1. کفران النعمة ومراحله: عبر القرآن الكريم عن تبديل النعمة بكفرانها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [1]).
وكما بينا سابقاً فإنّ الكفر لا يحصل إلا في نظام التشريع، ولا محلّ له في نظام التكوين، إذ جميع ما في نظام التكوين خاضع للحق تعالى ولا وجود للكافر فيه أصلاً: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[2]).
ولا يمكن العثور على موجود في عالم التكوين غير خاضع الله تعالى، بل كلّ ما في نظام الكون مسلم ومنقاد له ومتجه نحوه طوعاً ورغبة: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ[3])، لا بل جميع موجودات عالم التكوين تسبح للحق[4] وتسجد له سجوداً تكوينياً[5]. إذن، فما يرتكبه البعض ممن يعرفون نعمة الله لكنهم ينكرونها بدلاً من شكرها والذين أكثرهم كافرون إنما يفعلون ذلك في حدود التشريع فقط: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ[6]). وما تفيده مثل هذه الآيات هو أن المقصود من كفران النعمة هو تبديلها وتغييرها.
ولا بد من الالتفات إلى أنه كما أنّ الشكر ذو مراحل ثلاث اعتقادية ولسانية وعمليّة، فكذلك كفران النعمة له مثل هذه المراحل:
أ. الكفران الاعتقادي: ومثاله أمثال قارون الذي لم يكن يؤمن بأن جميع النعم مصدرها الله، بل يظنّ أنّ كلّ ما في يده إنّما هو حصاد جهده وتدبيره ولا دور الله في ذلك: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي[7])، فمثل هذا هو المبتلى بـ(الكفران الاعتقادي) حتى وإن لم يكن ملتفتاً إلى ذلك.
ب. الكفران اللساني: ومثاله ذلك الشخص الذي عندما تصله النعم الإلهية لا يقابلها بقول: «الحمد الله»، بل يكتفي في كلامه بما كان يقوله قارون، فذلك هو المبتلى بـ(الكفر اللساني).
ج. الكفران العملي: ومثاله الإنسان الذي لا يستعمل النعمة الإلهية في مكانها الصحيح وينكرها إنكاراً عملياً، فهو يعرف النعمة الإلهية بصورة واضحة، لكنه مبتلى بكفرانها العملي: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ).
ومثل هذا الاعتقاد والكلام والتصرف ليس مقتصرا على قارون فقط بل هو من طبيعة كل انسان غير مهذب وليس فطرته حيث يدعو الله عندما تنزل به النوازل سائلا إياه تخليصه منها لكنه عندما يخوله الله ويتكرم عليه بإحدى النعم لا يرى إلا نفسه وينسى ولي نعمته ويبدأ بالتفكير والكلام والعمل القاروني قائلا إني قد درست وعملت بما يقتضيه علمي فوصلت الى ما وصلت اليه من الثروة أو يقول اني قد توصلت بجهودي النظرية الفلانية والاكتشاف العلمي هذا في حين أن الحقيقة هي:
أولا: أن كل ذلك هو احسان من الله.
ثانيا: أن مافي هذه الدنيا ليس أكثر من صبغة الفتنة والامتحان.
وثالثا: أن الفرق بين ثمرتي الشكر والكفر لا تظهر إلا في المعاد فهناك يعلم مدى طيب طعم الاولى ومرارة الثانية لكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ[8]).
وقد أشار الله سبحانه في آية اخرى الى مرارة جزاء كفران النعمة من خلال حديثه عن مدينة كانت آمنة تأتيها الخيرات من كل جانب فجابهت ذلك بالكفران: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[9]).
وهذه الاية في الحقيقة تبين وقوع بعض من مصاديق التهديد الوارد في جملة: (فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ) وتصرح بالعاقبة المرة للكفران وتبديل النعمة. وهكذا تكون الاية التي هي مورد البحث بيانا لـ(مرحلة الكفر العملي) كأصل جامع.
إن من يرتكب كفران النعمة في كل مراحلها الثلاث (الاعتقاد، اللسان والعمل) فعقابه يكون أشد العقوبات، أما إذا اقتصر كفرانه على مرحلتين فعذابه يكون شديداً ومتوسطاً، وإذا كان في واحدة من مراحل تبديل النعمة فسيعاقب بما يناسب هذه المرحلة؛ لأنّ العقاب يتناسب مع الذنب: (جَزَاءً وِفَاقًا[10]). ولا شك في أن المراحل الثلاث ليست متكافئة؛ لأن المتيقن أن عقاب الكفر الاعتقادي أشدّ من عقاب الكفر اللساني أو العملي.
2. مراحل شكر النعمة وكيفيتها: دعا الله الناس إلى شكر النعم، وقد ذكر بعض أعاظم علم الأخلاق ثلاث مراحل للشكر[11]: أ. الشكر القلبي والاعتقادي: وهو الرضا بالنعمة والاعتقاد بأنها من جهة الله، مثلما قال سليمان عند جلب عرش بلقيس حيث اعتبر ذلك من فضل الله، وقال بما يتناسب مع عقيدته الخاصة: (هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[12]). وثمرة الشكر إنما هي من نصيب الشاكرين، لا الله؛ إذ هو كريم وغنيّ.
