لم ينشأ الاختلاف في الدين من إبهام في دين لاله ولا من تناقض فيه لا يمكن حله بمعنى تباينه وتناقضه ولا من إبهام في كلام الانبياء عليهم السلام إذ ليس كلام الله ورسالة الانبياء مجرد كلام فقط بل هما بينة وبينات أيضا ولا إبهام فيهما على الاطلاق: (مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
كما أن منشأ ذلك الاختلاف ليس هو الجهل والنسيان وغفلة الناس لان هذه العناوين ترتفع بالرجوع الى المصدر الديني وإذا بقي شيء منها حين العمل فنصيبها العفو والإغماض.
اذن فالمصدر الوحيد اله هو الظلم والحسد وحب الرئاسة لدى بعض المنتسبين الى الدين) كعلماء السوء: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ). والمفهوم من هذه الجملة أن الاختلاف في الدين لا يشبه ذلك الاختلاف قبل نزول الكتاب السماوي بمقتضى الفطرة بل هو ثمرة البغي وتجاوز حدود ومقررات الفطرة لان الدين الالهي يطابق الفطرة ولن يناله تغيير أو اختلاف من جهة الخالق أبدا: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[1]).
وهذا الاختلاف في الدين الناشئ من الظلم والحسد يمثل خطرا كبيرا أوجب ظهور المذاهب المختلفة فيه.
إن خطر البغي والحسد وحب الدنيا مهم الى الحد الذي يقف بمفرده مقاوما للبرهان العقلي من جهة وللدليل المعتبر النقلي من جهة اخرى مادا حبائله وموقعا بعض علماء الدين فيها ومساعدا في تهيئة أرضية انتشار الفساد.
توضيح ذلك أن أوائل البشر طبقاً لتوجيهات العقل والفطرة من جهة، وهداية نبي الله آدم عليه السلام وأمثاله من أنبياء غير أُولي العزم من جهة ثانية، كانوا منسجمين ومتحدين. وهذه السنة الحسنة التي هيأت الأجواء لظهور أنبياء أولي العزم بواسطة نشوء الاختلاف الطبيعي والمحمود، صارت سبباً لذهاب الاختلاف المحمود وتبديله بالاتحاد الأكثر حمداً، وتنعم جماعة من علماء الدين بشكل واضح من الدليل المعتبر النقلي رغم كونهم كانوا يمتلكون البرهان الفطري قبل ذلك. وما يدلّ على وفور تنعم هؤلاء العلماء من ثمار أنبياء أُولي العزم هو تعبير الآية بالإيتاء بدلاً من الإنزال من جهة، وتكميل ذلك بمجيء البينات من جهةٍ ثانية: (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).
إذن، فلا إبهام ولا إجمال ولا تعارض ولا تناقض في أدلة النبوة، لا سابقاً ولا حالياً، كما جاء في العبارة البليغة: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).
ويجب الالتفات هنا إلى أن علماء الدين المبتلين بالبغي لا يتبعون طريق الحق لا بالإكراه ولا بالطوع، أي إنهم ليسوا عقلاء ولا عرفاء.
ائتيا كرهاً لجام العقلاء *** ائتيا طَوْعاً ربيع العرفاء[2]
وقد ذكر الله سبحانه في آياتٍ أُخرى أيضاً أن منشأ الاختلاف في الدين هو بغي وعناد وغرور بعض علماء الدين، فقال: أ. (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ[3]).
وقد بيّن الله تعالى في الآية السابقة أن خلاصة رسالة الشريعة هي إقامة الدين والحذر من التفرقة فيه: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[4])، لأن الخلافات العادية يمكن حلها بالرجوع الى الدين الذي هو ميزان الحق والصدق لكن الاختلاف في الدين نفسه ومواده هو اختلاف في أصل الميزان وهو ما يؤدي الى هجران الدين.
