وما كاد يخلو مكان هيرودس، ويتولى أرخيلاوس بن ملثقة الحكم بعده حتى نشب نزاع بين أرخيلاوس وبين أخيه أنتيباس، فطالب هذا بتنفيذ وصية سابقة كان أبوه هيرودس قد عينه فيها ملكًا بعده، فوكل أرخيلاوس الدفاع عن حقوقه إلى نيقولاوس، وأنفذه إلى رومة لهذه الغاية، ووعد اليهود بعفو عام وبتخفيض الضرائب، ولكن الجماهير لم ترضَ بهذا فقط، بل طالبت بتسريح اليونانيين من وظائفهم، فأمسى فصح السنة 4ق.م. فصحًا صاخبًا، وقام وفد إلى رومة يطالب بإلغاء المملكة وإعادة المشيخة الثيوقراطية في ظل رومة (1)، ولكن أوغوسطوس آثر التجزئة، فجعل أنتيباس تترارخوسًا مستقلًّا على الجليل والبيرية في شرق الأردن، وأقام فيليبوس أخاه تترارخوسًا مستقلًّا على الجولان واللجا والبثنية وبانياس، ونُزع لقب الملك على أرخيلاوس، وجعله أثنارخوسًا على اليهودية وأدوم والسامرة، وسلخ غزة و«أم قيس Gedara» و«فيق Hippos»، وضمها إلى ولاية سورية؛ ليرضي سكانها المتهلنين، ويخرجهم خارج حكم اليهود.
ولما عاد الوفد المفاوض في رومة فارغ اليدين، غضب اليهود وتفجروا في عدة أماكن، فاضطر أوغوسطوس أن يأمر «فاروس Varus» والي سورية بالزحف على فلسطين وإخماد الفتنة فيها، فقام فاروس في صيف السنة 4ق.م. على رأس فرقتين إلى عكة، واستعان بألف وخمسمائة مقاتل من بيروت، وبعدد من الأنباط العرب، وزحف على الجليل واليهودية، فصلب ألفين وأرسل زعماء الفتنة إلى رومة، ونفذ رغبة أوغوسطوس فأعاد كلًّا من أولاد هيرودس إلى إمارته (2)، ولكنهم ظلوا يتساترون العداوة، ولا سيما أرخيلاوس وأنتيباس، فأضاف كل منهم اسم هيرودس إلى اسمه، فعُرف الأول بهيرودس أرخيلاوس، والثاني بهيرودس أنتيباس، ولم يحسن هيرودس أرخيلاوس السياسة، ولم يتمكن من استرضاء الجماهير، وتزوج من «غلافيرة Glaphyra» أرملة أخيه ألكسندروس، فخالف الناموس وزاد الطين بلة؛ لأنها كانت قد ولدت لأخيه أولادًا، وكانوا لا يزالون في قيد الحياة، وثبت ضعف هيرودس أرخيلاوس لدى أوغوسطوس، فلما أمَّ رومة في السنة 6ب.م. وفدان يهودي وسامري، وطالبا بإلغاء المملكة، وافق أوغوسطوس، ونفى هيرودس أرخيلاوس إلى فيينة، فغالية، وجعل اليهودية وأدوم والسامرة ولاية رومانية يحكمها «محصل procurator»، يتمتع بصلاحيات الموت والحياة ius gladii، ثم استثقل اليهود الحكم الجديد، فعادوا يسعون لإحياء المملكة الهيرودية، وانتظم بعضهم لهذه الغاية فعُرفوا بالهيرودوسيين، وهؤلاء هم الذين أشار إليهم متى (22: 16) ومرقس (3: 6 و12: 13)، الهيرودوسيون الذين أرسلهم الفريسيون إلى المسيح ليصطادوه بكلمة، وهم الذين تآمروا مع الفريسيين ليهلكوه.
...................................................
(1) ASSUMPTIO Mosis, ch. VI; CHARLES, R.H., Apocrypha and Pseudoepigrapha, II, 41; Book of Enoch (Ethiopie), ch. 103; MOMIGLIANO, A., HEROD, Cam. Anc. Hist., X, 337-338.
(2) JOSEPHUS, Ant., 17, Bell. Jud., 2:16–19, 39–54, 101–110; ABEL, F.M., op. cit., I, 411–414.