يشعر تعليق حكم النصر (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 249] على صفة حبّ الشهادة (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ) [البقرة: 249] بعليتها له؛ أي إن جملة (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 249] تنبع من روحيـة طلب الشهادة والاشتياق إلى لقاء الله، وإنّ قائليها كانوا مؤمنين مخلصين، لم يقفوا عند حدود إيمانهم بالمبدأ والمعاد والنبوّة والرسالة، بل كانوا تواقين إلى الشهادة أيضاً.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء المجاهدين الشامخين بعبارة (الذين يظنون لقاء الله والقيامة). وليس المقصود بهذا التعبير هو أن هؤلاء كانوا يظنون مجيء يوم القيامة فقط، أو أنّ (الظنّ) فيها قد استخدم بمعنى اليقين، أو أن الظن يكفي أيضاً في أصول الدين؛ لأنّ الله سبحانه يمدح المؤمنين بصفة اليقين بالآخرة: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) [البقرة: 4] كما أن العديد من الآيات تفيد افتقاد الظنّ إلى أي أثر معرفي وقيمة علمية لإثبات أو إنكار أصول الدين: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس: 36].
والستر في التعبير بـ (الظن) عن الذين يؤمنون في الآية التي هـي مـورد البحث ـ أو في غيرها من الآيات مثل (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة: 19-20] التي تتحدث عن من يظن ملاقاة
الله ومواجهته للحساب، أو في الآيات التي تتحدّث عن من لا يظن حصول القيامة: (أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) [المطففين:4-5] - لا يكمن في أحد الاحتمالات التي أشرنا إليها، بل إنّ الله سبحانه في صدد بيان الحقيقة القائلة إن الإنسان إذا كان لديه ظن بحصول القيامة، فإنّه سيسعى إلى أن يكون نزيها؛ لأنّ المظنون من القوة بحيث يؤثر الظنّ معه أثر اليقين.
إذن، فالله سبحانه إذا مدح الخاشعين بصفة اليقين بالآخرة في إحدى الآيات، ووصفهم بصفة الظنّ بالآخرة في موضع آخر: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 45-46] فإن ذلك هو من جهة أنّ القيامة من الأهمية بمكان بحيث يكون للظنّ بها أثر مماثل لأثر اليقين بها. وهذا كما لو كان إنسان حصل له ظـن بسمية مشروب ما ولم يتيقن ذلك، فإنّه سوف يتجنبه بالتأكيد إذ لـو كـان ساً فربما كان الموت عاقبة شربه لذلك السائل المظنون.
وفي التعابير المتعارفة أيضاً ربما يقال أحيانا: ألا تحتمل وجود القيامة؟ أو ألا تخشى من القيامة؟ في حين أن الاحتمال والخشية هما أضعف من الظن، ومع ذلك يترتب عليهما من الآثار ما يترتب.
نعم إن المطلوب من الإنسان هو اليقين بالقيامة، والمراد من اليقين هو مرحلة من المعرفة والاعتقاد الراسخ الذي لا يزلزله شيء ولا ترفعه الشبهة، وإن كان يقين الحكماء مختلفاً عن يقين عامة الناس من هذه الجهة.
تنبيه: اعتبر بعض المفسرين الذين يميلون إلى أن يكون تفسيرهم ذا صبغة خاصة أن سر التعبير عن (اليقين بملاقاة الله) بـ(الظن) هو أن علم أولئك بالمعاد هو علم حصولي وأنه كان بصورة البرهان بالمفهوم الذهني، والعلم الحصولي مضافاً إلى تفاوته مع معلومة فهو عرضة للتحوّل والتغير أيضا ومن هنا فهو في حكم المظنة.
ويجب الالتفات إلى أن العلم الحصولي يكون ضعيفاً بالقياس إلى العلم الشهودي؛ لكنه في حد ذاته قوي ويمكن الاعتماد عليه. وهؤلاء الذين حملوا الظن بملاقاة الله على ظنّ الشهادة، أخذوا الظن بمعناه المشهور.