وهناك في الاية التالية اعتبر منشأ التفرقة في الدين هو بغي علماء الدين وعنادهم الواعي وفي نهاية الكلام قال بأنه لو لا كلمة الخالق القضاء والقدر الالهي القاضي ببقاء الناس واخبارهم لألفيت هؤلاء غارقين في العذاب الالهي ولقضينا على حياتهم ولو سمنا جباههم بعلامة العار والفضيحة يوم القيامة: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ[5]).
ب. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).[6]
وهذه الايات بمثابة (التفسير التحليلي) لعبارة (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) المتضمنة أن سر التمرد على الانبياء ومنشأ الاختلاف في الدين هو عبادة الشخصية والظلم وإتباع الهوى وحب الرئاسة لدى الناس خصوصا بعض علماء الدين.
وتفيد هذه الايات أن الاشخاص الذين ليس لهم إلا ادعاء الايمان وإطاعة الدين يعرضون عن كتاب الله اذا دعوا الى محكمة الله ورسوله كي يحكم ذلك الكتاب بينهم. وهذه الجماعة لا تفكر إلا في نفسها ولا شأن لها بالحق؛ لأنها تقبل فقط بذلك القسم من البرامج الدينية الذي يكون في صالحهم ويذعنون له: (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)، في حين إذا كان الشيء مخالفاً لميولهم النفسية رفضوه واستكبروا تجاهه: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ[7]). إذن، فالمعبود الحقيقي لهؤلاء هو هوى النفس، وملاك وميزان قبولهم هو ميولهم النفسية.
بعد ذلك قال في تحليل عقلي ممَّ تخاف هذه الجماعة؟ فهل قلوبهم مريضة، أم هم في شكٍّ وريبه، أم يخافون أن يحكم الله ورسوله حكماً ظالماً بالضد منهم؟ وهنا ينطلق من برهان (السبر والتقسيم) فيُبطل ضلعي الاستدلال الثاني والثالث، ومن خلال جملة (بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) يقرر أنّ منشأ إعراضهم واستكبارهم منحصر في ظلمهم ومرضهم القلبي؛ إذ إن المحكمة الإلهية حق محض لا مجال فيها للشك والترديد أولاً، وثانياً أنّ الله لا يمكن أن يظلم أحداً أبداً: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[8]). إذن، فالعامل الوحيد لعدم مثول أولئك في محكمة العدل الإلهي هو أنّ هذه الفئة ظالمة، ومنشأ الظلم هو ما أشرنا إليه من المرض القلبي والأنانية.
ومما يؤيد كون جذور هذا الاختلاف المذموم وعدم قبول الحق هي الأنانية وهوى النفس ذلك الكلام اللطيف للإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية الشريفة (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ[9]) حيث قال: «الظالم يحوم حوم نفسه[10]» بمعنى أن المراد من «الظالم» في هذه الآية هم الأفراد الأنانيون والأشخاص الذين معيارهم وميزان القيم لديهم هي منافعهم الشخصية وميولهم النفسانية.
ثم يصف الله سبحانه المؤمنين الواقعيين بقوله: إنّهم هم الذين يرفعون راية التسليم أمام محكمة عدل الله ورسوله فيدركون النجاح والفلاح ثمرة لطاعتهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[11]).
ومن هذا نخلص أن الناس في قبال محكمة رفع الاختلاف وعدل الله ورسوله ينقسمون فئتين: فئة ظالمة هي التي تعرض عن هذه المحكمة، وفئة مؤمنة هي التي تطيع.
[2] تعريب للبيت 4472 من الدفتر الثالث من المثنوي المعنوي، ص517، وهو بالفارسية.(المترجم)
[3] سورة الشورى، الآية 14 .
[5] سورة الشورى الاية 14. والمراد من كلمة في هذه الاية هو الكلام الذي قيل للناس بعد هبوط آدم عليه السلام الى الأرض: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) والمعبر عن القضاء الالهي.
[6] سورة النور الايات 47-50
[7] سورة البقرة، الآية 87.
[10] معاني الأخبار، ص 104؛ تفسير نور الثقلين، ج 4، ص 363.
[11] سورة النور، الآية 51 .