تعريف الثقة المالية للدولة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 9-13
2026-08-22
83
لتسليط الضوء على الثقة المالية للدولة، والاحاطة بمحتواها وإعطاء صورة واضحة عنها، لابد من بيان معناها اللغوي والاصطلاحي، وسيكون ذلك في فقرتين، نتناول في الأولى منهما المعنى اللغوي للثقة المالية للدولة، في حين سنخصص الثانية للمعنى الاصطلاحي للثقة المالية للدولة، وعلى النحو الآتي:
أولاً: المعنى اللغوي للثقة المالية للدولة:
إن لفظ الثقة المالية للدولة مصطلح مركب من ثلاث كلمات وهي الثقة والمالية والدولة، لذا سنبين كل منها على حدة. وقد اشارت معاجم اللغة العربية إلى لفظ الثقة وهي مصدر، وقد يوصف به، يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع بنوعيهما ، فيقال : هو وهي وهما وهم وهن ثقة، وقد يجمع في الذكور والإناث على ثقات (1) ، وأيضا ( كقولك وَثِقَ به يثق بكسر الثاء فيهما ثِقَةٌ إِذا أَنتَمنَه) (2).
أما المالية: ( فإن أصلها مول و "المال" معروف ويذكر ويؤنث وهو المال وهي المال ويقال مال الرجُلُ يَمال مالاً إِذا كَثُر ماله، فهو مَالٌ وامرأة ماله وتموّل أتخذ مالا ومؤله غيره، والمال عند أهل البادية النعم)(3)، وهي ايضاً ( اسم مؤنث منسوب الى مال، ومصدر صناعي من مال، فهي دراسة تدبير الموارد المالية والأوراق المالية الورق النقدي ووزارة المالية وزارة تتصرف في أموال الدولة وتشرف على ميزانيتها ووارداتها ونفقاتها) (4).
الدولة: أصلها "دول" و"الدولة" في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى ويقال كانت لَنَا عليهم الدولة، والجمع "الدول" بكسر الدال والدولة بالضم في المال يقال صار الفيء دولة بينهما يتداولونه ويكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع "دولاتٌ" و "دول"، و "الدولة" بالضم اسم الشيء الذي يتداول به بعينة و"الدولة بالفتح الفعل (5).
ثانياً: المعنى الاصطلاحي للثقة المالية للدولة :
قد تكون دراسة موضوع الثقة المالية للدولة أقرب إلى الدراسات الاجتماعية والنفسية أو حتى السياسية منها الى الدراسات القانونية التي كانت حتى وقت قريب لا تهتم بالبواعث والدوافع مالم تتخذ صورة أفعال وممارسات معينة بقدر ما كانت تهتم بالجوانب المادية البحتة التي تخاطب الفعل البشري وتفترض فيه العقلانية الكاملة (6). وبالرجوع إلى التشريعات التي اطلعنا عليها، نجد أن المشرع لم يضع تعريفاً للثقة المالية للدولة، اذ غالباً ما يتجنب وضع تعريفات للمفاهيم القانونية ويركز فقط على التنظيم القانوني للموضوع المراد تشريعه وهذا الاتجاه محمود كون وضع التعريفات ليس من واجبات المشرع، كما قد يخلق صعوبات في حالة حدوث تغيرات بمرور الزمن وتطور الحياة.
ففي التشريع الفرنسي، لم نجد نصوصاً تشير صراحة إلى الثقة المالية للدولة سواء في التشريعات المالية او في التشريع الجنائي، أما في التشريع المصري والتشريع العراقي فلم يرد مصطلح الثقة المالية للدولة في أي تشريع من التشريعات التي تنظم النشاط المالي والاقتصادي في الدولة. غير أنه ورد مصطلح الثقة المالية للدولة في قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة (1937) المعدل (7). إذ جاء "الكتاب الثاني" من "الباب الأول" تحت عنوان الجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج، إذ إشارة المشرع الجنائي إلى العقوبات على الأفعال التي تمثل اعتداء على تلك الثقة على ان يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه او بإحدى هاتين العقوبتين كل مصري اذاع عمداً في الخارج اخباراً او بيانات او اشاعات كاذبة او مغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك اضعاف الثقة المالية بالدولة او هيبتها واعتبارها او باشر بأية طريقة كانت نشاطاً . من شأنه الاضرار بالمصالح القومية للبلاد. وتكون العقوبة السجن إذا وقعت الجريمة في زمن حرب) (8). وكذلك ورد مصطلح الثقة المالية للدولة في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969) المعدل (9)، إذ ورد ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي (10) ، وكذلك ضمن الفصل الخامس من الباب الخامس من القانون ذاته، تحت عنوان (الجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني والثقة المالية للدولة) الذي تضمن عدد من العقوبات المقررة لأفعال التي تمثل اعتداء على تلك الثقة والاقتصاد الوطني(11).
أما على مستوى القضاء ، فغالباً ما يكون القاضي بعيداً عن وضع التعاريف في حيثيات احكامه، مهما كان نوع القضية التي ينظر فيها، لأن ذلك ليس من واجبات القاضي، لذا لم نجد تعريفاً للثقة المالية للدولة سواء في نطاق القضاء الجنائي عند النظر في الجرائم الاعتداء على الثقة المالية للدولة أم في نطاق القضاء الإداري سواء في فرنسا او مصر أو العراق.
