مقومات الرأي العام:
يؤكد الخبراء أن الرأي العام في أي بلد من البلدان له مقومات مستمدة من تاريخه وظروفه البيئية المتنوعة.
ومعرفة هذه المقومات تساعد على استنباط الاتجاهات المحتملة للرأي العام بالنسبة لموضوع معين، وتمكن من التنبؤ بالاتجاهات المحتملة عند طرح موضوع ما، وتحدد الدور الذي ينبغي أن تقوم به وسائل الإعلام والتنظيمات السياسية والشعبية حيالها، وأهم هذه المقومات:
1- العادات والتقاليد والقيم المتوازنة:
تعكس العادات والتقاليد والقيم المتوازنة طبيعة النظام الاجتماعي السائد في مجتمع من المجتمعات ويزداد التمسك بالتقاليد في المجمعات البدائية والمتخلفة والفقيرة؛ حيث تتقبل الشعوب عادة معتقداتها المتوارثة بخيرها وشرها على أساس أنها حقائق وبديهيات لا تقبل الجدل أو إبداء الرأي، وقد تشمل هذه المعتقدات نواحي أخلاقية واجتماعية، كانت مثار جدل في أزمنة سابقة، ثم انتهت إلى الصورة التي تقبلها الجميع، فدخلت طور المعتقدات والأخلاقيات والسلوك والتقاليد المتوارثة.
ويعتبر التراث الحضاري والثقافي لكل أمة من أهم العوامل التي تؤثر في تكوين الرأي وتشكيله.
ويطالب المفكر الإعلامي مختار التهامي بألا نخلط في دراستنا للرأي العام بين هذه المعتقدات والقيم المتوارثة الجامدة، وبين الرأي العام فالرأي العام يدور حول مسائل موضع جدل ونقاش، بعكس المعتقدات العامة التي رسخت عبر العصور في أذهان الجماهير، ولم تعد مثار نقاش عام.
وفي العصر الحديث يلاحظ أن ميدان المعتقدات والتقاليد المسلم بها قد ضاق، بينما اتسعت دائرة الرأي العام وشملت كثيراً من الأمور التي كانت محرمة على النقاش، مثل: سفور المرأة وتعليمها؛ وذلك نتيجة لتطور وسائل المواصلات والاتصال ووسائل الإعلام - خاصة الفضائيات - التي مكنت الناس من الاطلاع على معتقدات الشعوب المختلفة وأخلاقياتها وتقاليدها، بما فيها من تناقض وتصارع أحيانًا.
بالرغم من أن القيم والعادات والمعتقدات المتوارثة لا تعتبر من قبل الآراء العامة، إلا أن لها - وخاصة العادات السيئة منها - تأثيرًا كبيرًا جدًّا وبالغ الخطورة على الرأي العام.
ذلك أن الفرد في كثير من الحالات يستلهم هذه القيم والعادات في تكوينه لرأيه حول بعض المسائل الحالية المطروحة للمناقشة؛ فقد يؤيد الرأي العام - في دولة ما - سلوكًا معينا، في مسألة معينة، كما قد يعارضه، وفي ذلك يقال مثلا: إن الرأي العام ضد هذا السلوك.
وقد يعني ذلك أن هذه المعارضة الظاهرة أو الكامنة لا تتفق وعادات المجتمع.
فالفرد في كثير من الحالات يستلهم هذه القيم والعادات في تكوينه لرأيه حول بعض المسائل الحالية المطروحة للمناقشة، بل إن هناك بعض الجهات التي تتقن استغلال هذه القيم والعادات لتوجيه الرأي العام وتوجيهًا يتفق مع مصالحها ومآربها، وخاصة في المجتمعات القليلة الحظ من التعليم والثقافة.
