، عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والسدي . وقيل : إن يرد الحكمان إصلاحا بين الزوجين ، يوفق الله بين الزوجين : أي مؤلف بينهما ، ويرفع ما بينهما من العداوة ، والشقاق . ﴿إن الله كان عليما﴾ بما يريد الحكمان من الإصلاح والإفساد ﴿خبيرا﴾ بما فيه مصالحكم ، ومنافعكم .
_______________
1. تفسير مجمع البيان ، ج3 ، ص 81 .
{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}. من السبل الثلاث ، لأن الوعظ والهجر والضرب وسيلة إلى الطاعة ، فإذا حصلت الغاية ذهبت الوسيلة . ويشير قوله تعالى : {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} إلى ان الزوج لا يجوز له ان يلتمس الأعذار الكاذبة لإيذاء الزوجة ، حتى ولو كانت كارهة له ، ما دامت قائمة بحقوقه المشروعة . . فان الحب والبغض لا يدخلان في استطاعة الإنسان ، واللَّه سبحانه لا يحاسب ولا يعاقب إلا على ما يظهر من قول أو فعل .
{إِنَّ اللَّهً كانَ عَلِيًّا كَبِيراً} . قال الرازي ما يتلخص بأن المقصود من قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهً كانَ عَلِيًّا كَبِيراً} أمور ، الأول : تهديد الأزواج على ظلم النساء . الثاني : ان اللَّه لا يكلف إلا بالحق . الثالث : انه سبحانه لا يكلف إلا ما يطاق ، فعلى الأزواج ان لا يكلفوا النساء ما لا يقدرن عليه . الرابع : انه لا يكلف العاصي إذا تاب ، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فدعوا معاقبتها .
الخامس : انه لم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، ولا تفتشوا عما في قلبها من البغض .
والرازي من الأشاعرة القائلين بأن للَّه ان يكلف الإنسان ما لا يطيق ، ودافع عن هذا المذهب بحرارة في كثير من الموارد في تفسيره الكبير ، بخاصة عند تفسير قوله تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها - 286 البقرة } . . وقد ذهل هنا عن مذهبه التقليدي ، ورجع إلى الفطرة الصافية التي فطر اللَّه الناس عليها ، وقال ما نصه بالحرف : « ان اللَّه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، لأنهن لا يقدرن على ذلك » .
{وإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وحَكَماً مِنْ أَهْلِها} . تعرضت الآية السابقة لنشوز الزوجة ، وتعرضت هذه لنشوز الزوجين ، وامتناع كل منهما عن القيام بحقوق الآخر ، وقوله تعالى : {وإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما} أراد به الخوف من استمرار الشقاق الحاصل بالفعل . والخطاب في خفتم وابعثوا خاص بالحكام الشرعيين ، لأنه بهم أليق وأنسب ، والأمر ببعث الحكمين للاستحباب ، لا للوجوب ، والغرض منه إصلاح ذات البين ، والمحافظة على الأسرة ، والخوف من ضياع الأطفال والصغار .
ويشترط في الحكم ان يكون أهلا للإصلاح ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ويجوز أن يكون من غير الأهل والأرحام ، لأن القرابة ليست شرطا في الحكم ، ولا في الوكيل ، وذكر الأهل في الآية للأفضلية ، لا للإلزام ، لأنهم أعرف ببواطن الحال ، وأشفق من الغير ، وأكتم للأسرار ، ومهمة الحكمين ان يسعيا في الصلح ، فإن تعذر رفعا تقريرا للحاكم الشرعي بواقع الحال ، وما يريانه من مصلحة الطرفين ، ولا حق لهما بالتفريق إلا بإذن الزوج ، ولا بالبذل عن الزوجة إلا بإرادتها .
{إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما} . اختلف المفسرون في ضمير يريدا ، وضمير بينهما على من يعودان ؟ قيل : ان ضمير يريدا يعود إلى الحكمين ، وضمير بينهما إلى الزوجين ، ويكون المعنى ان أراد الحكمان إصلاحا بين الزوجين يوفق اللَّه بين الزوجين ، وهذا بعيد عن الصواب أولا : لأن المفروض بالحكمين انهما يريدان الإصلاح ، والا لم يكونا حكمين . ثانيا : قد يريد الحكمان الإصلاح ، ومع ذلك لا يحصل التوفيق ، مع ان اللَّه قال : ان يريدا إصلاحا يوفق اللَّه بينهما ، وعليه يجب حصول التوفيق بمجرد وجود إرادة الإصلاح من الحكمين . . والواقع هو العكس .
والصحيح ان الضميرين يعودان إلى الزوجين ، ويكون المعنى ان الزوجين إذا صلحت نيتهما ، وكانا قاصدين استمرار الزواج والمحافظة على بقاء الأسرة ، فإن مهمة الحكمين تنجح ، ويوفق اللَّه بين الزوجين لا محالة ، لأنه متى صلحت النية صلحت الحال ، واستقامت الأفعال ، وإذا ساءت نية الزوجين فإن مآل وظيفة الحكمين إلى الفشل ، حتى ولو قصدا الإصلاح ، وبذلا كل الجهود وأقصاها .
وتجدر الإشارة إلى أن اللَّه سبحانه ذكر نشوز الزوجة ثم نشوز الزوجين معا ، ولم يذكر نشوز الزوج فقط . . ولكن الفقهاء تعرضوا له ، وقالوا : إذا تعدى الزوج ، ومنع الزوجة بعض حقوقها الواجبة وعظته ، فإن قبل ، والا فليس لها هجره ، ولا ضربه كما له هجرها وضربها إذا نشزت ، ليس لها ذلك ، حتى ولو علمت ان هجره وضربه يجديانها نفعا ، لأن الهجر والضرب يحتاجان إلى الإذن من الشرع ، ولا إذن منه لها بهما . . أجل ، لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ، وعلى الحاكم أن يتثبت ويتبين ، فإن ثبت لديه تعدي الزوج نهاه ، فإن عاد عزّره بما يرى من الشتم أو الضرب أو السجن . . وان امتنع عن الإنفاق عليها ، مع قدرته عليه جاز للحاكم أن يأخذ من مال الزوج ، وينفق عليها ، ولو ببيع شيء من أملاكه ، وان لم يملك شيئا كان له - على رأي - ان يطلقها قهرا عنه ، ان طلبت هي الطلاق . . وسبقت الإشارة إلى ذلك عند تفسير قوله تعالى : {وبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ}
_________________________
1. تفسير الكاشف ، ج2 ، ص 317-319 .
قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا } ، الشقاق البينونة والعداوة ، وقد قرر الله سبحانه بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور والتحكم ، وقوله : { إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما } أي إن يرد الزوجان نوعا من الإصلاح من غير عناد ولجاج في الاختلاف ، فإن سلب الاختيار من أنفسهما وإلقاء زمام الأمر إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين.
وأسند التوفيق إلى الله مع وجود السبب العادي الذي هو إرادتهما الإصلاح ، والمطاوعة لما حكم به الحكمان لأنه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط الأسباب بالمسببات وهو المعطي لكل ذي حق حقه ، ثم تمم الكلام بقوله : { إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً } ، ومناسبته ظاهرة .
_______________________
1. تفسير الميزان ، ج4 ، ص 293 .
محكمة الصّلح العائلية :
في هذه الآية إشارة إلى مسألة ظهور الخلاف والنزاع بين الزوجين ، فهي تقول : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها} ليتفاوضا ويقربا من أوجه النظر لدى الزوجين ، ثمّ يقول تعالى : {إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما} أي ينبغي أن يدخل الحكمان المندوبان عن الزوجين في التفاوض بنيّة صالحة ورغبة صادقة في الإصلاح ، فإنّهما إن كانا كذلك أعانهما الله ووفق بين الزوجين بسببهما.
ومن أجل تحذير (الحكمين) وحثّهما على استخدام حسن النّية ، يقول سبحانه في ختام هذه الآية : {إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً}.
إنّ محكمة الصلح العائلية التي أشارت إليها الآية الحاضرة ، هي إحدى مبتكرات الإسلام العظيمة ، فإن هذه المحكمة تمتاز بميزات تفتقر إليها المحاكم الاخرى ، من جملتها.
١ـ إن البيئة العائلية بيئة عاطفية ، ولذلك فإن المقياس الذي يجب أن يتبع في هذه البيئة ، يختلف عن المقاييس المتبعة في البيئات الاخرى ، يعني كما أنّه لا يمكن العمل في «المحاكم الجنائية» بمقياس المحبّة والعاطفة ، فإنّه لا يمكن ـ في البيئة العائلية ـ العمل بمقياس القوانين الجافة . الضوابط الصارمة الخالية عن روح العاطفة ، فهنا يجب حل الخلافات العائلية بالطرق العاطفية حدّ الإمكان ، ولهذا يأمر القرآن الكريم أن يكون الحكمان في هذه المحكمة ممن تربطهم بالزوجين رابطة النسب والقرابة ليمكنهما تحريك المشاعر والعواطف باتجاه الإصلاح بين الزوجين ، ومن الطبيعي أن تكون هذه الميزة هي ميزة هذا النوع من المحاكم خاصّة دون بقية المحاكم الاخرى.
