مفهوم السياسة المالية وأهدافها
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 42-48
2026-08-23
64
تتضمن دراسة مفهوم السياسة المالية التطرق الى تعريف السياسة المالية، والأهداف التي يراد تحقيقها من وراء وضعها، وهذا ما سوف نتناوله في هذا الموضوع ، ووفقا لما يأتي:
أولا: تعريف السياسة المالية:
اختلفت تعريفات السياسة المالية باختلاف المراحل الزمنية والظروف الاقتصادية والفكرية والاجتماعية التي مرت بها، إذ ذهب بعضهم الى تعريفها بأنها استخدام الموازنة من خلال الضرائب والقروض والنفقات العامة من اجل تحقيق الأهداف والبرامج الاقتصادية (1) ، وبشكل رئيسي تحقيق التوازن والاستقرار في الاقتصاد القومي، كما عُرفت السياسة المالية بأنها عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تعبئة الموارد المالية وتوزيعها واستخدامها لتنفيذ وظائف الدولة وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (2).
لذا يمكن تعريف السياسة المالية بأنها مجموعة من الخطط والبرامج التي تعدها السلطة التنفيذية فيما يتصل بإيراداتها ونفقاتها العامة من اجل تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تؤدي إلى النهوض بالاقتصاد القومي.
وقد اهتمت الدول بتنظيم السياسة المالية فيها، سواء في النص عليها في الدستور أو في التشريعات ذات العلاقة بالجانب المالي للدولة. إذ نظم الدستور الفرنسي لسنة 1958 موضوع السياسة العامة للدولة، بوصفها السياسة التي تستهدف العديد من الجوانب التي تمس بصورة كبيرة حياة المواطنين، فمنها ما يُعنى بحفظ النظام العام والسكينة العامة والصحة العامة، ومنها ما يستهدف إصلاح وتطوير النظام الاقتصادي من خلال السياسات المالية التي تتبنها في مواجهة الأزمات المالية التي قد تنشأ نتيجة الظروف المحيطة (3) ، لذا أوضحت المادة (20) من الدستور ذاته، بان الحكومة الفرنسية هي التي تختص برسم وتنفيذ السياسة العامة للدولة، فإن صاحب الاختصاص الأصلي في مجال وضع السياسة العامة والإشراف عليها وتنفيذها هو مجلس الوزراء، كون رئيس الجمهورية ليس له الحق دستورياً في اقتراح القوانين أو المشاركة في صنع السياسات العامة، إلا انه يستطيع أن يؤثر في مضمون الاقتراح عن طريق حقه في التوقيع على المراسيم والأوامر التي تتم المداولة بشأنها في مجلس الوزراء (4)، وبالتالي له حق الاعتراض على تلك المراسيم والأوامر دون ان يكون له حق الاقتراح الدستوري، كما ان للبرلمان الفرنسي سلطة إقرار هذه السياسة او تعديلها أو إلغائها من خلال إقرار القوانين بالإضافة الى دوره الرقابي على تنفيذ تلك السياسة(5).
وفي مصر، فإن رئيس الجمهورية يتولى وبالاشتراك مع مجلس الوزراء وضع السياسة العامة للدولة وضمنها السياسة المالية وذلك بموجب المادة (150) من الدستور المصري لسنة 2014، التي ورد فيها بأن ( يضع رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء، السياسة العامة للدولة، ويشرفان على تنفيذها، على النحو المبين في الدستور،...)، وتأكيداً على ذلك تضمنت المادة (167) الاختصاصات الحصرية التي تمارسها الحكومة، إذ نصت على ان (تمارس الحكومة، بوجه خاص، الاختصاصات الاتية : 1. الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة، والاشراف على تنفيذها) (6).
أما في العراق، فإن الدستور العراقي لسنة 2005 قد أشار إلى إن احدى الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية هي رسم السياسة المالية (7) ، كذلك أشار إلى إن مجلس الوزراء يتولى مهمة تخطيط السياسة العامة للدولة وتنفيذها بموجب المادة (80) التي نصت على أن ( يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الاتية : أولا : . تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة، والخطط العامة والإشراف على عمل الوزارات، والجهات غير المرتبطة بوزارة)، ويلاحظ من هذا النص أن مجلس الوزراء هو الجهة المختصة التي تضطلع بصورة مباشرة برسم السياسة العامة للدولة وتنظيمها، ومن ضمنها السياسة المالية التي تعد جزءاً من السياسة العامة للدولة.
كما أن المادة (76 / رابعاً) من الدستور نفسه نصت على أن ( يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف أسماء أعضاء وزاراته والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها، عند الموافقة على الوزراء منفردين، والمنهاج الوزاري، بالأغلبية المطلقة )، ويعبر المنهاج الوزاري (8)، عن السياسة العامة للدولة ومنها السياسة المالية، وعليه يتولى رئيس مجلس الوزراء من خلال منهاجه الوزاري الذي يعرضه على مجلس النواب ويصادق عليه الأخير تنظيم ورسم السياسة المالية وحسب التفصيل الوارد في الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب العراقي رقم (1) لسنة 2022 المعدل (9)، وتأكيداً على الدور الأساس لرئيس مجلس الوزراء في تنظيم ورسم السياسة العامة للدولة ومن ضمنها السياسة المالية، نص الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (78) على أن (رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، ...).