كما أن وسائل الإعلام مسئولة عن دحض هذه العادات والتقاليد واقتلاعها من جذورها، وشرح سياسة الحكومة حيالها والملابسات المتباينة التي تمس مصالح الجماهير من قريب وتحتم الإقلاع عن هذه العادات والتقاليد البالية والترويج للقيم والعادات المفيدة، مثل: قيمة العمل وقيمة الادخار ومواجهة بعض الجهات ذات المصالح الخاصة التي تجيد استغلال القيم والعادات المتوارثة لتوجيه الرأي العام توجيهًا يتفق مع مصالحها ومآربها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فلقد استطاع الاستعماريون أن يتقنوا فنون السيطرة والتحكم عن طريق دراساتهم للعوامل الحضارية المختلفة والمقومات الثقافية في كل أمة، واستطاعوا على ضوئها أن يمزقوا الأمم شيعًا، ويفتتوا الشعب الواحد شعوبًا متنافرة.
فلقد أقام الاستعمار المعاهد المتخصصة لدراسة الشعوب المستهدفة والتعرف على ثقافتها وطابعها القومي لاستخدام ذلك في التأثير على الرأي العام في تلك البلاد وتدريب كبار الساسة الاستعماريين والجواسيس ورجال المخابرات الذين يستخدمهم في تحقيق أهدافه في تلك البلاد عن طريق معرفة محتوى الثقافة من قيم وتقاليد ومعتقدات تمكن الاستعمار من تمزيق الشعوب شيعا وزرع الأسافين في جماعاتها المختلفة وأعضاء ثقافتها الفرعية.
2- الدين:
يعتبر الدين من أبرز مقومات الرأي العام ومن المسلمات التي لا تقبل الجدل، ولا تدخل في مجال الرأي العام.
ولقد لعبت الأديان - وماتزال - أدوارًا مؤثرة ومهمة في حياة الأمم والجماعات على
اختلاف معتقداتها وأديانها باعتبارها قوى ذات تأثيرات معنوية وروحية وثقافية.
وتعود جذور الدور المؤثر والفاعل للدين إلى قرون طويلة سابقة، فلقد لعبت الكنيسة دورًا أساسيا في حياة الكثير من الشعوب وفي مختلف البلاد التي انتشرت فيها المسيحية، وخاصة في أوروبا؛ حيث كان لها دور فاعل في الشؤون الروحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
كما لعب الدين الإسلامي الحنيف دورًا بارزا في حياة الشعوب التي اعتنقته منذ فجر الدعوة الإسلامية قبل أكثر من أربعة عشر قرنا وحتى يومنا هذا، وظهر تأثيره في مختلف الشؤون الحياتية للمسلمين أمة ودولة وتشريعًا ومنهاج حياة، باعتبار أن الدعوة الإسلامية لم تقتصر على الشؤون العبادية فحسب، بل يصل تأثيرها إلى كل الشؤون الروحية والحياتية.
كما يعتبر الدين أحد مقومات النظام الثقافي، فالدين من العناصر الحضارية الراسخة التي لا تقبل أساسياتها الجدل، وجوهر الدين يبقى ثابتًا لا يتزعزع إلا أن الدين - كما يرى - قد يستخدم استخداما سيئًا كأن يعبأ به البسطاء من المتدينين ويلهب حماسهم البعض لخدمة غرض معين فيتحول الإيمان إلى عصبية.
مثال: الحروب الصليبية الأوروبية في القرون الوسطى بين الشرق والغرب، والتوسع الاستعماري الأوروبي بحجة تحقيق رسالة الجنس الأبيض في نشر المسيحية وسيادة العالم والحركة الصهيونية والاستعمارية ومنها الادعاء بالحق الإلهي المقدس للملوك، وبأن الملوك خلفاء الله في الأرض.
ولقد اهتم الدين الإسلامي بالرأي العام، ونشطت الدعوى الإسلامية لكسب ميول الرأي العام نحو الإسلام في ربوع الأرض المختلفة دون تهديد أو إرغام وأكد على حرية الرأي وحرية العقيدة، ودعا الجماهير للتعبير عن آرائهم ومن معالم اهتمام الإسلام بالرأي قوله - عز وجل: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران: 159]، وقوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى:38]، وجاءت المساجد مع الإسلام كمنابر للرأي العام وتوجيهه ولتضامن المسلمين وتآلفهم، ولكي يتدارسوا فيها شؤون دينهم ودنياهم.