كما أن مصطلح الثقة المالية للدولة لم يحظى باهتمام فقهي كبير. ويرجع ذلك الى قلة الكتابات التي تناولت الموضوع، إذ إنه لم يتم توضيحه بالمستوى الذي يتناسب مع أهميته على المستوى القانوني. يضاف الى ذلك بأن اغلب تعريفات المصطلح قد تناولت الجانب المالي من الناحية الاقتصادية له أكثر من الناحية القانونية المتمثلة بعلاقة الثقة بين الدولة والأفراد، وعلى ذلك فقد عرف بعض الباحثين الثقة المالية للدولة بأنها (تلك الثقة التي يضعها المجتمع في مختلف المظاهر الضرورية لاستقرار العلاقات والروابط في المجال المالي، أي ما يتصل بنفقات الدولة وايراداتها، من أجل اشباع الحاجات العامة وتوفير الخدمات في المجتمع) (12).
كما عرفت الثقة في المؤسسات المالية (13) : بأنها ثقة الأفراد في نزاهة المؤسسة المالية ومصداقيتها، واعتقادهم بأن ممارسات المؤسسة المالية ستكون في صالحهم (14).
أما تعريف الثقة المالية في نظام الأسواق المالية فهي ثقة المستثمرين في كفاءة وميل الجهات المنظمة للأسواق المالية في الحفاظ على تلك الأسواق من الممارسات الاحتيالية(15).
ويتضح لنا مما تقدم أن التعاريف الفقهية للثقة المالية تجمع على شيء واحد، وهو مدى الثقة التي يضعها هؤلاء بالنشاط المالي في الدولة أو المؤسسة المالية أو نظام الأسواق المالية، وكذلك مدى قدرة الدولة أو المؤسسة المالية أو نظام الأسواق المالية على تحقيق البرامج والأهداف التي تتبنها وتؤدي إلى حماية مصالحهم.
لذا يمكن تعريف الثقة المالية للدولة بأنها القدرة التي تتمتع بها الدولة في إدارة شؤونها المالية وتحقيق الاستقرار المالي، ولاسيما فيما يتعلق في طرق تحصيل الإيرادات العامة وكفاءة الدولة وقابليتها على إدارة تلك الإيرادات وحسن انفاقها وفق الاوجه المخصصة لها في الموازنة العامة إلى جانب قدرتها على مواجهة الأزمات المالية المفاجئة.
___________
1- ينظر : إبراهيم مصطفى واخرون، المعجم الوسيط، ط 4 ، مكتبة الشروق ، بلا مكان طبع، 2004، ص 1012.
2- محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، دار الرسالة الكويت، 1983، ص 708 .
3- احمد بن محمد بن علي الفيومي المقرئ ، المصباح المنير، ط 2 ، بلا ، ناشر، بدون مكان طبع، ص 58
4- احمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، ط 1، عالم الكتب، القاهر، 2008، ص 2140.
5- ينظر : محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، المرجع السابق، ص 215.
6- ينظر : د. احمد خلف حسين الدخيل الشرعية في انفاذ القوانين المالية، ط 1 ، دار المسلة، بغداد، 2022، ص 84.
7- ينظر : قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدل المنشور في الجريدة الرسمية في 31 يولية سنة 1937م.
8- ينظر : نص المادة (80/د) من قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدل.
9- ينظر : قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1999 المعدل المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد رقم (1778)، في تاريخ 1969/12/15.
10- ينظر : نص المادة (180) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
11- ينظر: نص المادة (304) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
12- د. فليح حسن خلف التنمية والتخطيط الاقتصادي، ط 1، عالم الكتاب الحديث، بلا مكان الطبع، 2006، ص 260.
13- يقصد بمفهوم المؤسسات المالية هي المؤسسات التي تقوم بالوساطة بين من تزيد دخولهم على انفاقهم وبين من يرغب ان ينفق أكثر من دخله من خلال النقود التي تقوم بتحويلها من شخص الى اخر، ومن امثلة تلك المؤسسات المصارف التجارية وشركات التمويل ينظر : د. بشرى علوان حمد دور المؤسسات المالية في تحفيز النشاط الاقتصادي في ظل أزمات الاقتصاد المعولم، بحث منشور في مجلة دراسات محاسبية ومالية، جامعة بغداد المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية مجلد 7، العدد 19 الفصل الثاني، 2012، ص188.
14- ينظر : د. صالح محمد شحاتة، توسيط الثقة المالية والاتجاه نحو المخاطر المالية والعائد المدرك في العلاقة بين المعرفة المالية ونية الاستثمار في سوق الأوراق المالية السعودي، بحث منشور في مجلة جامعة الإسكندرية للعلوم الإدارية، جامعة الإسكندرية كلية التجارة، مجلد 60 ، العدد 4 ، 2023، ص 233.
15- ينظر : المرجع السابق ذاته، ص233.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة