قامت دولة وي بالتنسيق مع تشين لمهاجمة دولة هان. فذهب أوجى [لقب آخر للمدعو «شين لينجون»] إلى ملك وي، وقال له: ليس ثَمَّ فرق كبير بين طبيعة دولة تشين والقبائل الهمجية [حرفيًّا: قبائل «رونغ»، و«طاي»] فكلاهما ينزع منزع السباع والوحوش، لا تُحركه إلا دوافع الافتراس والنهب لا خلاق له؛ (فمثل هذا الصنف من الوحوش) لن يتورع أن يفتك بأقرب أقربائه، إذا ما بَدَا له في ذلك مغنمٌ ما؛ (وهذا أمر ذائع ومعلوم للكافة) ذلك أن دولة تشين ليست بالبلد الذي يمد يد العطف والبر للآخرين، ولا الدولة التي تشيع في سياستها معاني الفضائل والأخلاق الكريمة.
فمن ذلك ما هو ذائع ومعروف من أن الملكة الأم نفسها، وهي والدة الملك شاو، وبكل ما لها من المكانة والنفوذ لم تسلم من الوحشية التي طبعت خصال تشين؛ فاغتمَّت وماتت كمدًا، بل إن رانخو، وهو خال الملك، وصاحب الأفضال والمآثر الجليلة عليه، كان مصيره النفي من البلاد، وعلى الرغم من أن شقيقَي الملك الصغيرَين: «قاولينجون» و«جين لينجون» لم يقترفا ذنبًا ولا جناية، فإن إقطاعاتهما سُلبت منهما مرَّتَين (ظلمًا وعدوانًا)، فلئن كان ذلك مسلك جلالته مع أقاربه وأفراد عائلته، فما بالك بدولة مُعادية! وبما أن جلالتك قد تحالفت مع تشين لمهاجمة هان، فستُضطر إلى الاقتراب كثيرًا من أسلوب ونهج تشين في التعامل مع الدنيا بأسرها وهو ما لا أفهمه. (وأظن) أنه غاب عن جلالتك ذلك النمط الذي يدمغ تشين بطابعه، فهذا إهدار للحكمة والصواب.
إن الوزراء ورجال الدولة، جميعًا يدركون الأمر على وجهه الصحيح. أما تقاعسهم عن النصح لك، فيطعن في صدقهم وإخلاصهم من الأساس.»
«إن دفة الأمور في هان بيد امرأة تقف بجانب الملك الطفل [(الصغير) … حيث صارت الملكة الأم تتولى الوصاية على ابنها الملك «هوان هوي»]، فلا غرو أن الفوضى ضربت بأطنابها في أرجاء البلاد، ولا أدري كيف يمكن لبلدٍ في مثل هذه الحال أن يقاوم جيوش دولتَين قويتَين هما تشين ووي.
فهل بعد هذا كله ما زلت تظن أن دولة هان تستعصي على الغزو؟ إنه إذا قُدِّر لدولة هان أن تهلك وتزول من صفحة الوجود، فسوف تقوم تشين ببسط سيطرتها على كل الأراضي التي كانت تخص دولة «جنغ» وبهذا تصبح في جوار منطقة «طاليان»، فهل يمكن لجلالتك (إذا ما تحقق مثل هذا الوضع …) أن تشعر بالأمان؟ وماذا إذا بَدَا لجلالتك أن تستعيد أرضك المفقودة، ثم تعرضت بسبب ذلك إلى ما لا تُحمد عقباه من دولة تشين، أتظن أن مثل هذا الحال لو نزل بك يمكن أن يكون مفيدًا على أي نحو؟