ويقول الدكتور عبد القادر حاتم في كتابه القيّم: (الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية): "إن الدين يفرض نفوذا أوسع، حتى على غير المتمسكين به ويشكل مصدرًا من مصادر الرأي العام، فالاستشهاد بآية قرآنية أو بأحاديث شريفة يخلق الاقتناع ويثير الحوافز والدوافع ويحرك المشاعر والعواطف
3- التربية والتعليم:
تلعب المؤسسات التعليمية والتربوية؛ كالمدارس والمعاهد والجامعات، في تكوين الرأي العام وتشكيله، سواء من حيث مضمونه المعرفي أو من حيث اتجاهه وقوته.
فالمدرسة تأتي بعد العائلة في ترتيب أهمية المؤسسات المؤثرة على أفكار التلاميذ في سنوات أعمارهم الأولى، فهي على أقل تقدير تدعم اتجاهاتهم وآرائهم التي اكتسبوها من العائلة.
ويساعد التعليم الطفل على التفكير وكلما ازدادت معرفته اتسع أفقه بما يمكنه من التحرر من جهات النظر وخبراته السابقة التي أصبحت تختلف مع وجهات نظره الجديدة.
ويرى بعض الخبراء في مجال الاتصال أن الاتجاهات السائدة في التعليم تؤثر تأثيراً كبيراً على مستقبل الرأي العام داخل الدولة، خصوصًا إذا قامت هذه الاتجاهات على أساس بث روح التفرقة العنصرية أو الدينية أو الطبقية أو إذكاء روح التعصب؛ ذلك أن النشء لا يستطيع في المرحلة الأولى من حياته أن يعمل عقله للتمييز بين الحق والباطل، والنتيجة المحتمة لذلك أن يكبر النشء وتكبر معه بعض أنماط من السلوك وألوان التعصب والتحيز التي تبلغ في النفس مبلغ العقيدة واليقين؛ لطول ما يتلقاها ويتلقنها ويقرؤها خلال سنوات حياته المدرسية.
وهكذا يشب جيل أو أجيال كاملة من الرجال والنساء المؤمنين بطائفة من الأفكار والشعارات التعصبية المتحيزة التي رسخت في نفوسهم وعقولهم، وبلغت منها مبلغ العقيدة التي لا تقبل المناقشة والتفكير.
وقد حذر الخبراء من تعدد الجهات المشرفة على التعليم في الدولة، وتعدد الأيديولوجيات الموجهة له؛ إذ إن معنى ذلك التعداد إعداد جيل متنافر في التفكير والاتجاهات والأهداف تنافرًا يشبه - إلى حد كبير - ذلك الذي يقع بين الأحزاب ذات المصالح الطبقية المتباينة؛ فلقد قرأت أجيال كاملة من شباب مصر تاريخها الوطني على غير حقيقته، وصور لها الأبطال في تاريخها تائهين وراء سحب من الشك والغموض، بينما وُضِعَتْ هالات التمجيد والإكبار حول الذين خانوا كفاحها، كما لُقّنَتْ أجيال متعاقبة من شباب مصر بلادها لا تصلح للصناعة ولا تقدر عليها.
4- النظام السياسي السائد:
فالنظام السياسي السائد داخل الدولة يلعب دورًا كبيرًا في تكوين الرأي العام، وهناك نوعان من الأنظمة:
1- النظم الديموقراطية:
ففي النظم الديموقراطية تسود حرية الفكر والاعتقاد وإبداء الرأي المخالف للحاكم علانية وبالنسبة للمسائل العامة دون خوف، ويظهر هذا في البلاد المتقدمة الكبرى وبعض الدول النامية مثل لبنان ومصر.
وتتعدد - في هذه النظم - التنظيمات السياسية، خاصة الأحزاب السياسية المتنافسة ذات البرامج المعلنة التي توضح موقفها بالنسبة للمشكلات العامة، وتقدم بدائل الحلول لها؛ حيث يسعى كل حزب منها للحصول على تأييد الرأي العام لبرنامجه ووجهة نظره عن طريق ما يقدمه من بيانات وحجج وبراهين تؤيد ذلك، سواء أكان حزبا حاكمًا أو معارضًا.
