ولم يطل حكم صديق رومة دكران الثاني، فإنه مات قبل السنة 6 ق.م.، فثارت أرمينية في وجه رومة، وأجلس أخصام رومة دكران الثالث، فطلب أوغوسطوس إلى طيباريوس أن ينهض إلى أرمينية فامتنع وآثر الانعزال في رودوس، فأجلس أوغوسطوس بقوة جنود ارتفسدة أخا دكران الثاني على عرش أجداده، فغذت برتية الحزب المناوئ، فكان انقلابٌ أدى إلى خروج مرشح رومة والجنود الرومانيين الذين حموه، وكان الكِبَر قد مسَّ أوغوسطوس فلم يستطع تولي أمر أرمينية بنفسه، فانتدب غايوس قيصر ابن أغريبة، وجعله بروقنصلًا، ومنحه صلاحيات واسعة على غرار ما تمتع به والد غايوس من قبل، وأحاطه بعدد من المستشارين يتزعمهم «لوليوس Lollius»، الذي كان قد نظم ولاية غلاطية، وعرف الشرق وفهم أموره ومشاكله (1).
وتهيأ غايوس وتجهَّز، وجاء أثينة وقام منها إلى جزيرة ساموس فوفد عليه طيباريوس مرحبًا مهنئًا، ولكن غايوس استقبله استقبالًا باردًا عملًا بمشورة لوليوس (2)، وانتقل غايوس من ساموس إلى مصر متفقدًا كما سبق وفعل في ولايات الغرب، ولا صحة — على الأرجح — في القول إنه أراد أن يؤمن الاستعدادات الضرورية لحملة جديدة على الجزيرة العربية (3)، ونهض من مصر إلى سورية، حيث بدأ يمارس صلاحياته القنصلية (1ب.م.).
وما حرَّض فراتاكس الأرمن على الثورة، وما حسَّن وما زيَّن إلا ليثبت عرشه في برتية ويقوى فيها على الأشراف، الذين لم يروا فيه زكاء المغرِس وشرف المنبِت، ولم ينسوا أنه كان ابن الجارية الإيطالية، فلما ظهر خبر الحملة التي أعدها أوغوسطوس وأسند قيادتها إلى غايوس خاب رجاء فراتاكس وأخفق، ففاوض أوغوسطوس على أساس تسليم الأخوة الأربعة أبناء أبيه الذين كانوا لا يزالون قائمين في رومة، فامتنع أوغوسطوس ووصم فراتاكس باغتصاب الملك، وطلب إليه أن يسحب عملاءه من أرمينية، فرد فراتاكس هذا الإنذار بمثله، ثم مات أرتفسدة مرشح رومة فأوفد دكران الثالث إلى رومة من حمل الهدايا ورجا الاعتراف به ملكًا على أرمينية، فقبل أوغوسطوس الهدايا، واعتبر الطلب بالاعتراف اعترافًا بسيادة رومة، وكتب إلى دكران الثالث أن يتوجه إلى سورية، ويقابل غايوس فيها.
وبعد وصول غايوس إلى سورية خفَّض فراتاكس من غلوائه، وكفَّ عن المطالبة بالأخوة الأربعة، وأعلن استعداده لعدم التدخل في شئون أرمينية، فاجتمع إلى غايوس على جزيرة في نهر الفرات، وتم الاتفاق بين الاثنين على هذه الشروط، واعتبرا الفرات حدًّا فاصلًا بين الدولتين (2ب.م.)، وشاهد «فيليوس باتركولوس Velleius Paterculus» هذه المقابلة بأم عينه، وكان آنئذٍ تريبونًا في إحدى الفرق الرومانية، فقال إن الجيشين اصطفا كل عند الضفة الخاضعة لدولته، وإن ممثلي الشرق والغرب التقيا على جزيرة يحف بكل منهما حرس يوازي حرس الآخر، وإنهما تبادلا عبارات المجاملة وتآدبا، فقبل فراتاكس الدعوة أولًا ثم غايوس، وشكا فراتاكس لوليوس إلى سيده غايوس، واتهمه بقبول الرشوة، فانتحر لوليوس وخلفه في مجلس المشورة «كويرينيوس Sulpicius Quirinius» (4).
ولم يرضَ الأرمن الموالون لبرتية عن خضوع دكران الثالث لرومة، فكانت حرب مع البرابرة أثارها أصدقاء برتية، وتوفي دكران، واعتزلت شقيقته وزوجته فانقطعت السلالة المالكة في أرمينية، فقدم غايوس التاج الأرمني إلى «أريوبازه Ariobazanes» ملك مادي، وكان أريوبازه رجلًا وقورًا حكيمًا، ولكن الحزب الموالي لبرتية لم يقبل به ملكًا على أرمينية، فاضطر غايوس أن يؤيد هذا الملك بالقوة، وفيما هو يحاصر «أرتجيرة Artagira» طلب صاحبها مقابلته؛ ليفضي إليه ببعض الأسرار، فاجتمعا فحاول الأرمني اغتيال غايوس فلم يفلح، ولكنه جرحه جرحًا ترامى إلى الفساد، ثم سرى إلى نفسه فمات غايوس في إيطالية في السنة 4ب.م. (5)، وتوفي أريوبازه بعد ذلك بقليل، فخلفه ابنه ارتفسده فقُتل، فأجلس أوغوسطوس دكران الرابع على عرش أرمينية في حوالي السنة 6ب.م.، فأُكره على التنازل، فأجلس أوغوسطوس زوجة دكران الثالث الملكة «إراتو Erato» فأُكرهت هي أيضًا على التنازل، فشغر عرش أرمينية مدة من الزمن، ومات أوغوسطوس والعرش لا يزال شاغرًا.
وبعد وفاة غايوس ثار أشراف برتية، وخلعوا فراتاكس، وأقاموا «هيرودس Hyrodes» ملكًا عليهم، ثم اغتالوا الملك الجديد لقساوته وحدة طبعه، وأرسلوا وفدًا إلى رومة يرجون إرسال «فونونه Vonones» أكبر أبناء فرآتس الرابع؛ ليحكم البلاد ويدبر شئونها، فوافقت رومة، وتولى فونونه ما بين السنة 6 والسنة 8ب.م. (6)، ولكن النبلاء لم يرضوا عنه؛ لأنه كان قد تخلق بأخلاق الرومان، فلم يركب متون الجياد، ولم يرغب في الصيد، فدعوا «أرتبانه Artabanus» أحد أمراء قبائل الداهاي الضاربة في شمال هركانية موطن «الأراسكة Arsacid» لتولي مقاليد الحكم والملك، فاستتب له الأمر بعد قتال قصير الأمد، وجلس على عرش برتية في السنة 11-12ب.م. (7)، ولجأ فونونه إلى أرمينية طامعًا في عرشها.
..................................................
(1) RES CESTAE, 27; TACITUS, Ann. 2:3-4.
(2) SUET., Tiberius, 12; Dio Cass., 55:10, 19.
(3) VELL., PAT., II, 101; SUET., Aug., 64.
(4) VELL. PAT., 2:102; PLIN, N.H., 9:118; Tacitus, Ann., 3:48.
(5) DESSAU, 140, I, 26.
(6) RES GESTAE, 33; TACITUS, 2:1; JOSEPHUS, Ant., 18:46 f.
(7) SCHUR, W., Orienpolitik des Kaisers, Nero, 70 ff.