في نقوشه، يُحصي شلمنصر الثالث أيضًا مجموعةً متنوِّعة من الملوك الآخرين الذين طالبَهم بالجزية، إما قبل معركة قَرقُور مباشرةً أو بعدَها مباشرةً، في عام 853 قبل الميلاد، إضافةً إلى المُحاربين الرئيسيين الذين هزمهم. ومن بينهم «سنجارا الكركميشي»، الذي ورَدَ ذِكره هنا مرَّاتٍ عديدة، والذي ظهَرَ أيضًا ستَّ مراتٍ في أماكن أخرى في حوليات شلمنصر. وفي المرجع الأخير (السنة الحادية عشرة)، والذي يرجع تاريخه إلى 848 قبل الميلاد، يقول شلمنصر إنه استولى على سبعٍ وتسعين مدينة من مدن سنجارا، وهو ما يُشير مرةً أخرى إلى أن كركميش كانت بحلول ذلك الوقت مملكةً راسخة تضمُّ العديد من المدن التابعة لها. وهذه هي المرة الأخيرة التي يذكر فيها شلمنصر سنجارا؛ ولهذا السبب، فإن تاريخ حُكمه عادةً ما يُحدَّد الآن من 875 إلى 848 قبل الميلاد (1).
ولكنَّ هذا ليس آخِر ما نسمعه عن سنجارا؛ لأنه يُذكر مرةً أخرى في سياقٍ آخَر، في موطنه كركميش، بعد ستِّين عامًا تقريبًا. أمَرَ أحد أحفاد سنجارا، ويُدعى كاماني، بنقش هذا النقش الأخير، الذي يرجِع تاريخه إلى 790 قبل الميلاد، عندما أصبح ملكًا في كركميش. لقد نُحِتَ على لوحة من البازلت يزيد ارتفاعها عن مترَين وكُرِّس للإلهة كوبابا، التي صُوِّرَت في الجزء العلوي منه ودُعيَت «ملكة كركميش». وكجزءٍ من النقش، أدرج كاماني مكانته ونسبه، وسرد الملوك الذين سبقوه، من بينهم جدُّه الأكبر سنجارا (2).
تتكوَّن اللوحة حاليًّا من ست قطع، عُثِر على أولها في عام 1876 وعلى بعضها من قِبَل المُنقِّبين البريطانيين في السنوات التي تلَت عام 1911. ومؤخرًا، حُدِّدَ موقع إحدى القِطع واستُعيدَت في عام 2015، بعد سرقتها قبل عقود ونقلها على بُعد حوالي 250 كيلومترًا. وفي المُجمل، توجَد القطع الست الآن في ثلاثة متاحف مختلفة في ثلاث دول مختلفة: المتحف البريطاني، ومتحف الفاتيكان، ومتحف غازي عنتاب في تركيا. من الواضح أنها جميعًا تنتمي إلى الأثر الأصلي نفسه، والتحريات المُتعلِّقة بتعقُّب القطع هي قصةٌ في حدِّ ذاتها، وقد برع آخَرون في سردِها (3).
وعلاوةً على ذلك، وبمساعدة نقشٍ مُجزأ آخَر، يمكننا أن نوضِّح بقية الصياغة على هذه اللوحة ونُعيد بناء سلسلة نسب هذه السلالة من السادة الذين استمرُّوا في حُكم كركميش لأكثر من قرنٍ من الزمان، من 875 إلى 760 قبل الميلاد: «[أنا كاماني، حاكم،] مدينتَي كركميش (و) ميليد وسيدهما، ابن أستيرو (وا)، سيد المدينة، [حفيد كوالانا-مووا، سيد المدينة]، حفيد حفيدِ إيسارويلا-مووا، سيد المدينة، [حفيد حفيدِ حفيدِ] سنجارا […]» (4).
ومن ثَم، نعرف الآن أن سَنجارا واصَلَ سلسلةَ سادة كركميش. ويمكننا أيضًا أن نستكمِل، من نقوش أخرى، أسماء مزيد من سادة كركميش الذين حكموا خلال أواخر القرن التاسع وحتى القرن الثامن قبل الميلاد كجزءٍ من هذا الخط الأُسري. في المُجمل، نعرف الآن ما يقرُب من اثني عشر حاكمًا من هؤلاء، من عهد سوهي الأول، حوالي 1000 قبل الميلاد، وحتى آخِر حاكم، الذي يُدعى بيسيري، والذي دفع الجزية لتِغلث-فلاسر الثالث في عام 738 قبل الميلاد، ولكنْ أطاح به سرجون الثاني من على عرشه في عام 717 قبل الميلاد، عندما ضَمَّ كركميش ودَمجَها في الإمبراطورية الآشورية؛ ممَّا أنهى أخيرًا أربعة قرونٍ من التحوُّل والتغيير بعد انهيار أواخر العصر البرونزي (5).
يبدو إذن أنه، من أوائل القرن الثاني عشر وحتى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، استمر وجود تسلسُلٍ هرمي معقَّد للحكومة في كركميش، وظلَّت تحكُم منطقةً مترامية الأطراف بسلسلةٍ مُتصلة من الملوك، وتُمارس الكتابة، وتبني أبنيةً ضخمة. ويمكن إبداء تعليقاتٍ مُماثلة، بدرجاتٍ متفاوتة، فيما يتَّصل بالكثير من دويلات المدن الحيثية الجديدة والسور-أناضولية الأخرى في مختلف أنحاء هذه المنطقة، وأظنُّ أننا يُمكننا أن نتفِق مع أليساندرا جيلبرت في أنَّ «فترة أوائل العصر الحديدي في المنطقة السور-أناضولية؛ لم تكن فترةً من النزوح من المدن والركود، بل كانت فترةً انتقالية تميزَت بالاستمرارية، فضلًا عن تغيُّراتٍ في الهياكل الاجتماعية والسياسية» (6).
...........................................
(1) See Grayson 1996: 9 (A.0.102.1), 23 (A.0.102.2), 38 (A.0.102.6 ii 69). See also Hawkins 2000: 75, 2009: 167; Bryce 2012: 130-31, 223, 2014: 122, 125; Brown and Smith 2016: 25; Hawkins and Weeden 2016: 13; Peker 2016: 49 (table 2).
(2) Peker 2016: 47–49; Marchetti and Peker 2018: 81–90.
(3) See Peker 2016: 47–49; Marchetti and Peker 2018: 81–90.
(4) Translation (merging the data from several inscriptions) following Peker 2016: 47–49 and table 2; Marchetti and Peker 2018: 95–97. See also Marchetti 2012: 146-47; Hawkins and Peker 2014: 108.
(5) Hawkins 2000: 36, 72, 75–79, 123-24, 128-29, 131; Gilibert 2011: 12–14, 41–50; Bryce 2012; 84, 98, 280-81; Hawkins and Peker 2014: 108-9; Brown and Smith 2016: 25-26; Hawkins and Weeden 2016: 13; J. F. Osborne 2021: 78, 83, 100–102, fig. 3.7.
(6) Gilibert 2011: 6, citing Bunnens 2000: 12–19; see also d’Alfonso 2020.