والحياة الحزبية في بيئة لا يسودها مناخ حرية وشفافية وانفتاح، وتختلط فيها قيم التحديث بموروثات المجتمعات المختلفة؛ كالطائفية والعشائرية والعائلية والولاءات الشخصية تؤدي إلى تفتيت الرأي العام وتحول الصراع الديموقراطي إلى نزاعات، تتحكم فيها الغرائز والمصالح الفئوية الضيقة التي قد تؤدي إلى حروب أهلية.
وتسعى الحكومات الديموقراطية إلى التأثير في الرأي العام؛ طمعا في الحصول على تأييد الغالبية الشعبية وتلجأ هذه الحكومات إلى عدة وسائل لتحقيق ذلك؛ مثل:
1- العمل على تنمية الوعي السياسي لدى الجماهير.
2- عرض الحقائق كاملة على الرأي العام حتى يستطيع أن يكوّن وجهات نظره الصائبة تجاه تلك الأحداث.
3- استخدام وسائل الإعلام في التأثير على الرأي العام وذلك في شرح السياسة الحكومية، ومحاولة صياغة الرأي العام، وتوجيهه الوجهة التي تتفق مع الصالح العام.
4- الاهتمام باستطلاع الرأي العام حيث تزداد معاهد ومراكز قياس الرأي العام في الدول الديموقراطية؛ وذلك يُمكّن الحكومات الديموقراطية من دراسة اتجاهات الرأي العام ورسم السياسات المناسبة لمواجهتها.
5- توفير الحرية للتنظيمات السياسية الشعبية للقيام بدورها في العمل السياسي، وخاصة مؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات الأهلية والنقابات المهنية.
2- النظم غير الديموقراطية:
ففي النظم غير الديموقراطية نجد أن النظم التسلطية التي تقوم فيها السلطة الحاكمة بالتسلط والسيطرة على أفراد الشعب، وتتحكم في آرائهم وتحد من حقوقهم وحرياتهم، وتحاول فرض نظام سياسي أو مذهبي معين على الشعب دون قبول معارضة من أحد، ومن أمثلتها نظم الحكم الشيوعية والنازية والفاشية وعدد من دول العالم الثالث المتخلفة التي تدعي تطبيق الحكم الديموقراطي.
وهذه النظم في الواقع بعيدة كل البعد عنه لأسباب عديدة منها: الضغط والتسلط والتحكم الذي تفرضه هذه النظم الديكتاتورية الحاكمة على جماهير الشعب من كبت للحريات وتقييد للرأي العام ومحاولة تكوينه بأسلوب يساير أهداف هذه النظم ومبادئها.
وتقوم الدولة الديكتاتورية بدعاية قوية لا تتورع فيها عن استخدام الأساليب المنافية للأخلاق؛ كالكذب والخداع والتضليل والتهويل من خلال سيطرتها على الإعلام، فضلا عن حجب الحقائق عن الشعب.
والنتيجة في هذه الحالة هي خلق رأي عام "مصنّع" أو مفتعل، يكون في العادة فجاً ومتسما بالسذاجة والغفلة، مثلما كان الرأي العام في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية إبان الحرب العالمية الثانية وقبل نشوبها بعدة سنوات.
وهذا يؤدي حتمًا إلى سلبية الرأي العام في الدولة؛ إذ يحل محله "الخوف العام، أو السخط العام"
5- الزعامة:
يلعب عنصر الزعامة دورًا كبيرًا في قيادة الجماهير والتأثير في معتقداتها واتجاهاتها وتشكيل آرائها بطريقة تحقق الأهداف المرجوة.
والزعيم الحقيقي هو الذي تتمثل وتتركز فيه آمال الشعب وأحلامه وتطلعاته، والذي يستمد قوته من إدراكه لرغبات شعبه ومطالبه واحتياجاته فهو التجسيد الحي لمشاعر
الجماهير.
