وتقاطع بومبايوس وقيصر بعد مقتل كراسوس وتصارما، وزحف قيصر على رومة في مطلق السنة 49ق.م.، واستولى على أزمة الحكم فيها، وفرَّ بومبايوس إلى الشرق، وعلم قيصر أن السناتوس كان قد عين «متلوس سكيبيو Metellus Scipio» نسيب بومبايوس واليًا على سورية، فأفرج عن أرسطوبولوس الحشمناوي، ووضع تحت تصرفه فرقتين من الجند، وأمره بالرجوع إلى فلسطين، ولكن أنصار بومبايوس دسوا لأرسطوبولوس سمًّا فمات، وأوعز بومبايوس نفسه إلى نسيبه سكيبيو أن يقضي على حياة ألكسندروس بن أرسطوبولوس، فاستدعى سكيبيو ألكسندروس وحاسبه على ما مضى من عصيان ذويه وحكم عليه بالإعدام، ثم انتصر قيصر في فرسلوس في صيف السنة 48ق.م.، ولجأ بومبايوس إلى مصر وقُتل فيها، وتأثره قيصر فوصل إلى مصر بعد مصرعه ببضعة أيام، وتدخل في شئون مصر ومال إلى كليوبترة، فعارضه أخيلاس مناظرها وحصره في أحد القصور، فكتب قيصر إلى متراداتس برغاموس يطلب المدد، فاستصعب متراداتس النزول في ساحل مصر الشمالي.
ولم يُلقِ أنتيباتروس اليهودي صديق بومبايوس أزمَّة أموره إلى أيدي المقادير، فإنه ما كاد يلمس تهلل وجوه اليهود لمصرع بومبايوس، واعتبار هذا المصرع جزاء اضطهاده لهم وتضييقه عليهم حتى انبرى يؤيد قيصر ويقول قوله. وهكذا فإنه عندما علم بما جرى لقيصر في الإسكندرية اتصل بأميري حمص وعنجر وبمالك ملك الأنباط، واستعان برجالهم وجيَّش ثلاثة آلاف يهودي، وقام إلى مصر عبر صحراء سينا، وكان قد خبر الصحراء في أثناء زحف غابينيوس عليها فوُفق إلى الاستيلاء على «الفرمة Pelusium»، وأنفذ هيركانوس الكاهن الأعظم إلى الأوساط اليهودية خارج الإسكندرية؛ ليحضهم على التعاون مع قيصر ففعلوا، وأعلنوا عدم الرضى عن أخيلاس رغم موقف يهود الإسكندرية، ثم التقت قوات متراداتس البرغامي وقوات أنتيباتروس بجيش أخيلاس فانكفأ البرغاميون، ولولا حزم أنتيباتروس وبأس رجاله لما تمكن أصدقاء قيصر من التغلب على خصمه المصري (1)، فأثنى قيصر على أنتيباتروس وأوصى به، ولما جلس في أنطاكية يدبر شئون سورية قبل قيامه إلى البونط لإخماد الثورة فيه اعترف بهيركانوس كاهنًا أعظم، ومنح أنتيباتروس حقوق المواطن الروماني، وكان منحها عبر البحار لا يزال نادرًا، وأعفاه من دفع الضرائب، واحتج أنتيغونوس بن أرسطوبولوس، وادعى أن أنتيباتروس لم يكن سوى مخادع مراوغ يعمل لصالح نفسه، فأجاب أنتيباتروس بالإشارة وأومأ إلى الجروح التي أصابته في حرب مصر، وأسكت قيصر أنتيغونوس وجماعته بأن أعلن هيركانوس كاهنًا أعظم، وجعل الكهنوت الأعظم وراثيًّا لأولاده وأحفاده من بعده، وأطلق يد أنتيباتروس في حكم فلسطين، وسمح له بأن يحكمها كما يشاء، فترك أنتيباتروس نوع الحكم ومقدار السلطة لقيصر فعينه «محصلًا procurator»، وأمر بأن ترسل إلى الكبيتول في رومة وإلى هياكل صور وصيدا وعسقلان نسخ عن هذه الأحكام؛ تُتحفر على لوحات من البرونز، وتُعلق على جدرانها، وفي الثامن عشر من تموز من هذه السنة نفسها 47ق.م.، نهض قيصر من أنطاكية إلى البونط لتأديب العصاة، وعين واليًا على سورية نسيبه وصديقه «سكستوس قيصر Sextus Caesar»، وفي هذه السنة نفسها أيضًا حدد قيصر كمية الضريبة على يهود فلسطين، فجعلها ربع مزروعات الحبوب، وأوجب تسليمها في صيدا لتُنقل منها إلى رومة، وفي السنة 44ق.م. سمح بترميم الأسوار في أورشليم وإعادتها إلى سابق مناعتها، وكبر هيركانوس الكاهن الأعظم وبرى الدهر عظمه فوافق على جعل فزائيل بن أنتيباتروس «ناظرًا praefectus» على مدينة أورشليم، وأخاه هيرودس واليًا على الجليل (2).
...............................
(1) DIO CASS. 42:7–44; JOSEPHUS, Bell. Jud., I, 187–194, Ant., 14; GRAINDER, La Guerre d’Alexandrie, (1931).
(2) JOSEPHUS, Bell. Jud., I, 194–201, Ant. 14; JUSTER, Les Juifs dans d’Empire Romain, I, 138–140; ABEL, F.M., Hist. de la Palestine, I, 307–313; PEROWNE, S., op. cit., 41–44.