ب. الشكر العملي: وهو إنفاق النِعم في محلّها المناسب، وتسخير الأعضاء والجوارح مع النعمة الإلهية، وهو الشيء الذي أمر الله سبحانه به آل داود. وهذا العمل يمثل حقيقة الشكر والمرحلة الصعبة منه حتى صار الشاكرون الواقعيون قليلين: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[13])، فلو كان المراد هو مجرد الشكر القلبي أو اللساني لما صعب حتى قل العاملون به.
ج. الشكر اللساني: وهو الثناء على المنعم وقول (الحمد الله) وما شابه ذلك، وقد دلّت على هذه المرحلة من الشكر آيات كثيرة[14].
وقال الله سبحانه عن كيفية شكر بعض النعم: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ[15])، لقد وفقناكم لصناعة السفن والطائرات والمركبات تمخرون بها عباب البحار وآفاق الفضاء والفيافي وتسافرون بها إلى ما شئتم من المناطق البعيدة، فالواجب عليكم أن تعلموا أن كل ذلك من فضل الله فعليكم أن تذكروه عند ركوبها والاستفادة منها.
ومعنى ذلك أن عليكم أمرين أولهما أن تعترفوا بأن هذه النعمة من الله. وثانيهما أن تشكروه قولاً وعملاً، وكيفية الشكر هي أن تقولوا: سبحان الله الذي سخّر لنا هذا المركب، وإلا فنحن عاجزون عن تسخيره.
ولا بد من الالتفات إلى أن المقصود في هذه الآية ليس اختصاصها بوسائل النقل البرية أو البحريّة أو غيرهما، بل المقصود أصل النعمة، فتشمل النعم الطبيعية والصناعية؛ لأنّ كُل المراكب الصناعية والطبيعية من مخلوقات الله ونعمه، إلا أن إحداها بالواسطة والأخرى بدونها.
وعلى هذا، فشكر النعمة يجب ألا يقتصر على النطق بمضمون الجملة السابقة باللسان فقط، بل يجب أن يكون منطق الشاكر وعقيدته أن مصدر هذه النعمة هو الله، وأن يكون سلوكه وعمله بما يليق بتلك النعمة.
3. دور العبر التاريخية في تربية الانسان ان دراسة أحوال الماضين والبحث في تاريخهم والاعتبار بما جرى عليهم تلعب دورا مهما وأساسيا في تهذيب نفس الانسان واصلاحه وقد اهتم القرآن الكريم بهذا الامر وبين ما جرى على الأمم الماضية وما آلت اليه عواقب أعمالهم.
وهذا الامر يشتمل على فوائد جمة وهو من الامور الفطرية الى حد ما حتى ان عبارة (ان التاريخ يعيد نفسه) تكاد تكون هي العاملة المشتركة في وعي جميع الناس.
وهذا هو السر في أن الله ربما دعا الناس حينا الى السياحة والسفر في البلدان ومشاهدة الاثار التاريخية وما آل اليه مصير الظالمين والمكذبين: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[16]).
وربما بين لهم حينا آخر أصل المسألة أو النقاط الخلقية والتربوية المهمة فيها مع مقارنة أعمال المسلمين بها كما في نقل قصة النبي آدم عليه السلام وتمرد الشيطان وعصيانه أو أخبار الانبياء الماضين ومحاربة الامم الطاغية وتمردها عليهم.
وقد يحذر الظالمين حينا بالعذاب الالهي مبينا العاقبة المريرة لبعض الماضين باعتبارها (وثيقة تاريخية) أو (دليلا على المدعى) كالآية التي هي مورد البحث التي جاءت بسبب ما كان بين المسلمين وبني اسرائيل في المدينة المنورة من الروابط الوثيقة ومجاورتهم لهم فيها وبينت لهم ما جرى على بني اسرائيل باعتباره دليلا تاريخيا يدفع الامة الاسلامية الى أخذ العبرة من تلك الحوادث التاريخية والكف عن معاصيهم[17].
[1] سورة إبراهيم، الآية 28 .
[2] سورة آل عمران الآية 83 .
[4] سورة الجمعة، الآية 1؛ سورة الإسراء، الآية 44 .
[5] سورة الرعد، الآية 15 .
[6] سورة النحل، الآية 83 .
[10] سورة النبأ، الآية 26 .
[11] معراج السعادة، ص 790
[12] سورة النمل، الآية 40.
[13] سورة سبأ، الآية 13 .
[14] سورة الأعراف الآية 43 ؛ سورة إبراهيم، الآية 39؛ سورة النمل، الآية 15.
[15] سورة الزخرف، الآيات 12 - 14 .
[16] سورة الانعام الاية 11
[17] مواهب الرحمن ج3 ص323 مع بعض التصرف.