واستغلَّ أنطيوخوس الثالث العظيم ظروف البطالسة الداخلية فاكتسح سورية الجنوبية «المجوفة» بأكملها، فأدخل في حوالي السنة 189ق.م. فلسطين في طاعته، وخلفه سلقوس الرابع (187–175)، فأنطيوخوس الرابع (175–165)، ومضى هذا في سياسة التهلين، التي اختطها الإسكندر الكبير وحاول تطبيقها كثيرون من خلفائه، فحضَّ على التخلق بأخلاق اليونان، وعلى اقتباس الكثير من عاداتهم وعلومهم وفنونهم على احترام آلهتهم وإكرامها، وحاول تهلين اليهود في فلسطين «فخرج من هؤلاء أبناء منافقون، فأغروا كثيرين قائلين: هلموا نعقد عهدًا مع الأمم حولنا، فإنا منذ انفصلنا عنهم لحقتنا شرور كثيرة، فحسن هذا الكلام في عيون البعض، وبادروا يصنعون بحسب أحكام الأمم» (1)، ونسي أنطيوخوس درجة تمسك اليهود بسننهم وتقاليدهم ودينهم، وفاته ما قاله هامان لاحشوروش الملك الفارسي: أنهم على انتشارهم وتفرقهم لا يحفظون سنن الملك (2)، فلما كتب أنطيوخوس إلى أورشليم ومدن يهوذا أن يبتنوا مذابح وهياكل ومعابد للأصنام، وأن يذبحوا الخنازير والحيوانات النجسة ويتركوا بنيهم قُلفًا، ويعذروا نفوسهم بكل نجاسة (3)، خرج متتيا بن يوحنا بن سمعان من أورشلتم وسكن في مودَيْن، ثم قدم إلى مودين من أرسلهم الملك السلوقي؛ ليجبروا الناس على الذبح للآلهة، ولما أقبل رجل يهودي على عيون الجميع؛ ليذبح على المذبح الذي في مودَيْن وثب عليه متتيا الكاهن وقتله على المذبح، وقتل رجل الملك أيضًا، وصاح بصوت عظيم قائلًا: كل من غار للشريعة وحافظ على العهد فليخرج ورائي، وهرب هو وبنوه يوحنا كديس وسمعان بطَسي ويهوذا المكَّابي وأليعازر أوران ويوناثان أفوس إلى الجبال، فبدأت بذلك ثورة المكَّابيين (165–135ق.م)، وتزعمها أبناء متتيا يهوذا فيوناثان فسمعان(4)، وشغلت السلوقيين مشاغل أخرى فتمكن سمعان من تحرير فلسطين واليهود فيها.
وفي السنة الثانية لزعامة سمعان (142–135) نادى اليهود به كاهنًا أعظم، وقائدًا عامًّا، وأميرًا يورث حقوقه وصلاحياته لأبنائه وأحفاده من بعده، فأسس سمعان بذلك الأسرة الحشمناوية، أي أسرة بني حشمناوي، ويلاحَظ هنا، أن هؤلاء لم يكونوا من سلالة داود من حيث الحق في الملك، ولم يتحدروا من هارون ليصلحوا للكهنوت، وذكر اليهود هذين النقصين، فجعلوا ملك هؤلاء محدودًا حتى الزمن الذي يظهر فيه نبي أمين، أي حتى الزمن الذي يتدخل فيه الرب الإله.
ولم يرضَ جميع اليهود عن هذا التدبير لخروجه على التقليد، وازداد عدد هؤلاء المعارضين بتغافل الحشمناويين وقلة اكتراثهم للناموس، فإنهم ما كادوا يستوون على دست الحكم حتى رغبوا في الدنيا واستبدوا في الناس، فأعلن الفريسيون استياءهم منذ أيام يوحنا هيركانوس بن سمعان المؤسس، وذلك بين السنة 135 والسنة 104، وما فتئوا متنكرين حتى عهد الملكة الكسندرة (76–67ق.م).
وراقب السلوقيون تطور الموقف، فعاد أنطيوخوس السابع (138–129) إلى الميدان قبل وفاة سمعان المؤسس، وأكره ابن هذا يوحنا هيركانوس في السنة 135 على دفع الجزية وعلى هدم أسوار أورشليم، ثم خلف أنطيوخوس سلوقي ضعيف، هو ألكسندروس الثاني زبيناس (128–123)، فاستعاد يوحنا استقلاله ووسع سلطانه، وأنشأ جيشًا من المرتزقة، وتصرف تصرف أمير زمني بكل معنى الكلمة، فزاد الفريسيين غضبًا وكرهًا، وجاء ابنه أرسطوبولوس بعده فأظهر التكبر والتجبر ولبس التاج، فقنط الفريسيون، وتقلص ظل آمالهم، وكان أرسطوبولوس قد قيَّد أخاه ألكسندروس وأمه، فلما توفي نزع الجند من أخيه القيد، وأخرجوه من الحبس فتولى الملك بعد أخيه، ولما استقام له الأمر (103–76) تشوَّق إلى المطامع البعيدة، وأحبَّ النزال والقتال، فكان لا ينتهي من حرب حتى يبدأ بغيرها، فاغبر الجو بينه وبين الفريسيين وتقوضت دعائم المودة، وحل عيد المظال ودخل ألكسندروس أورشليم، وصعد إلى المذبح في وقت القربان، فابتدأ قوم من اليهود يلعبون بسعف النخل ورمي الترنج، وهو نوع من الليمون، فأصابت ترنجة الملك فغضب أصحابه، وقالوا للفريسيين: كيف جسرتم على الملك بهذا؟ فقالوا: ما فعلنا ذلك تهاونًا به، ولا جرى منا بالقصد، فلم يقبل الملك وأصحابه هذا الاعتذار لما في نفوسهم من عداوة للفريسيين، وتردد الكلام بينهم إلى أن شتم بعضهم الملك، فغضب الملك وأمر بالفريسيين فقُتل منهم في ذلك اليوم ستة آلاف رجل، وعضد ألكسندروس الصدوقيين فتأصلت العداوة بينهم وبين الفريسيين، واتصل النزاع بينهم ست سنين، قُتل فيها من الفريسيين خمسون ألف رجل، ثم حاول الملك أن يصلح فلم يتمكن، حينئذٍ طلب الفريسيون معونة السلوقيين، فسار «ديمتريوس الثالث أفكيروس Eukairos» المالك آنئذٍ في دمشق في جيشه مع من انضاف إليه من اليهود إلى أن نزلوا على شكيم «نابلس»، فخرج إليه ألكسندروس فهزمه ديمتريوس في حوالي السنة 91ق.م.، وقتل أكثر رجاله، فهرب ألكسندروس إلى بعض التلال، «وجاء إليه كثيرون من اليهود الذين مع ديمتريوس»، فلما صار في عسكر كبير سار إلى ديمتريوس فرده إلى سورية، ثم عادت الحروب بين ألكسندروس وبين الفريسيين فهزمهم، وقُتل كثيرًا منهم، وأُخذ من كبرائهم ووجوههم ثمانمائة رجل فصُلبوا وقُتلوا بين يديه، واستولى بعد ذلك على جميع اليهود وقهرهم (5).
.................................................
(1) MACC., I, 1:12-13.
(2) ESTER, 3:8.
(3) MACC., I, ch. 2.
(4) MACC., I, 1:46–56, ch. 2.
(5) JOSEPHUS, Ant., 13; ABEL, F.M., Hist. de la Palestine, I, 232–234.