لذلك فأهمية الأدوار التي يلعبها الزعماء في توجيه الرأي العام في مجتمعاتهم لا يمكن التشكيك فيها.
وهناك أنواع للزعامة، وهي "
1- القائد أو الزعيم الفكري:
وهو الذي يسيطر في عالم الأفكار، ويتمتع هذا الزعيم عادة برؤية واسعة، ويضع خطط المستقبل للجماعة، ومن أمثلتهم جاليليو، وداروين، وجوته.
2- القائد أو الزعيم الإداري:
وهو القائد الذي يقول ليفعل؛ مثل: رجال الأعمال والساسة وربما يبعد مثل هذا القائد عن رؤية وجهات النظر الأخرى.
3- الزعيم الرمزي:
وهو الذي يمثل رمزًا فقط؛ مثل: ملكة بريطانيا تملك ولا تحكم، أو رئيس جمهورية الهند، أو رئيس إسرائيل "شيمون بيريز".
4- زعيم الدعوة أو الإثارة:
ويتبنى هذا الزعيم عادة إحدى القضايا؛ حيث يقود حملات سياسية مكثفة للدفاع عنها، ويكون لهؤلاء الزعماء مقدرة فائقة على الاستمالة والإقناع كما أن دعايتهم تكون مؤثرة للغاية.
وهناك تصنيف آخر للزعامة وتنقسم إلى:
-1 الزعامة الدينية:
وهي زعامة روحية خالصة؛ حيث يعتبر الأنبياء والرسل أروع مثال لها؛ إذ تستوعب رسالتها مخاطبة العقول وتبليغ رسالة السماء التي تدعو إلى المحبة والإخاء والمساواة والسلام والعدل والرحمة والحرية.
ويمتاز الزعماء الدينيون بقوة المنطق والأخلاق الحميدة والبلاغة الشديدة والصفاء الذهني وسمو الروح والبعد عن المطامع الشخصية.
-2 الزعامة السياسية:
هناك زعامات سياسية كان لها تأثير على الرأي العام مثل "مهاتيم غاندي" محرر الهند وجمال عبد الناصر الزعيم العربي والرئيس المصري الراحل و"باتريس لوممبا" الزعيم الأفريقي الذي تحدى الاستعمار المهيمن على بلاده، ونلسون مانديلا" و"شارل ديغول" الزعيم الفرنسي الأسبق.
والقائد الطاغية - مثلا - يصل إلى الحكم عادة في أوقات الأزمات العنيفة، وبخاصة الأزمات الاقتصادية؛ حيث يشيع اليأس وتحين الفرصة لكي يتقدم هذا القائد الانتهازي إلى الأمة، ويستولي على قيادتها بالأماني والوعود المعسولة، وسرعان ما ينقلب ويفصح عن أمره ويحكم الأمة بالحديد والنار ويسوق الشعب سوق القطيع ليحقق رغباته الأنانية أو رغبة أسياده المختفين وراء الستار.
6- التجارب والأحداث المهمة:
فالتجارب التي تخوضها الشعوب - وبخاصة التجارب التي مازالت حية في أذهان الأجيال المعاصرة - لها تأثير كبير في توجيه الرأي العام للشعب كما تستفيد بعض الشعوب من تجارب البعض الآخر.
فتجربة الشعب المصري المريرة مع الغرب هي التي تجعله لا يثق فيه، مثل الترحيب بقرار تأميم قناة السويس عام 1956 وتجربة الشعب المصري مع العدوان الاسرائيلي هي التي تعيق تنفيذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وتقف حجر عثرة في طريق التطبيع.
لذلك فإن الرأي العام شديد الحساسية بالنسبة للتجارب والأحداث الكبرى، كما أن الأحداث الخطيرة، تحول الرأي العام من النقيض إلى النقيض في فترة قصيرة؛ فالأحداث أقدر من الخطب والكلمات المذاعة بالراديو والتليفزيون على تكوين الرأي.
مثل: كان إغراق السفينة الحربية (إيلات) على يد البحرية المصرية حدثا مهما ومقدمة للحدث الأكبر: الزلزال الذي حول الرأي العام من حالة الخوف والتمزق إلى حالة الثقة والكرامة ونصر أكتوبر 1973.
