خلال الجزء الأكبر من القرن العاشر قبل الميلاد، لم تكن الأمور في آشور وبابل أفضل كثيرًا مما كانت عليه خلال القرن الحادي عشر. على سبيل المثال، بدءًا من حوالي عام 1007 قبل الميلاد، وطوال العشرين عامًا التالية، يبدو أن هناك نقصًا في الحبوب في بلاد الرافدين. على وجه التحديد يذكُر نقشٌ مكتوب على حجر «كودورو» حدوديٍّ بابلي «الضنك والمجاعة في عهد الملك كاشو-نادين-أخي» (1007–1005 قبل الميلاد). ويُقال لنا إن «القرابين المنتظمة [للآلهة] توقفَت، وتوقفَت قرابين الخمور». ويبدو أن الأمور استمرَّت على هذا المنوال حتى عهد الملك التالي؛ لأنَّ النقش نفسه يُسجِّل أن كاهنًا من مدينة سيبار قال له: «لقد توقفَت قرابين المعبد لشَمَش [الإله الرئيسي]» (1).
ثم، خلال فترة دامت حوالي ثلاثين عامًا، من حوالي عام 970 قبل الميلاد وما بعده، بدأ الآراميون في الهجوم مرةً أخرى، في مرحلةٍ ما، مدةَ تسع سنواتٍ متتالية. ونعرف أن هذا حدَثَ في عهد ملكٍ بابلي يُدعى نبو-موكين-أبلي (978–943 قبل الميلاد)، حيث تُسجِّل «أخبار الأيام البابلية» أنَّ «الآراميين كانوا عدوانيِّين، لذلك لم يتمكن الملك من الذهاب إلى بابل». وهناك أيضًا دلائل تشير إلى حدوث مجاعة في عام 954 قبل الميلاد ثم مرة أخرى بعد حوالي خمسة عشر عامًا؛ حيث سُجِّلَت مجاعة أخرى وَجُوعٌ مصاحِب لها في حوالي عام 940 قبل الميلاد (2).
بدأ التعافي الآشوري أخيرًا مرةً أخرى في عهد الملك آشور-دان الثاني (934–912 قبل الميلاد). بدأ آشور-دان الثاني ببطء مهاجمةَ الممالك الآرامية الصغيرة المختلفة واستعاد الأراضي الآشورية التي كانت قد فُقِدَت خلال القرن السابق. في حولياته، يفتخر آشور-دان الثاني كثيرًا بقوله إنه أعاد أيضًا الآشوريين الذين كانوا قد فرُّوا من المنطقة في وقتٍ سابق. وكتب: «لقد أعدتُ شعب آشور المُنهَك الذي كان قد هجر مُدنه ومنازله في مواجهة العوز والجوع والمجاعة، ووصلوا إلى أراضٍ أخرى. لقد أسكنتُهم في مدنٍ ومنازل مناسبة واستقروا في سلام» (3).
واستمر التعافي في عهد خليفته أداد-نيراري الثاني (911–891 قبل الميلاد)، الذي حقق نجاحًا كبيرًا لدرجة أنه بدأ في توسيع الأملاك الآشورية مرة أخرى، مما أدى في النهاية إلى الكيان العملاق الذي نُسميه الآن الإمبراطورية الآشورية الجديدة. كان يشنُّ حملات تقريبًا كلَّ عامٍ من الوحد والعشرين عامًا التي قضاها على العرش، غربًا على الآراميين، وجهة الجنوب الشرقي على بابل، وشمالًا (4).
ويزعم تحديدًا أنه هزم ملكَين من بابل على التوالي وأنه غزا أرض هانيجلبات (المعروفة باسم مملكة ميتاني في أواخر العصر البرونزي) ما لا يقلُّ عن سبع مراتٍ مختلفة. واستولى على غنائم شملَت عرشًا ذهبيًّا وأطباقًا ذهبية مصقولة وحتى «خيمة ذهبية تليق بسلطانه، لم أحدِّد وزنها». كما قتل 360 أسدًا من عربته الحربية، و240 ثورًا بريًّا، و6 أفيال أثناء رحلات صيدٍ مختلفة، وأعاد ترميم المعابد التي كانت بحاجةٍ إلى رعاية عاجلة، حسب نقوشه (5).
الأمر المثير للاهتمام للغاية حول هذا التوقيت لبداية النهضة الآشورية الجديدة تحت حُكم هذَين الملِكَين هو أنه يتطابق تطابقًا جيدًا للغاية مع الأدلة الجديدة على أن المناخ تغيَّر للأفضل في هذا الوقت تقريبًا. تشير دراسة جديدة تستند إلى «سجلٍّ كهفي عالي الاستبانة ومؤرَّخ بدقَّة» من كهف كونا با، الواقع في منطقة كردستان في شمال شرق العراق على بُعد حوالي ثلاثمائة كيلومتر جنوب شرق نينوى، إلى أن الفترة من حوالي 925 قبل الميلاد إلى 725 قبل الميلاد كانت عصرًا أكثر رطوبةً بكثيرٍ من أيِّ عصرٍ شَهدَه الآشوريون منذ نهاية أواخر العصر البرونزي. وكما يلاحظ الباحثون، فإن هذه الفترة «متزامنة مع المراحل البارزة للتوسُّع الإمبراطوري الآشوري (حوالي 920–730 قبل الميلاد)» وشملَت «فترة ذروة أمطار، يُطلَق عليها هنا الأمطار الآشورية الغزيرة» والتي استمرَّت من 850 إلى 740 قبل الميلاد، وكانت واحدة من «أرطب الفترات في الأربعة آلاف عام الماضية» في تلك المنطقة (6). ويُمكننا أن نلاحظ أيضًا أنه لم يعُدْ هناك أي ذِكر في السجلات الآشورية للمجاعة أو الجفاف خلال هذه الفترة. وإذا كان في هذه النتائج الجديدة أيُّ مؤشر، فهو أنه لا شك في أن الآشوريين الجُدد لم يُضيعوا أيَّ وقتٍ من أجل أن يستفيدوا استفادةً كاملة من تغيُّر المناخ.
.............................................
(1) Brinkman 1968: 189, 388; Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 180, app. A, no. 12.
(2) Oates 1979: 108; Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 180-81, app. A, nos. 13–15.
(3) Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 181, app. A, no. 15; Grayson 1991: 131, 134-35 (A.0.98.1); Postgate 1992: 248–50 and table 1; Kuhrt 1995: 479–81; Kirleis and Herles 2007: 13; Liverani 2014: 475; Radner 2015: 69; Younger 2016: 221–24; Frahm 2017: 167-68, 2023: 88–92; Radner 2018: 11; Düring 2020: 144.
(4) Grayson 1991: 142, 145; Kuhrt 1995: 482; Liverani 2014: 475-76; Frahm 2017: 168, 2023: 93; Elayi 2018: 108-9. Note that his name is sometimes rendered as Adad-nerari II; e.g., by Younger 2016: 221, 234-35.
(5) Brinkman 1968: 169-70, 180–82; Grayson [1975] 2000: 166 (no. 21 iii, lines 1–11), 1991: 148–55 (A.0.99.2), 156 (A.0.99.4); Bryce 2016a: 67; Radner 2018: 11.
(6) Sinha et al. 2019: 1–4 and fig. 3. I am grateful to Eckart Frahm for bringing this study to my attention.