إن عبارات طالوت عن المبتلين بالشرب من النهر تتوافق مع الخطوط العامة للقرآن والروايات، ويبدو هذا التناغم واضحاً وضوحاً مطلقاً في عبارة ( فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: 249].
توضيح ذلك أن ارتباط أفراد المجتمع بعضهم مع البعض أو مع قادتهم، وكذلك انقطاعهم عن بعضهم، هو نفس (التولي) و(التبري). والقرآن الكريم ربما عبر عن ذلك الفصل والوصل بتعبير التبري والتولي أحياناً، وأحياناً أخرى بعبارات (منهم) و(ليس منهم).
وعنوانا التولي والتبري -اللذين هما من الأركان الفقهية والحقوقية المهمة في الإسلام- لا يحتاجان إلى إيراد الأمثلة، لكنّ التعبير بعبارة (منه) أو (ليس منه) فلها العديد من الأمثلة، منها: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ) [الأنفال: 75] و(لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: 28] و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51].
وهنا يجب الالتفات إلى أنه كما أنّ الأمر قد يستعمل أحياناً للوجوب وأحياناً أخرى للاستحباب، والنهي قد يستعمل أحياناً للحرمة وأحياناً أخرى للكراهة، فكذلك عنوانا (منا) و(ليس منا) قد يستعملان أحياناً للدلالة على اللزوم، وأحياناً أُخرى في مورد الرجحان.
وقد جاءت عبارة (ليس منا) المليئة بالتهديد بكثرة في موارد ارتكاب قبائح الاعمال مثل في ما ورد حول الغش في المعاملة حيث قيل: من غشنا فليس منا[1].
وتتفاوت درجات القرب عند استعمال عبارة (مني) أو (منا) بحسب الحالات المختلفة فما جاء عن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) حول أبي عبد الله الحسين عليه السلام عندما قال: حسين مني[2]، يختلف اختلافا جذريا مع ما ورد عنه حول سلمان عندما قال: سلمان منا أهل البيت[3].
تنبيه: هناك تعابير تستخدم لتفهيم الصلاة المتقابلة لا يفهم منها أصلية البعض وفرعية البعض الاخر مثل: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [التوبة: 67] حيث يظهر من هذه الاية أن أصل الارتباط والصلات المتقابلة يقوم على انتفاء أفضلية أحد الاخر مثلما لا يستفاد من آية (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [التوبة: 71] أكثر من الولاية المتعادلة والمتماثلة.
وعلى أي حال فما ورد عن طالوت هو من الامور المألوفة في تعابير القرآن والروايات كما هو مألوف في الألسنة المختلفة.
[1] راجع: من لا يحضره الفقيه ج3 ص273 وراجع الامالي الصدوق ص349