تنشأ ضرورة حل الاختلافات العلمية وفصل الخصومات الفكرية من بطلان نسبية الواقع ومن بطلان التصويب.
بمعنى أنه لما كان الواقع بصورة مطلقة إمّا حقاً وإما باطلاً، ولا سبيل إلى أي نوع من القياس والتقييم في أصل الواقعية؛ لزم عند ورود التقارير المتناقضة عن واقع معين أن يكون أحدهما مطابقاً لذلك الواقع وحقيقياً وصادقاً والآخر مخالفاً له وباطلاً وكذباً.
ولما كان الكتاب الإلهي مقترناً أو مكتسباً بكسوة حق الخالق: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وهو نفسه متن الواقع بمعنى ما؛ لذا يبادر إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل في كلا مبحثي الوجود والمعرفة، فيكون نصيب أتباعه الصادقين هو الهداية بإذن الله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ[1]).
وكلمة (مِنَ الْحَقِّ) هي بيانُ (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ؛ بمعنى أ أن الله سبحانه قد هدى المؤمنين إلى الحق الذي كان الخلاف حوله. ومن هنا كان المقصود من (الحق) في هذه الجملة ذلك الحق الذي نزل الكتاب الإلهي مقترناً به ومكتسياً به (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ). وعليه تكون هداية المؤمنين إلى الطريق الصحيح شاملة لكل شؤون الحياة الثلاثة (الفردية والاجتماعية والطبيعية) مثلما تشمل المعارف وجوهر الدين.
ويكمن سر تقييد الهداية الإلهية بقيد (الإذن): (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) في أنّ الله ليس ملزماً ولا مجبوراً على هداية المؤمنين بأي حال من الأحوال، بل هو يهدي من يشاء إلى الطريق المستقيم؛ لأن الهداية الإلهية هي من باب (الاقتضاء) وليست (علّيّة تامة) بمعنى أ أن الله لما كان حكيماً وكل أعماله - خصوصاً مشيئته وإرادته - حكيمة؛ فحكمته تقتضي أن يعطي فيض هدايته التكريمية إلى من عرفوا طريق الحق وساروا عليه بإيمان كامل، لا إلى من شخصوا الحق ثمّ ساروا في طريق الضلال بغياً وتمرداً. وجملة (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) هي في الحقيقة بمنزلة الدليل على هذا المطلب.
تنبيه: يتم حل الاختلاف وفصل الخصومة استناداً إلى الشاهد واليمين حيناً، كما هو الحال في المحاكم القضائية. وحيناً آخر لا يكون الأمر هكذا، بل هو بصدد بيان الواقع صرفاً، وإن أمكن في بعض الأحيان ألا يتمكن المراجع من الاستنباط الصحيح.
إن ما يجري في المحكمة القضائية هو الفصل في الخصومة في مقام الظاهر ومن هنا إمكانية استناد الحكم إلى شاهد الزور أو اليمين الكاذب نتيجة الجهل أو السهو أو الغفلة وما شابه ذلك. لكنّ الواقع لا يتغيّر بحكم القاضي أبداً، وإن كان الظاهر وجوب العمل طبقاً له؛ في حين أن ما يتكفل به الكتاب الإلهي من حل الاختلاف لا يتوقف على شاهد أو يمين. ولا شك في أن كلا الفصلين يتطابقان في بعض الأمور.
[1] كلمة «إذن» مأخوذة من الإصغاء «بالأذن»، واستعملت بمعناها الرائج تدريجياً.