الخطر الفاحش للعلماء غير المتقين
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج10، ص421-423
2026-08-25
154
لا يحصل الاختلاف في الدين ولا تنشأ المذاهب المختلفة إلا من جهة العلماء غير المتقين ومشايخ السوء: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ). فربما ينشأ الاختلاف في الأمور الدنيوية وشؤون الحياة اليومية للجميع، لكن الاختلاف العلمي والتفرقة في الدين لا يحصل إلا لدى علماء الدين. من هنا لم يعتبر القرآن الكريم اختلاف الناس العاديين في شؤونهم الحياتية أمراً موجباً للعقاب؛ إذ إن منشؤه الجهل والنسيان والغفلة أولاً، وهو يرتفع بتوجيهات الأنبياء ووارثيهم ثانياً؛ لكن اختلاف العلماء غير المتقين في أصل الدين لا يمكن العفو عنه، لصدوره عن علم وتعمد ونتيجة للبغي والتمرد والحسد، ولا بد من مجازاته بالعقاب والعذاب الإلهي: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ[1]).
وهذه الآية في الحقيقة بمنزلة (الكبرى) للآية التي هي مورد البحث التي اعتبرت علماء السوء هم دعاة الاختلاف في الدين قائلة: إن علماء الدين المسببين للاختلاف في الدين هم بغاة وظلمة (الصغرى)، والكبرى هي أن العقاب الإلهي لا ينزل إلا على الظالمين وأهل البغي. ونتيجة ذلك هي أن العقاب لا يقع إلا على هؤلاء المدعين للعلم الديني والمنادين بالاختلاف.
كما أنه نهى المسلمين في آيةٍ أُخرى عن الاختلاف في الدين على النحو التالي: إياكم أن تظلموا كما فعل علماء اليهود، فتبتوا الفرقة في الدين؛ إذ ستبتلون بالعذاب الإلهي وتسود وجوهكم يوم القيامة: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ[2]). والسبيل الوحيد لإصلاح علماء السوء هؤلاء هو التهديد الضمني باسوداد الوجه في القيامة كي يكفّوا عن بثّ التفرقة.
وضرر علماء السوء من الخطورة بحيث إنّهم باستنتاجاتهم الخاطئة من النصوص المقدّسة والكتاب الإلهي يكونون قد ابتدعوا مذاهب جديدة ووقفوا حجر عثرة في طريق أنبياء الله. وكلّما بعث الله رسولاً يعرض ديناً ظهر إلى جانب ذلك الرسول علماء غير مهذبين متاجرين بالدين، فابتدعوا المذاهب ومارسوا التفرقة الدينية وأسسوا البدع ك (الوهابية) و(البهائية).
ويشهد كتاب الملل والنحل على هذه الحقيقة القائلة إن مقابل سلسلة الأنبياء على مدى التاريخ كان هناك سلسلة أخرى من المتنبئين والعلماء المخترعين للأديان الوهمية. و (الملل) جمع (الملة) بمعنى الدين والشريعة اللتين أتى بهما الأنبياء من عند الله[3]. أمّا (النحل) فهو جمع (النحلة) بمعنى المذهب والمرام الباطل اللذين ابتدعها علماء السوء في قبال الأنبياء[4].
وجميع المذاهب غير الإلهية هي من ابتداع العلماء طلاب الرئاسة؛ لأنّ الناس العاديين ليسوا قادرين على ابتداع المذهب، ولا الآخرون يقبلون منهم ذلك إذا تمكنوا منه. ومن هنا فعلى علماء الدين وحملة الكتاب أن يكونوا حذرين من الابتلاء بالخطر العظيم لابتداع المذاهب من باب العلم والتعمد.
[1] سورة الشورى، الآية 42 .
[2] سورة آل عمران، الآيتان 105 و 106 .
[3] مفردات ألفاظ القرآن، ص 773، م ل ل.
[4] لسان العرب، ج 11، ص 650 - 651، ن ح ل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة