وما كاد هيرودس يمارس صلاحياته في الجليل حتى اصطدم ﺑ «المجمع synedrion»، والمجمع في عرف اليهود آنئذٍ تألف من طبقات ثلاث: من وجوه الأسر الكريمة، ومن كهنة الكاهن الأعظم، ومن الكتبة أو الفقهاء الماهرين في علوم الناموس، ومعظمهم من الفريسيين (1)، وسبب الاصطدام أن هيرودس ضرب بيد من حديد أفراد عصابة يهودية هددوا الأمن في الجليل وفي الأراضي السورية المتاخمة، وأنه قبض على زعيمهم حزقيَّا وأمر به فضُرب عنقه، فثار ثائر المجمع لإقدام هيرودس على الحكم بالإعدام وتنفيذه قبل عرضه على المجمع وقبل موافقته، فنصح أنتيباتروس ابنه بأن يمثل أمام المجمع في أورشليم، وأن يجيء مستعدًّا متأهبًا للدفاع عن سلامة شخصه في أثناء السفر، وألا يكثر من هذا الاستعداد؛ كي لا يثير الظنون في أنه جاء مهددًا ضاغطًا، ومثل هيرودس أمام المجمع في الهيكل، فخشي الفقهاء سطوته ولزموا الصمت، ولم يجرؤ على الكلام سوى شومية المحترم، الذي طلب الحكم بالموت على هيرودس، فنصح هيركانوس الكاهن الأعظم هيرودس أن يخرج من أورشليم ففعل، ولجأ إلى والي سورية سكستوس قيصر، وأخبره أن اجتهاده في تأمين الجليل أدى إلى الحكم عليه بالموت، فكافأه سكستوس بأن جعله واليًا على سورية المجوفة «المدن العشر» والسامرة، بالإضافة إلى الجليل، وأطلق له عنانه فركب هيرودس سَجِيحَة رأسه، ونهض إلى أورشليم نفسها على رأس قوة كبيرة، فخرج والده وأخوه وأكدا له أن يروم مرامًا قصيا، فثنياه عن عزمه وقطعا عليه وجهته، فعاد هيرودس إلى الجليل مقتنعًا أن اليهود لا يرعون ميثاقًا ولا يثبتون على عهد، وأن مصلحته ومصلحة أسرته مربوطتان بمصلحة رومة (2).
..............................................
(1) SCHURER, E., Gesch. des Judischen volkes im zeitalter Jesu Christi, II, 188–214; SCHMIDT, J., Synedrium, Lex Theol. Kirche, (1937) IX, Cols. 940–943.
(2) JOSEPHUS, Ant. 14, Bell. Jud. I, 203:–212; ABEL, F.M., op. cit., I, 315-316; PEROWNE, S., op. cit., 46–47.