(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
خلاصة التفسير: إن من أكثر أساليب التأثير والنفوذ في الانسان المفكر هو التأثير على فكره ومجاري ادراكه ولما كان الشيطان منذ اليوم الاول لخلق الانسان قد آلى على نفسه أن يكمن له ساعيا الى إبعاده عن الله وجعله تابعا له تحايل عليه بأنواع الوسائل والحيل كي يتسلل الى فكره وبصيرته لتكبيلهما وإغفاله عن حياته الابدية الاخروية مزينا له حياته الدنيا وما يرتبط بها من الامور الاعتبارية وهذا التزيين الاغوائي والاضلالي لا التكويني منشؤه المباشر هو ابليس ولكن لما كان باذن الله سبحانه أمكن نسبته الى الله أيضا من زاوية التوحيد الافعالي.
ولما كان الشيطان نافذا في مجاري ادراك الكفار توهموا جمال الدنيا وحسنها متغافلين عن دنائتها في عقائدهم وسلوكهم كما أنهم بسبب نظرتهم الى أصل الدين واعتقادهم أنه سخف وضلال اعتادوا التمسخر بالمؤمنين الذين غالبا ما يكونون محرومين ممن العناوين الاعتبارية الدنيوية أو لا يسعون اليها أصلا. ولما كانت قيمة الانسان وتكامله إنما يقاسان بإيمانه وعمله الصالح وتحرره من قيود الدنيا واغلالها فإن الدرجة الحقيقية والسمو الواقعي في المكانة والمنزلة هما للمؤمنين المتقين وهذا ما سيتضح للجميع في يوم القيامة الذي هو ظرف ظهور وتجلي جميع الحقائق.
والله المنان الذي تطابق مواهبه فضله وكرمه اللامتناهي يرزق من يشاء ما يشاء بحكمته بل ربما كان بعض نعمه وأرزاقه غير ملتفت اليها بسبب أبديتها ولا تناهيها والرزق الخاص الذي يعطيه الله الى أحد ما لن يحاسبه عليه في المعاد كما أن الله أيضا في صفته الممتازة الرازقية لا يمكن أن يعترض عليه الاخرون أو يحاسبوه لان جميع عطاياه معطاه بحساب خاص.
تفسير المفردات: زين: (الزين) بمعنى الجمال والحسن سواء كان في الامور المادية نظير: (زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ[1])، أم المعنوية مثل: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ[2])، أم في الامور الوهمية والخيالية مثل: (زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ[3])[4].
الحيوة: (الحياة) تقابل الممات ومن آثارها الحركة والاحساس وايجاد الانسجام بينها وقد جاءت هذه المفردة في القرآن في قبال الموت والهلاك: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ[5])، (نُحْيِي وَنُمِيتُ[6]).
وللحياة معنى عام - إضافة على حياة الله سبحانه[7] التي هي حياة محضة يشمل حياة النباتات: (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[8])، وحياة الحيوانات: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ[9])، وحياة الناس: (وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ[10])، والحياة المعنوية: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[11])، والحياة الأخروية: (إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ[12]).
والمقصود من الحياة في الآية التي هي مورد البحث بقرينة اتصالها هو الحياة الدنيوية وعناوينها الاعتبارية التي يزيّنها الشيطان لخداع الناس.
تناسب الآيات: بعد أن دعا الله سبحانه في الآيات السابقة المؤمنين إلى السلم والانقياد إلى الله والوحدة الشاملة، وهددهم تهديداً ضمنياً عندما حذرهم من احتمال ارتكابهم الذنوب نتيجة اتباعهم لخطوات الشيطان، الذي يؤول بهم إلى العزف على أوتار بثّ الفرقة والخلاف فيشملهم العذاب الإلهي الشديد؛ جاء الدور الآن إلى بيان أن سر ومنشأ جميع هذه الابتلاءات هو التعلق بالدنيا واتباع خطوات الشيطان، فقال: إنّ الكافرين اعتبروا الحياة الدنيا زينة لهم وأدى ذلك بهم إلى التكبر واحتقار أهل الإيمان والاستهزاء بهم بسبب فقرهم وصبرهم على المصاعب... .
وعلى هذا تكون الآية التي هي مورد البحث في الحقيقة بمنزلة التعليل للمطالب السابقة، حيث تشير إلى كيفية إغواء الشيطان للإنسان عن طريق تزيين الحياة الدنيا من خلال التأثير في تفكيره وتصوير القبح حسناً والباطل حقاً في عينيه.
[4] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج4ص375، ز ي ن
[5] سورة الأنفال، الآية 42.
[6] سورة الحجر، الآية 23 .
[7] (هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ) سورة البقرة، الآية 255.
[8] سورة الروم، الآية 19.
[9] سورة البقرة، الآية 260 .
[10] سورة الحج، الآية 66 .
[11] سورة النحل، الآية 97 .
[12] سورة العنكبوت، الآية 64. التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 2، ص 369، ح ي ي.