عملية تكوين الرأي العام:
أ- مرحلة الإحساس والإدراك:
يتعرض الإنسان لمجموعة من المنبهات والمثيرات التي يتلقاها عن طريق حواسه، تلك الحواس التي تعد مفاتيح المعرفة واتصاله بالعالم الخارجي والبيئة الخارجية، ويبدأ الإنسان في إدراك هذه المؤثرات إدراكاً حسياً، إلا أنها لا تقف عند مجرد إدراكها عن طريق الحواس، بل يحاول الإنسان أن يدرك هذه المؤثرات كرموز، ثم يعطي لهذه الرموز معنى أو معاني معينة، ومن هذا يتضح أن عملية الإدراك ليست عملية سلبية تتلخص في مجرد استقبال انطباعات حسية، بل يقوم العقل بالإضافة أو الحذف أو التحريف وتأويل ما يتأثر بـه مـن انطباعات حسية.
والمعاني التي يخلعها الإنسان على ما يدركه من أشياء أو مؤثرات تتحدد وفقا لخبراته الماضية وطريقة فهمه للحياة ودوافعه وحوافزه، وهذا يعني أن الإدراك عملية معقدة وهي محصلة مجموعة كبيرة من العوامل الموضوعية التي تتمثل في الأشكال الخارجية، ومجموعة أخرى من العوامل الذاتية التي تنبع من خبراته السابقة وفي حدود إطاره الدلالي ومجموعة القيم والاتجاهات والمعايير المختلفة التي اكتسبها من البيئة الثقافية والاجتماعية، ومن ذلك يتضح أن عملية الإدراك لا تتوقف فقط على طبيعة المعارف والمعلومات التي يتلقاها سواء عن طريق حاسة البصر أو حاسة السمع، ولكنها تتوقف على طبيعة اتجاهات الفرد وقيمه وثقافته.
ب مرحة الرأي الفردي:
وفي هذه المرحلة يقوم الفرد بالتعبير اللفظي بالإشارة عن ميوله واتجاهاته النفسية حول الموضوع أو المؤثرات المختلفة، وتنطوي هذه المرحلة على عنصر الاختيار، فطالما أن الموضوع المثار هو موضوع جدلي تختلف حوله الآراء بيـن مؤيد ومعارض؛ فإن الفرد يحدد لنفسه موقفاً معين لهذا الموضوع مؤيداً أو معارضاً له وموقف الفرد حول موضوع جدلي واحد يختلف عن الموقف الذي يمكن أن يتخذه الأفراد الآخرون.
وهذا يؤكد ما انتهى إليه W.Lippman من أن تصرفات الناس واستجاباتهم لا تكون نتيجة لملاحظات موضوعية عن العالم الخارجي، بل في حقيقة الأمر مبنية على التصرفات الذاتية أو الصور الذهنية الكافية في نفوس الناس، فالمؤثرات التي تحيط بالإنسان لا تكون السبب المباشر في الاستجابة للبيئة ولكن معنى هذه المؤثرات أو صورتها في ذهن الإنسان هي التي تحدث استجابة، ويتفق ذلك مع وجهة وراجح حول علاقة السلوك بالإدراك، حيث أوضح أن الفرد يستجيب للبيئة، لا كما عليه هي في الواقع؛ بل كما يدركها كما تبدو له وحسبما يفرض عليها من معنى وأهمية.
ج- مرحلة صراع الفرد مع آراء الجماعة:
في هذه المرحلة تدور المناقشة والحوار والجدل الذي يصل إلى حد الصراع بين رأي الفرد وآراء الأفراد الآخرين في نطاق جماعة معينة، أو جمهور معين ممن لديهم اهتمام بالموضوع وكل منهن يحاول الدفاع عن رأيه مستخدما في ذلك كل ما يتوفر لديه من معلومات وتلعب وسائل الاتصال دوراً حيوياً في ذلك عن طريق عرضها للآراء المختلفة.
د- مرحلة تحول آراء الأفراد إلى آراء الجماعة: (الرأي العام):
من خلال الحوار والمناقشة التي تدور بين أعضاء جمهور معين حول موضوع أو مسالة تشغل اهتمامهم ويتم التقريب بين وجهات النظر المختلفة والمتباينة وتأخذ المناقشة في الاتجاه نحو التركيز حول رأي معين يميل إليـه اغلـب أعضـاء الجماعة أو الجمهور النوعي الذي تقبله ويصبح هذا الرأي رأياً عاماً بغض النظر عن وجود بعض الآراء الأخرى التي قد يتبناها أقلية في الجماعة أو الجمهور النوعي، وهذه العملية تنطوي على تضحية الفرد برأيه الشخصي أحيانا لكي يتوافق مع رأي الجماعة وتتدخل في هذه العملية مجموعة من العوامل بعضها يتصل برغبة الفرد في التوافق مع الجماعة أو لتحقيق صفة الانتماء إلى هذه الجماعة أو للتعاطف مع الجماعة.