من المعهود في شأن دولة تشين أنها تبغض الدول المثيرة للقلاقل والاضطرابات، وهكذا، فلا بد أنها بعد القضاء على دولة هان ستعمل على افتعال ما من شأنه أن يُهيئ لها الأجواء لتسعى إلى بسط نفوذها فوق أرض أخرى تجني من ورائها المزيد من المكاسب، (وهي في كل ذلك، وبالتأكيد …) فلن تقدِّم علة مهاجمة دولة تشو أو دولة جاو؛ وذلك لأن عبورها الجبال العالية ومجاري الأنهار المُمتدة، واختراق منطقة «شاندانغ» — مرورًا بقلب دولة هان — بهدف مهاجمة القوية الجبارة جاو، سيكون بمثابة تكرار لفصول الهزيمة التي عانت ويلاتها قديمًا في موقعة يوي [ … وكانت تشين قد أرسلت في 270 ق.م. قوات لمهاجمة جاو في منطقة يوي، فلقيت على يدي قائد قوات جاو هزيمة نكراء] وهو ما لن تقدم عليه تشين، بأي حال؛ فإذا اتخذت طريقًا عبر «هونيه»، وخلَّفت وراءها قرية «هيا»، ومنطقة «تشاوكي» ثم عبرت نهر «جانغ» وبحر «فو»، والتقت بقوات جاو عند أطراف العاصمة هاندان، مُحتكمة إلى السلاح ليحسم الصراع بينهما، فلسوف تلقى نفس الكارثة التي وقع في أحابيلها، من قبل، جيبو، [حيث كان جيبو على رأس قوات دولتي وي، وهان في حصار ملك جاو، عام 455ق.م. واضطر بعد ثلاث سنوات إلى فك الحصار لفشله في مهاجمة منطقة «جين يانغ» مما أحنق عليه الدول الثلاث هان ووي وجاو، فاتفقت ثلاثتها على التخلُّص منه، فقتل صبرًا] وبالتالي، فإن تشين لن تفكر، على الإطلاق، في أن تُكرر مأساة سابقة.
فإذا أرادت أن تهاجم دولة تشو، وتجشمت — في سبيل ذلك — كل الصعاب، وقطعت الأميال الطوال لضرب مضيق «مياناي»، فستكون عليها أن تطوي المسافات البعيدة، وأن تُعد نفسها لأهداف تكاد تكون مُستحيلة التحقيق، ومن ثم، فلن تطرق هذا السبيل أبدًا. كما أنها لن تفكر — ولو مرة واحدة — في أن تسلك عبر «هواي» مُتجهة نحو طاليان، بحذاء منطقتي شان تصاي، وجاولين، لتشتبك مع قوات تشو عند أطراف منطقة تشندي.
وهكذا، فلا يمكن أن تقوم تشين بمهاجمة تشو وجاو أو حتى مجرد التفكير في الإغارة على يان وتشي؛ ولذلك فما إن تفرغ من أمر دولة هان، حتى تتَّجه بقواتها صوب دولة وي؛ إذ ليس لها وجهة أخرى إلا هذه.
ومن المعلوم أن تشين لها السيادة، أساسًا على مناطق هواي، وماو، وشين تشيو، وعلى الرغم من ذلك، فها هي توالي إنشاء المحلات والمدن وتقوم بتعمير منطقة «قويجين»؛ وذلك في محاولة للاقتراب من منطقتي «قون»، و«تشي» الكائنتَين بإقليم «هوني»، «وهواي» (وهو اقتراب محفوف بالمخاطر).
وليكن معلومًا أنها إذا استولت على أرض جنغ، وبسطت سيطرتها على منطقة «يوانيون»، وأزالت جسور بحيرة «إينغ» فسوف تغرق «طاليان» تحت طوفان المياه الجارية، فلا تقوم لها بعد ذلك قائمة أبدًا.
قد أخطأ سفراؤك لدى تشين خطأً شنيعًا إذ قدحوا في إمارة «آيلنينغ» [إحدى الإمارت التابعة لدولة وي] وتكلموا عنها بسوء، في الوقت الذي كانت تشين تتطلع فيه إلى احتلال أرض «شيودي»، فإذا أضفنا إلى ذلك أن بعض أقاليم تشين (مثل: «إيانغ» و«كونيان») تكاد تتجاور مع محلات تابعة لدولة وي (مثل: «أويانغ» و«قاولين») فسنفهم السبب في محاولة تشين الإسراع في القضاء على منطقة «أنلينغ» المشار إليها، لا سيما وقد بلغها (على لسان سفرائك ومبعوثيك لديها) من الطعن والذم لهذه المنطقة ما شجَّعها على المضي في عدوانها. وهكذا، فإذا قامت قوات تشين بتطويق الجهة الشمالية لمنطقة «أويانغ» في اتجاهها نحو شيودي في الشرق، فسوف تتعرض الحدود الجنوبية لدولة وي إلى خطرٍ داهم وحتى لو تصورنا أن حجم الخطر الذي يمكن أن يهدد جنوب البلاد (ليس بالدرجة التي يؤبَه لها) فهل يمكن لدولة وي — بعد ذلك — أن تستشعر الأمان حقًّا؟
وفي كل الأحوال، فمن الممكن القول إن حق دولة وي أن تبغض دولة هان، وأن تشعر بالجفاء نحو إمارة «آنلينغ»، لكن ليس من حقها أبدًا (ولا هو من الصواب، قطعًا …) ألا تنظر بعين الارتياب والقلق نحو ما قد تقوم به تشين من استيلاء على أراضيها الجنوبية.»
كانت تشين فيما مضى، وقبل أن تتسع حدودها إلى ما بعد غرب النهر [حرفيًّا: منطقة «هويشي»] فقد حاولت — منذ موقعة «لين شيان» وحتى الآن — مهاجمة دولة وي عشر مرات، هذا على الرغم مما كان يفصل بين مدينتي «آني»، وجيانغ [عاصمة دولة جين القديمة] وعلى الرغم أيضًا مما بين البلدين من (الفواصل الطبيعية …) الجبال والأنهار وفواصل التقسيم الإداري والسياسي … مثل وجود دولتي جو، وجونشان في منتصف المسافة بينهما، وقد استطاعت تشين، في خمس محاولات منها، أن تقتحم البلاد وتدخلها عنوة، وأن تعيث فسادًا في المدن والقرى الواقعة بالمنطقة الحدودية؛ حتى تهدمت مدينة «أونطاي» واحترقت «تشويدو»، وتقطعت أشجار الغاب، فقُضِي على الأيائل والغزلان البرية، ووقعت العاصمة تحت الحصار. ثم تقدمت قوات تشين في طريقها نحو شمال البلاد فدارت دورة كاملة حتى بلغت مشارف مدينتي وي، وطاو في الشرق وكانت قد استولت، في الشمال، على مناطق: «خوكان»، وجنوبي وشمالي جبل «تشوتياو»، بما في ذلك جنوبِي النهر الأصفر وشمالِيه حتى كان مجموع ما احتلته من مراكز المدن يزيد عن المائة، بينما بلغت حصيلة ما استولت عليه من المدن الكبرى ما يفوق العشرات.
فإذا كانت دولة تشين قد استطاعت أن تسلط سيف العدوان على هذه المناطق برغم طول المسافة بين طاليان وبين «جيانغ» عاصمة جين والمناطق الواقعة غربي النهر، فما بالك بما يمكن أن يقع، هذه المرة، لدولة وي لا سيما أن المسافة بين قوات تشين ومنطقة طاليان، سوف تقل كثيرًا، بحيث لا تكاد تبلغ المائة لي؟!» بينما تكون ميزة ما تمثله دولة هان من حاجز وقائي بين تشين ووي قد فُقدت تمامًا مثلما تسقط مزايا الفواصل الطبيعية من الجبال والأنهار البينية. ولا يعود وجود دولتي جو وهان مانعًا دون تقدم تشين فلا بد من أن خطر تشين، حينئذ، سيكون أعظم، وما يلحق بنا على أيديها من كوارث سيكون أفدح.
فإذا كنت تنتظر يومًا يُمكنك فيه الانضمام إلى التحالف الرأسي، فلا أظنك بالغًا هدفك بنجاح؛ إذ سيقع الشك في أفئدة دولتي وي وتشو؛ أما دولة هان فلن تستطيع الحضور إليك لتوقيع معاهدة سلام وصداقة معك. ثم إنه قد مرَّ عليها الآن ثلاث سنوات منذ أن مُنيت بأهوال القتال الذي لا تُريد له دولة تشين أن يهدأ إلا بإخضاعها تحت نفوذها، وإجبارها على المصالحة معها بأي وسيلة، بينما ما زالت هان تثابر على المقاومة والعناد، مهما كلَّفها ذلك من جهد، بل قد أرسلت إلى دولة جاو رهينة لضمان السلام معها، وتطلب الانضمام إلى الدويلات لتندمج وسطها كما يأتلف الطير مع سربه، ويطير معه حيثما يطير، ماضيةً في قتالها حتى النهاية [حرفيًّا حتى تنثلم نصال رماحها].
ويبدو لي أن دولتي تشو وجاو ستتحالفان بكل تأكيد، مع دولة هان في الهجوم على تشين؛ والسبب في ذلك يتمثل في وقوفها على مطامع، تشين، وجشعها الذي لا ينتهي عند حد معلوم، حتى لو تبدَّدت أمامها الجيوش وخضعت لها رقاب الناس بالطاعة والإذعان. فمن ثم أردتُ أن أؤيدك وأعينك عارفًا بحقك عليَّ معترفًا بالطاعة لك، وناصحًا لك للانضمام إلى التحالف الرأسي، وسرعة قبول عقد معاهدة مع كل من تشو وجاو. بالإضافة إلى تشديد قبضتك على رهائن دولة هان لديك، جاعلًا من الحفاظ عليهم أمرًا ذا أهمية قصوى، وانطلاقًا من هذه النقطة، تستطيع أن تُطالب هان بأن ترد إليك أراضيك (التي سبق أن سلبتْها منك) وستجدها طوع بنانك.
وهكذا تعيد إلى جيشك وشعبك أرضه المسلوبة دون أدنى جهد، وهو إنجاز يفوق كثيرًا (ما كنتَ تنويه من …) التحالف مع تشين في مهاجمة هان، هذا طبعًا، بالإضافة إلى ما تُجنب به نفسك وبلادك من ويلات التماس الحدودي مع دولة تشين.»
وفوق ذلك كله، فإن العمل على استتباب أحوال وي، والدفاع عن مصالح الدويلات وما يعود عليها بالنفع، يعد فرصة هائلة لدعم طموحاتك الجبارة.
إن مد خطوط المواصلات بين «شانتانغ» (في دولة هان) وكل من منطقتي «قونغ»، «نينغ» بما يساعد على رواج الاتصال بينهما، وما يستتبع ذلك من إقامة نقاط للتفتيش بحيث يتم تحصيل رسوم المرور من العابرين في الاتجاهَين، يُعد من قبيل التصرف السديد يزيد في قيمة «شانتانغ» بوصفها منطقة يمكن أن تخضع للمساومات المستقبلية. وباقتسام حصيلة الرسوم بين بلادكم ودولة هان، فسيكون هناك ما يكفي من الدخل الذي يُعزز الازدهار المادي في وي، ويجعل دولة هان في غاية الامتنان لكم؛ وإذ تلقون من دولة هان التأييد والودَّ والاحترام المقترن بالإكبار والتهيُّب، فستجدونها سائرة في فلككم لا تُخالف لكم أمرًا، بل تُصبح في الواقع، كإحدى الولايات التابعة لبلادك، وهو ما سيضمن السلام والاستقرار في ربوع «ويدي»، و«طاليان»، و«خواي» … أما إذا لم تعملوا على الحفاظ على هان، فسوف يحل القلق والتوتر في أنحاء دولتي جو الشرقية والغربية بل تتعرَّض منطقة «آنلينغ» لغارات قوات تشين، وإذا ما حاقت الهزيمة مرة ثانية بكل من تشو وجاو على يد جيش تشين، فسوف ينزل الرعب بساحة دولتي يان وتشي. وهو ما سينجم عنه هرولة الدويلات كافة باتجاه دولة تشين، وتقترب ساعة الاعتراف لها بالطاعة والإذعان والتسليم.»