يتضح مما تقدم بأن النصوص الدستورية المتعلقة بتنظيم ووضع السياسة العامة للدولة ومنها تنظيم السياسة المالية، قد أعطت لرئيس مجلس الوزراء اختصاص وضع المنهاج الوزاري، الذي ينال بموجبه الثقة من قبل مجلس النواب، الذي يتضمن الإطار العام للسياسة العامة للدولة، وأن الحكومة مسؤولة عن تنفيذه أمام البرلمان (10) ، في حين منحت تلك النصوص الدستورية مجلس الوزراء صلاحية تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والخطط العامة (11) .
ثانياً: اهداف السياسة المالية
تسعى السياسة المالية شأنها في ذلك شأن السياسات الأخرى في الدولة إلى تحقيق اهداف عدة، ومن أهم الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها فيما يلي:
1. تحقيق الاستقرار الاقتصادي: يعبر عن الاستقرار الاقتصادي بانه تحقيق العمالة الكاملة من دون تضخم، أي الوصول الى أكبر قدر ممكن من الإنتاج المادي، وبمعنى أخر يعني تفادي الآثار السيئة لكل من حالات الكساد وحالات التضخم (12).
2. تحقيق العمالة الكاملة : يقصد به التوظيف الكامل للطاقات الإنتاجية المتاحة، عبر معالجة مشكلة البطالة من خلال التوجه نحو زيادة الانفاق الحكومي أو تخفيض الضرائب أو كليهما معاً، من أجل رفع الطلب الكلي والذي بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب على العمالة ويرتفع بذلك مستوى الدخل القومي الحقيقي (13).
3-إعادة توزيع الدخل القومي : للسياسة المالية دوراً جوهرياً وفعالاً في تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق التوزيع العادل للدخول بين افراد المجتمع، إذ ان الدولة من خلال نفقاتها يمكن أن تحدد الدخول التي يتم توزيعها للعاملين لديها بصورة مباشرة كذلك يمكن أن تؤثر على دخول الآخرين من خلال نفقاتها ايضاً، كما أن الدولة يمكن أن تؤثر في الدخول من خلال الضرائب عن طريق تقليلها أو زيادتها، وكذلك من خلال الانفاق بحيث يتجه الانفاق نحو المجالات التي ترتبط بتقديم خدمات لصالح فئات معينة كمحدودي الدخل مثلاً بشكل أساسي (14).
4. تحقيق التنمية الاقتصادية : عرفت التنمية الاقتصادية بأنها العملية التي تهدف إلى أحداث تغيرات مهمة وواسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وايضاً في التشريعات والأنظمة التي تحكم هذه المجالات(15).
ومن كل ما سبق نجد أن الدولة ينبغي ان تتجه من خلال سياستها المالية إلى تدبير الموارد الاقتصادية بأقصى قدر ممكن من الكفاءة وأن تحسن استخدام هذه الموارد وانفاقها في المجالات التي تحقق التنمية والاستقرار الاقتصادي، وهذا ما ينعكس بطبيعة الحال على دعم وتعزيز ثقة الأفراد والمؤسسات المالية المختلفة في المالية العامة للدولة.
__________
1- ينظر : د. حيدر يونس كاظم، الفكر الحديث في السياسات الاقتصادية، ط 1 ، مركز كربلاء للدراسات والبحوث كربلاء، 2016، ص18.
2- ينظر : حافظ شعيلي عمرو اقتصاديات المالية العامة والسياسة المالية، جامعة الفاتح، طرابلس، 2007، ص 368.
3- ينظر : د. كريم سيد محمد السيد أبو العزم، التنظيم الدستوري لصنع السياسات العامة (دراسة مقارنه: مصر وفرنسا وامريكا)، المجلة القانونية، جامعة القاهرة كلية الحقوق فرع الخرطوم، مجلد ،8 ، العدد 65 ، 2020، ص 2015.
4- ينظر : المادة (13) من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل.
5- ينظر : المادة (49) من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل.
6- إذ ان النظام السياسي في مصر هو نظام جمهوري شبه رئاسي، فالرئيس المصري هو رئيس الدولة فعلياً، يتعاون مع الحكومة في وضع وتنفيذ السياسة العامة للدولة.
7- ينظر : المادة (110/ ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
8- يعرف المنهاج الوزاري بأنه الوثيقة المكتوبة التي تبين الإطار الشكلي الذي تفرغ فيه الحكومة سياستها العامة، لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع ينظر : فقير محمد، علاقة رئيس الجمهورية بالوزير الأول في النظامين الجزائري والمصري (دراسة مقارنة ) رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية الحقوق جامعة محمد أبو قرة (الجزائر)، 2011، ص 72.
9- ينظر : نص المادة (49) من النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 ، المنشور في جريدة الوقائع العراقية، العدد (4694) السنة الرابعة والستون، بتاريخ 21 ربيع الأول 1444هـ الموافق تشرين الأول 2022م.
10- ينظر : نص المادة (76 / رابعاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
11- ينظر : نص المادة (80/ اولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
12- ينظر : د. نجم الدين حسن صوفي، إثر المالية العامة في التنمية المستدامة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي ط 1 المركز العربي، القاهرة، 2021، ص79.
13- ينظر : د. حيدر يونس كاظم، الفكر الحديث في السياسات الاقتصادية، ط 1 ، مركز كربلاء للدراسات والبحوث كربلاء، 2016، ص 20 وما بعدها.
14- ينظر : د. فليح حسن خلف التنمية والتخطيط الاقتصادي، ط 1، عالم الكتاب الحديث، بلا مكان الطبع، 2006، ص 261.
15- في تفصيل ذلك ينظر : د. فليح حسن خلف المرجع ذاته، ص 177 وما بعدها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة