إن انتصار فئة المؤمنين القليلة على الأعداد الكثيرة يتم بإذن الله الذي يرسل دعمه وإمداده الغيبي، حيث إن جنود السماوات والأرض كلّها الله: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الفتح: 7 ] ولا يوجد نسبة معينة للمواجهة بين جماعتي المؤمنين والكافرين، بل إنها تتغير تبعاً للظروف المختلفة. وقد ذكر القرآن الكريم حدين للمقابلة بين الفريقين:
1. الواحد مقابل العشرة: (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) [الأنفال: 65].
2. الواحد مقابل إثنين (فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 66].
ولسان هاتين الآيتين ليس لسان الحصر كي تكون النصرة الإلهية مشروطة بوجود إحدى هاتين النسبتين، وبالتالي فلا يكون ذلك مقيداً لإطلاق (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 249] إذ يجب في التقييد أو التخصيص أن يكون أحدهما مثبتاً والآخر نافياً، وهنا كلاهما مثبت ولا تنافي بينهما كي يكون أحدهما مقيداً للآخر.
كما أن الآيات التي سبق ذكرها هي لبيان تكليف المقاتل والتخفيف الإلهي عنه في هذا المجال، لا لبيان تحديد النصرة الإلهية. وعلى هذا فالنصرة الإلهية لیست محدودة البتة، ومن الممكن أن تنزل على فئة قليلة فتنصرها على جماعة كثيرة.
والقاعدة الكلية في المواجهة بين هاتين الفئتين هي آ، أنه كلما كان إيمان المبدأ القابلي أقوى واستقامته أكثر، كلّما كان استمداده من النصرة والقدرة والفيض الإلهي. الذي هو المبدأ الفاعلي. أكثر، كان الله معه والله لا يخذل المؤمنين الصابرين، وهو معهم: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 249].
ومن هذا المنطلق كان كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام عندما قال: والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها[1]، إذ إن خصلة النكوص والفرار منبعها من الشيطان، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم عند إشارته إلى تشويش الشيطان أذهان الكافرين حيث قال تعالى: (إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 48].
[1] نهج البلاغة الكتاب 45، الفقرتان 19-20.