طبيعة اللغة التي يكتب بها الخبر الصحفي:
في اللغة التي يكتب بها الخبر، يقول بعض أساتذة الصحافة "وهو هنا الأستاذ ر. فليش Flash"
مادامت الصحافة تتجه بالخبر إلى الطبقات الديمقراطية في الشعب، ما فلا مفر من دامت هذه الطبقات تتزايد في كل بلد من بلاد العالم يوما بعد يوم، مسايرة اللغة الصحفية مسايرة تامة لهذه الطبقات.
ومعنى ذلك أننا نكتب ليفهمنا الناس.
ومعنى ذلك أيضاً أن اللغة التي تكتب بها المادة الصحفية لا بد أن تتوافر فيها جملة أشياء منها:
أولاً: إيثار الجمل القصيرة على الطويلة، بحيث لا تزيد الجملة عن قدر معين من الألفاظ.
وقد أجمع المشتغلون بالصحافة على وجوب تحذير محرر الأخبار من استخدام الكتابة الأدبية، أو الكتابة المنمقة في التحرير.
واتفقوا جميعًا على العمل بهذه النصيحة التي تقول:
استعمل الجمل القصيرة واكتب بلغة سلسة ومفهومة. واستعمل الكلمة التي تصيب الهدف، بدلاً من استعمال الكلمات العامة التي قد تعني أشياء كثيرة منها مضافة إلى الهدف، فالألفاظ في أيامنا هذه يجب أن نعتمد على الدقة في استعمالها.
ثانيًا: إيثار الفقرات القصيرة على الفقرات الطويلة، حتى تضمن الصحيفة انتباه القراء دائما، وتحتاج هذه المسألة إلى ما تحتاج إليه سابقتها من التجارب الإحصائية. ولغة الأرقام في مثل هذه الأبحاث لا تحتمل الشك، ولا تضلل الصحف بحال ما.
ثالثًا: الحرص على استعمال الألفاظ المألوفة للقراء، وتجنب الألفاظ غير المألوفة وليس القصد من ذلك هو الحرص على سلامة اللغة من أن تكثر بها الألفاظ الأجنبية عنها، فللصحف أن تقول: "ماركة رالي" في الدراجات ولا تقول علامة رالي، ولها أن تقول "محطة الأوتوبيس"، ولا يصح أن تقول "محطة السيارات العامة "وتقول "ضاحية مصر الجديدة" ولا يصح أن تقول "ضاحية هليوبوليس". وتقول "راديو وتليفون" ولا يصح أن نقول "مذياع ومسرة". وحتى في مجال العلم الخالص، أو الفن الخالص ينبغي للصحيفة عندما تنشر خبرًا من هذا النوع أن تقتصر ما أمكنها على استخدام المصطلحات المعروفة لأهل هذا الفن أو العلم، إذ من الجائز أن يطلع على هذا الخبر بعض الجمهور غير المثقف بهذه الثقافة، ولكنه يرغب في الاستفادة، وليس من شك في أن نشر الثقافة هدف من أجل أهداف الصحافة، فعليها أن تجعل الطريق سهلاً إلى هذا الهدف.
رابعا: الحرص على استعمال الأفعال المجردة، وتفضيلها على الأفعال المزيدة، أو المبالغ في اشتقاقها على صورة من الصور، ولا بأس هنا من استخدام الألفاظ المنحوتة حديثًا لتدل على معنى من المعاني الحديثة أيضا، كما في قولهم: تأقلم وتمذهب، وتبلشف، وكما في قولهم التعايش السلمي، واللامركزية، والروتين الحكومي، ونحو ذلك.
خامسا: اصطناع الألفاظ والتراكيب التي يألفها القراء، أو التي تشعرهم بشيء من الإيناس وهنا يحسن بالمحرر الصحفي أن يكثر من استعمال ضمائر الخطاب، وأن يتجنب ضمائر الغيبة بقدر المستطاع، وأن يشعر القارئ باستمرار أنه يتحدث إليه كصديق، بل أخ شقيق يلذ له أن يستمع إليه، ويصغي بكل جوارحه لكل كلمة من كلماته في الصحيفة، غير أن هذه النصيحة الخامسة ألزم في كتابة المقال منها في كتابة الخبر فينبغي مراعاة ذلك.
سادسا: استعمال الفعل المبني للمعلوم، وتجنب استعمال الفعل المبني للمجهول إلا عند الضرورة القصوى، أو عندما يستخدم المحرر في كتابته بعض الأفعال التي اشتهرت بالبناء للمجهول كلفظ "عني بأمره" و "أسقط في يده" ونحو ذلك.
سابعا: لا يجوز للخبر الصحفي أن يستعان فيه بالأشعار والحكم والأمثال وكلام الفحول من الكتاب والخطباء، فهذه الأشياء أدخل في باب الأدب الخالص، فضلاً عن أنها من إمارات الكتابة الأرستقراطية التي لا تفهمها إلا طبقة خاصة من القراء. والجريدة إنما تخاطب الطبقات الدنيا أو الوسطى، أو التي سماها العلماء بالطبقات الديمقراطية. ومعنى ذلك باختصار أن المحرر ينبغي له دائمًا أن يضع نصب عينيه مستوى القارئ، فإذا كان قراء الصحيفة على جانب كبير من العلم وجب عليه أن يكتب لهم بأسلوب يتناسب وهذا القدر من العلم، وإذا كانوا متوسطي الثقافة وجب عليه أن يراعي هذا المستوى في تحريره مراعاة دقيقة. وفي هذه الأحوال جميعًا لا تكون وظيفة المحرر الصحفي إثارة إعجاب القارئ بروعة الأسلوب، وجمال التركيب، وبلاغة الجمل ونحو ذلك، فهذا كله لا يتلاءم وصياغة الأخبار، ولكنه يتفق مع المقال في حالات خاصة من حالاته، أو صورة معينة من صوره.
ثامنا: في كتابه الخبر الصحفي المتصل بحادث من الحوادث الداخلية، كحادث حريق، أو حادث تصادم، أو نحو ذلك من الأحداث التي تتعرض للتغيير بين لحظة وأخرى، ينبغي للمحرر الصحفي أن يخفف من عنايته، بإيجاد الروابط الأسلوبية القوية بين أجزاء الخبر الواحد، من أمثال: "وفي أثناء ذلك"، أو: "ولما كان الأمر كذلك" إلخ.