أثر العجز عن المعاشرة الزوجية في تحريم المصاهرة فقهاً
المؤلف:
احتفال ثامر احمد العنزي
المصدر:
اثر العجز عن المعاشرة الزوجية في مسائل الأحوال الشخصية
الجزء والصفحة:
ص 95-99
2026-07-09
56
اختلف الفقهاء في مسألة ثبوت حرمة المصاهرة إلى ثلاث أقوال:
- القول الأول : قال إن مقدمات الجماع تثبت بها حرمة المصاهرة، فإذا باشر الزوج بمقدمات الجماع مع زوجته فتحرم عليه الربيبة بنت الزوجة وهو ما ذهب إليه الحنفية (1)، والمالكية (2) وأحد قولي الشافعية (3)، وإحدى الروايتين عند الحنابلة (4)، وبعض الجعفرية(5).
ومقدمات النكاح هي النظر واللمس (النقاء البشرتين) والتقبيل بشهوة، فأما النظر واللمس فإنه يشمل كافة أعضاء الجسد، قال الحنفية تثبت حرمة المصاهرة باللمس والتقبيل عن شهوة وبالنظر إلى الفرج خاصة (6) ، وقال الحنابلة في رواية أن اللمس والنظر إلى الفرج بشهوة هي من مقدمات الجماع وبمنزلة الوطء وتثبت به حرمة المصاهرة (7) ، وتحصل عند المالكية بالتقبيل والتلذذ (8)، بناء على ما تقدم فإن العاجز عن المعاشرة تحصل منه مقدمات الجماع فتحرم عليه بنت الزوجة تحريماً مؤبد من باب الاحتياط بشرط أن تكون بشهوة أو تلذذ، ومعيار الشهوة عند السليم هي انتشار آلته أما بالنسبة للعاجز عن المعاشرة الزوجية كالشيخ والعنين والمجبوب فمحلها القلب وهو ما صرح به الحنفية، إذ جاء في تبيين الحقائق : "وحد الشهوة أن تنتشر آلته أو تزداد انتشاراً إن كانت منتشرة ... وفي الشيخ الكبير والمجبوب والعنين يعتبر تحرك القلب (9)، وبالنسبة للصبي فإن المالكية قالوا إذا كان الصبي مراهقاً ويتلذذ فإنه ينشر الحرمة(10).
- القول الثاني: قال بأن حرمة المصاهرة بالنسبة لبنت الزوجة لا تكون إلا بوطء الأم ولا عبرة بمقدماته وهو الظاهر عند الشافعية (11)، والرواية الأولى عند الحنابلة (12) وقول بعض الجعفرية (13)، وبالنسبة للصبي إذا جامع المرأة فتثبت حرمة المصاهرة (14) ، واشترط الشافعية (15)، والحنابلة (16)، أن يكون الصبي مراهقاً وبناء عليه فإن العاجز عن المعاشرة الزوجية إذا لم يكن قادر على الوطء لا تحرم عليه بنت زوجته تحريماً مؤبداً، ويستشكل الأمر في استدخال الماء هل يحرم باعتباره وطناً أم لا؟
لقد صرح الشافعية والحنابلة والجعفرية في حكم هذه المسألة فقال الشافعية إذا استدخلت الزوجة مني زوجها ثبتت حرمة المصاهرة، إذ جاء في روضة الطالبين: "إذا استدخلت ماء زوجها أو أجنبي بشبهة ثبتت المصاهرة والنسب والعدة (17)، والحنابلة على قولين في ثبوت حرمة المصاهرة باستدخال الماء، الأول - إن بنت المرأة تحرم على الرجل إذا استدخلت الأم ماءه الرجل بعقد عليها أو دون عقد ومنهم من قال لا تحرم إلا أن كان قد تم الاستدخال بعد العقد، إذ جاء في كشاف القناع: لم تحرم بنتها عليه؛ لأنه لم يدخل بأمها أو استدخلت المرأة ماءه أي منيه بقطنة أو نحوها فلا تحرم بنتها عليه لعدم الدخول بالأم وكذا لا تحرم هي على أبيه ولا على ابنه إن لم يكن عقد عليها ؛ لأنه لا عقد ولا وطء نقله في الأنصاف عن التعليق واقتصر عليه وهو مقتضى كلام التنقيح والمنتهى هنا، وقال في الرعاية ولو استدخلت مني زوج أو أجنبي بشهوة ثبت النسب والعدة والمصاهرة (18).
أما الجعفرية فقالوا بعدم حرمة الربيبة باستدخال حتى وإن حملت به(19)، أما الأحناف .... قالوا إذا حملت ثبت تحليل المطلقة ثلاثاً، وتثبت حرمة المصاهرة باللمس والتقبيل فثبوتها باستدخال الماء يكون من باب أولى.