ومثل: إن انتصار اليابانيين على روسيا عام 1905 قد أيقظ أوروبا، وحطم أسطورة الرجل الأبيض.
ومثل: كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب حدثا مهما، أيقظ العالم كله، وبدأ الرأي العام العالمي يعرف أن من بين العرب نابغين؛ أمثال نجيب محفوظ وأحمد زويل وغيرهما.
ومثل انتحار الشاب الجامعي التونسي "بوعزيزي" بعد أن حرقت الشرطة سيارة الخضراوات التي استأجرها ليبيع عليها ويتكسب كانت السبب في قيام الثورة التونسية
والإطاحة بنظام حكم ابن علي.
7 - الثورات الكبرى:
تعتبر الثورات الكبرى من الأحداث التي تترك آثارا لا تمحى في حياة الأمم وتاريخها وذاكرتها.
ويؤدي نجاح ثورة من الثورات غالبا إلى امتداد المناخ الثوري إلى البلدان المجاورة. مثال: قيام الثورة التونسية، ثم بعدها قامت الثورة المصرية ثم قامت بعدها الثورة الليبية، وكلها ثورات ضد أنظمة الحكم الفاسدة.
مثال آخر: لقد واجهت الثورة الفرنسية مواقف عدائية من الأنظمة الملكية المجاورة. مثل آخر حوربت الثورة البلشفية غداة اندلاعها - ليس من أعدائها الداخليين الذين تلقوا مساعدات من الخارج بل من الأنظمة الرأسمالية القريبة منها والبعيدة عنها؛ لذلك فالثورات تحرك الرأي العام في البلد الثائر لتحقيق الأهداف التي طالما سعى إليها وآمن بها، وهي عادة أهداف ذات جذور اقتصادية واجتماعية وتاريخية عميقة.
8- المناخ الاقتصادي:
الأوضاع الاقتصادية لها تأثير كبير على نظام الأسرة وعلى الطبقات الاجتماعية وعلى نسق القيم في المجتمع وعلى تشكيل نظامه السياسي.
ويرى بعض الخبراء أن تأثير العامل الاقتصادي هو أقوى محددات الرأي العام على الإطلاق، وأن هناك عوامل أخرى مؤثرة قد يكون السبب في ضعف العامل الاقتصادي ووقوع الأفراد تحت الضغوط المتعارضة عند تكوين آرائهم؛ كأن تتطلب مصالح الفرد الاقتصادية تأييد رأي معين ضد قيم المجتمع أو معتقداته، وهناك علاقة بين الرأي العام والعامل الاقتصادي.
فكثير من الآراء المعلنة في الحياة الخاصة والعامة قد تكون مدفوعة الثمن، ويظهر ذلك واضحا في النفاق الاجتماعي الذي يقوم به المسؤولون للحكام في البلدان النامية، وفي الدعاية الانتخابية وفي بيع الأصوات في الانتخابات.
كما أن الأفراد يتأثرون في تكوين آرائهم بمصالحهم ومصالح الجماعة أو الجماعات التي ينتمون إليها؛ حيث تلون المصالح والحاجات للفرد والموضوعات بما يتماشى معها.
كما أن الأفراد - خاصة في الدول النامية - يكونون منشغلين طوال يومهم بالعمل من أجل البقاء أحياء، وليس لديهم الوقت أو الجهد اللازم لمناقشة المشاكل العامة، ويترتب على هذا نقص في الوعي وعدم مشاركة في الحياة العامة يجعلهم لا يمثلون عنصرا في تكوين الرأي العام في بلادهم.
يؤثر اختلال الأوضاع الاقتصادية داخل الدولة وتعرضها للأزمات الاقتصادية من بطالة ومجاعة وتضخم وانخفاض في القيم الشرائية وندرة في الإنتاج على اتجاهات الرأي العام.
فالجوع مرشد سيئ للشعوب، والشعب الجائع لا يمكن أبدا أن يستخدم العقل أو يقتنع بالمنطق، ويكون لقمة سائغة في أيدي محترفي السياسة.