٢ـ إنّ المدعي والمدعى عليه في المحاكم العادية القضائية مضطرين ـ تحت طائلة الدفاع عن النفس ـ أن يكشفا عن كل ما لديهما من الأسرار ، ومن المسلم أنّ الزوجين لو كشفا عن الأسرار الزوجية أمام الأجانب والغرباء لجرح كل منهما مشاعر الطرف الآخر ، بحيث لو اضطر الزوجان أن يعودا ـ بحكم المحكمة ـ إلى البيت لما عادا إلى ما كانا عليه من الصفاء والمحبة السالفة ، بل لبقيا يعيشان بقية حياتهما كشخصين غريبين مجبرين على القيام بوظائف معينة ، ولقد دلّت التجربة وأثبتت أنّ الزوجين اللذين يضطران إلى التحاكم إلى مثل هذه المحاكم لحل ما بينهما من الخلاف لم يعودا ذينك الزوجين السابقين .
بينما لا تطرح أمثال هذه الأمور في محاكم الصلح العائلية للاستحياء من الحضور ، أو إذا اتفق أن طرحت هذه الأمور فإنّها تطرح في جو عائلي ، وأمام الأقرباء فإنّها لن تنطوي على ذلك الأثر السيء الذي أشرنا إليه.
٣ـ إنّ الحكمين في المحاكم العادية المتعارفة لا يشعران عادة بالمسؤولية الكاملة في قضايا الخلاف والمنازعات ، ولا تهمهما كيفية انتهاء القضية المرفوعة إلى المحكمة ، هل يعود الزوجان إلى البيت على وفاق ، أو ينفصلا مع طلاق ؟
في حين أنّ الأمر في محكمة الصلح العائلية على العكس من ذلك تماما ، فإن الحكمين في هذه المحكمة حيث يرتبطان بالزوجين برابطة القرابة ، فإن لافتراق أو صلح الزوجين أثرا كبيرا في حياة الحكمين من الناحية العاطفية ، ومن ناحية المسؤوليات الناشئة عن ذلك ، ولهذا فإنّهما يسعيان ـ جهد إمكانهما ـ أن يتحقق الصلح والسلام والوفاق والوئام بين الزوجين اللذين يمثلانهما ، وأن يعيدا المياه إلى مجاريها كما يقول المثل .
٤ـ مضافا إلى كلّ ذلك فإن مثل هذا المحكمة لا تعاني من أية مشكلات ، ولا تحتاج إلى أية ميزانيات باهظة ، ولا تعاني من تلك الخسارة والضياع الذي تعاني منه المحاكم العادية ، فهي تستطيع أن تقوم بأهدافها وتحقق أغراضها من دون أية تشريفات وفي أقل مدّة من الزمن.
ولا يخفى أنّه يجب أن يختار الحكمان من بين الأشخاص المحنّكين المطلعين المعروفين ، في عائلتي الزوجين بالفهم وحسن التدبير.
مع هذه المميزات التي عددناها يتبيّن أنّ هذه المحكمة تحظى بفرصة للإصلاح بين الزوجين .
إنّ مسألة الحكمين وما يشترط فيهما من الشروط ، ومدى صلاحيتهما وما يحكمان به في مجال الزوجين ، قد ذكر في الكتب الفقهية بالتفصيل ، منها أن يكون الحكمان بالغين عاقلين عادلين بصيرين بعملهما.
وأمّا مدى نفوذ حكمهما في حق الزوجين ، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى نفوذ كل ما يصدر أنّه من حكم في هذا المجال ، وظاهر التعبير به «حكم» في الآية الحاضرة يفيد هذا المعنى أيضا ، لأن مفهوم الحكمية والقضاء هو نفوذ الحكم مهما كان ، ولكن أكثر الفقهاء يرون نفوذ ما يراه الحكمان في مورد التوفيق بين الزوجين ورفع الاختلاف والنزاع بينهما ، بل يرون نفوذ ما يشترطه الحكمان على الزوجين ، وأمّا حكمهما في مجال الطلاق والإفتراق بين الزوجين فغير نافذ لوحده ، وذيل الآية الذي يشير إلى مسألة الإصلاح أكثر ملاءمة مع هذا الرأي ، وللتوسع في هذا المجال يجب مراجعة الكتب الفقهية .
__________________
1. تفسير الأمثل ، ج3 ، ص 123-125 .
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|