إن غاية النهي عن المباشرة في أيام الحيض هي حصول الطهارة، (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222] ونهاية زمان حرمة المباشرة هي! النقاء من دم الحيض؛ إلا أنه بقرينة (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ...) [البقرة: 222] تكون الغاية الحقيقية هي التطهر وتحصيل الطهارة.
وقد قرأ البعض (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222] بالتشديد، كما قرأوها بالتخفيف، وقراءة التخفيف هي المتواترة.
وطبقاً للقراءة الأولى يكون المراد من الغاية التي هي فعل اختياري هو تحصيل الطهارة، ويكون انقطاع الدم غير كافٍ لجواز المباشرة.
بينما طبقاً للقراءة الثانية يكون الظهور الابتدائي للغاية هو الطهارة الناتجة من انقطاع الدم، وهي تحصل بنفسها وليست فعلاً اختيارياً.
وقد دفعت هذه المسألة البعض إلى اعتبار هاتين القراءتين كما لو كانتا روايتين متعارضتين، مما أدى بهم إلى الحكم بإجمال غاية (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222]، وقد ذكرت الكتب الأصولية هذا البحث بالتفصيل[1].
ولكن هاتين القراءتين ليستا مثل الروايتين المتعارضتين؛ لأن (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) [البقرة: 222] الواردة بعد (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222] تبيّن المعيار الذي هو تحصيل الطهارة، لا مجرد الطهارة من الدم. ومن هنا فلو لم يوجد هذا التفريع المذكور بعد الغاية؛ لأمكن إثارة بحث التعارض، إلا أنه عندما يكون كلام المتكلم مستمراً لم ينته بعد، ولا يزال بإمكانه أن يقيّد كلامه بأحد القيود، فلا يجوز تجاهل هذا القيد وتقطيع كلام المتكلم ثمّ القول بظهور القسم الأوّل من كلامه بما لا يتناسب مع ذيل ذلك الكلام، ثم الحكم بتعارض وإجمال كلامه. وهذا يشبه ما لا يعده العرف تعارضاً في قول الأب لابنه: (لا) تأكل من ثمار هذه الشجرة حتى تنضج، ثم يقول له: (إذا قطفتها فَكُل). إذن، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) [البقرة: 222] قرينة متصلة تبين غاية هذا الحكم.
نعم، لو قرأنا (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222] بالتشديد لكان تكراراً مجدداً للغاية (تحصيل الطهارة)؛ ولكن عند قراءتها بالتخفيف تكون (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) [البقرة: 222] قرينة متصلة مانعة من انعقاد ظهور الغاية في مجرّد قطع الدم والنتيجة هي أن الغاية ستكون هي التطهر (تحصيل الطهارة) التي هي أعلى من الطهارة بمعنى انقطاع الدم.
أما تحديد وبيان أن المراد بالتطهر هو تحصيل الطهارة بأي واحد من أسبابها، هل هو الغَسل أم الوضوء أم الغُسل؟ فهذا ما تتكفّل الروايات ببيانه.
[1] راجع: فرائد الأصول، ج1، ص157-158، حجيّة ظواهر الكتاب؛ ج2، ص248-249، الشبهة المحصورة.