كما أدرك الاستعماريون والاحتكاريون تمام الإدراك أثر الأزمات الاقتصادية الحادة في الانحراف بتفكير الرأي العام فكان استخدامهم لسلاح المقاطعة والحصار الاقتصادي ومنع المعونات في حربهم ضد الدول النامية التي تنتهج سياسة تحريرية لا يرضون عنها.
9- المناخ الثقافي والإعلامي والفني:
إن المناخ الثقافي والفني والإعلامي الذي يعايشه الإنسان طفلا وصبيا ويافعا ورجلا يؤثر تأثيرا بالغا على تشكيل عقله وتفكيره وما لم يكن هذا مناخا صحيحا سليما يغذي الناس بالمعلومات والأفكار والقيم والمشاعر السليمة، ويفتح آفاقها ويرى ذوقها ويشحذ إرادتها ويرتفع بدوافعها، فلم يمكن بأي حال أن يسود المجتمع رأي عام سليم وصحيح يقاوم الانحراف وينبذ الأنانية والتعصب ويدفع عجلة التقدم والبناء.
ولذلك ينبغي على الدارس في ميدان الرأي العام أن يحدد نوع الجماهير التي يدرسها ونوع الزاد الثقافي والفني والإعلامي الذي تتزود به؛ لكي يستطيع أن يتبين: هل هي جماهير مراهقة مضللة وسريعة الانقياد تحكمها الغرائز والعواطف؟ أم هي جماهير صلبة اعتادت على النقاش والجدل وتقليب أوجه الأمور؟ قبل تكوين آرائها والانحياز إلى جانب من الجوانب.
- مكونات الرأي العام:
ويشترك في تكوين الرأي العام أيضا مختلف الهيئات والتنظيمات الشعبية والنقابية والحزبية عن طريق طرح أفكارها واتجاهاتها والدعوة إليها بمختلف الوسائل التي تؤدي الصحافة والوسائل السمعية والبصرية دورًا في نشرها وتعبئة الرأي العام وتوجيهه من خلالها
- مؤسسات المجتمع المدني:
المفهوم المستقر للمجتمع المدني يقوم على أساس أنه مجموعة المؤسسات والفعاليات والأنشطة التي تحتل مركزا وسطيًّا بين العائلة باعتبارها الوحدة الأساسية التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي والنظام القيمي في المجتمع من ناحية والدولة ومؤسساتها وأجهزتها ذات الصبغة الرسمية من جهة أخرى.
وبهذا المعنى فإن منظمات المجتمع المدني تساهم بدور مهم في ضمان احترام الدستور وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم وتمثل الأسلوب الأمثل في إحداث التغيير السلمي والتفاهم الوطني مع السلطة في سبيل تعزيز الديموقراطية وتنشئة الأفراد على أصولها وآلياتها.
فهي الكفيلة بالارتقاء بالفرد وبث الوعي فيه وتعبئة الجهود الفردية والجماعية للتأثير في السياسات العامة وتعميق مفهوم احترام الدستور وسيادة القانون.
- وسائل الإعلام:
تلعب وسائل الإعلام دورًا سياسيا مهما يساهم في تعبئة الرأي العام الشعبي من خلال كتابات وأقوال المفكرين والصحف والفضائيات المرئية والمسموعة والاجتماعات والندوات التي تساهم في اطلاع الجماهير على المشاكل الأكثر إلحاحًا، والتي يتعرض لها المجتمع وتكون مراقبا جماعيا لصالح الشعب من خلال انتقاد سياسات الحكام وكشف فضائحهم وفسادهم وانتهاكهم السيادة القانون.
فالإعلام يشكل السلطة الرابعة وله دور في مراقبة مجريات تنفيذ الخطط والمشاريع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكشف الأخطاء والانحرافات المرافقة لعمليات الإعداد والتخطيط وتنفي الأداء الحكومي والمباشرة بما توجهه من نقد بناء يعتمد مصالح الوطن والمواطن بالدرجة الأولى.