وفي ليل الثامن عشر من تموز سنة 64 شبت النيران في رومة، واستمرت أسبوعًا كاملًا، فدمرت عشر مناطق من مناطق أوغوسطوس الأربع عشرة، وكان نيرون عند شبوبها في أنتيوم، فأسرع إلى العاصمة، وأشرف بنفسه على أعمال الإخماد والإنقاذ والموأساة، ثم أحب أن يستغل ظرف الخراب لصالح رومة وصالح نفسه، فخطط الشوارع المستقيمة، وحضَّ على البناء الحديث؛ لينشئ في قلب العاصمة مجموعة جميلة من الأبنية العالية، «ناطحات السحاب insulae»، واحتفظ بالمرتفع «الإسكويلي Esquilia»، فشيد فيه «قصره الذهبي Domus Aurea» بحدائقه وبركه وأروقته، وأقام تمثاله الجبار، الذي بلغ علوه حوالي أربعين مترًا، وأحاطه بما سلب عملاؤه من آثار اليونانيين القدماء، وجمعوه له، ونقلوه إلى رومة (1).
وشاهد الخاسرون البائسون من سكان رومة هذا الإنفاق والبذخ، فامتعضوا واضطرمت صدورهم، فقالوا: إن الحريق كان مفتعلًا، وأن نيرون دبره؛ ليصادر ما صادر، ويهدم ما هدم، تمهيدًا للإنشاء والبنيان، وأضافوا أنه شاهد النيران تلتهم بيوت الشعب من برج «ماكيناس Maecenas»، ففرح وتهلل وأنشد ما كان قد صنَّف في خراب طروادة، فاضطر نيرون البريء من هذه التهمة أن يوجد من يتحمل الذنب، وكان بإمكانه أن يتهم اليهود بذلك؛ لأنهم لم يكونوا محبوبين عند الجماهير، ولكن زوجته بوبية كانت تهتم لأمرهم، فأطال على المسيحيين ألسنة الجماهير، فتناولوهم بالقبيح وقالوا: إنهم من «أكلة البشر humani generius odium»، وأن اجتماعاتهم السرية كانت لهذه الغاية، والإشارة هنا إلى سر الافخارستية وأقفال الأبواب! وقسا قلب نيرون، فأنزل بالمؤمنين أفظع ألوان العذاب، فرمى بعضهم إلى الوحوش الضارية، وطلى آخرين بالزفت والقار، وأحرقهم جاعلًا منهم مشاعيل تضيء لياليه اللاهية في الحدائق وميدان الفاتيكان (2)، ويفيد التقليد أن بطرس وبولس كانا بني هؤلاء الشهداء (3)، ولكن هذه المحاولة لدفع التهمة — وما تبعها — عن شخصه عادت عليه بسوء العاقبة، ذلك أن أساليبه الوحشية أثارت العطف والشفقة في قلوب الجماهير على المسيحيين، بدلًا من الشعور بأن العقاب الذي أنزله جاء في صالح الأمة جمعاء (4)!
وإعادة بناء المتهدم في رومة بموجب تصاميم نيرون تطلبت نفقات باهظة، وكذلك مشروعه لربط أوستية ببحيرة «أورنوس Avernus»، وبذخه الشخصي وإسرافه، فلجأ إلى البلص في إيطالية والولايات، وأنزل عقاب الموت بستة مزارعين في ولاية أفريقية كانوا يملكون نصف أراضيها الزراعية، ثم أعد مزيجًا معدنيًّا جديدًا، غشَّ به قطعًا جديدة من المسكوكات الفضية والذهبية، فتأفف الناس من هذا كله.
.............................................
(1) PERKINS, J.W., The Domus Aurea, Antiquity, 1956, 209 ff.
(2) TACITUS, Ann. 15:44; SHERWIN-WHITE, A.N., Journ. Theol. Stud., 1952, 199 ff.
(3) EUSEBIUS, Hist, Ecc., 2:25; LOWE, J., St. Peter, (1956) ; TOYNBEE and WARD PERKINS, The Shrine of St. Peter, (1956).
(4) WALTER, G., op. cit., 144–174.