- القول الثالث: ذهب داود وابن حزم إلى أن البنت لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في حجره، أما إذا لم تكن في حجره فلا تحرم، سواء دخل بأمها أم لا، وهو قول عمر وعلي - رضي الله عنهما (20) مستندين إلى قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}(21)، فقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ صريح باشتراط أن تكون الربيبة في حجره لثبوت الحرمة، فضلاً عن الدخول، ووفقاً لهذا القول فلا تثبت حرمة المصاهرة عند العاجز عن المعاشرة الزوجية أيضاً لعدم قدرته على الوطء، ولاحتمال عدم وجود الربيبة في حجره ثانياً.
وإذا كانت المرأة فيها عيب يمنع الجماع كالرتق والقرن ونحوه فإن الخلوة بها تكون خلوة فاسدة (22) والخلوة الفاسدة في تحريم البنات مختلف فيه عند الأحناف كما ذكر ابن عابدين: إذ جاء في الدر المختار: قوله - وحرمة البنات - أي لم يقيموا الخلوة مقام الوطء في ذلك فلو خلا بزوجته بدون وطء ولا مس بشهوة لم تحرم عليه بناتها بخلاف الوطء والكلام في الخلوة الصحيحة كما صرح به في التبيين والفتح وغيرهما فما حرره في عقد الفرائد مما حاصله أن حرمة البنات بالخلوة الصحيحة لا خلاف فيها بين الصاحبين والخلاف في الفاسدة، قال الثاني: تحرم وقال محمد: لا تحرم فهو ضعيف وما ادعاه من عدم الخلاف ممنوع كما بسطه في النهر (23).
والذي يظهر لنا من مفهوم المخالفة لقول ابن عابدين: فلو خلا بزوجته بدون وطء ولا مس بشهوة لم تحرم عليه "بناتها ثبوت الحرمة إذا مس الرتقاء وغيرها بشهوة خاصة وأن مدار الشهوة عند الرجل وليس المرأة، أضف إلى ذلك أن الصغيرة عندهم إذا كانت مشتهاة تثبت حرمة المصاهرة حتى وإن لم تكن مطيقه للوطء (24).
كانت هذه آراء الفقهاء في وجوب حرمة المصاهرة، إذ لا يوجد خلاف بثبوتها بالدخول، وفي هذا نص قرآني واضح وصريح، ورأينا التفصيل الذي تحدث به الفقهاء في الأمور الأخرى التي هي دون الوطء، لعدم ورود نص فيها، فالمتحقق عند الزوج العاجز، قدرته على مقدمات النكاح من اللمس والتقبيل والمساحقة، دون الوطء، والتي لا تخلو من وجود الشهوة هنا، والنية في الوطء متوفرة لكن مع عدم الإمكانية كما نعلم، ومن ثم فإن حرمة المصاهرة تتحقق بالنسبة لابنة الزوجة (الربيبة) بمقدمات النكاح من باب الاستحسان ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع، إذ تعيش ابنة الزوجة في بيت زوج أمها وفي حجره ، وهذا فيه محاذير كثيرة إن لم نضع نصب الأعين باب الحرمة والمفسدة التي قد تتحقق إن لم يوجد حرمة بذلك فنقطع دابر الشيطان ونسد باب الفتنة فهو سد للذرائع، وإذا اجتمع الحلال والحرام قدم الحرام، وهذا ما نؤيده.
_______
1- جاء في شرح الوقاية كما تثبت حرمة المصاهرة بالوطيء، تثبت بالمس والتقبيل عن شهوة عندنا، (و) فرغ (منظور إلى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ)، عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي شرح الوقاية، ج5، ط1، دار الوراق عمان الأردن، 2006م، ص 99.
2- جاء في عيون المسائل: إذا تزوج امرأة أو ملك أمة فقبل أو تلذذ ، وجبت بذلك الحرمة كالوطء ، فتحرم عليه بنتها"، أبو محمد عبد الوهاب المالكي، عيون المسائل ،ط1 دار ابن حزم بيروت لبنان، 1430هـ / 2009م، ص 311؛ وتحريم لا يقع بمجرد العقد دون مضامة الوطء أو ما يقوم مقامه من التقبيل واللمس واللذة وهو تحريم الربائب"، القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي، الإشراف على نكت مسائل الخلاف، ج 2، ط1، دار ابن حزم، بدون بلد نشر 1420هـ / 1999م ، ص 814.
3- وَقَالَ الشَّافِعِيُّة: إِنَّ الدُّخُول الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ الرَّبِيبَةُ يَكُونُ بِالْمُبَاشِرَةِ وَلَهُ فِيهِ قولان: أحدهما: أن الوطء في الفرج، والثاني: أنها الْقُبْلَةُ وَالْمُلَامَسَةُ بِشَهْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَطَأ، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، الحاوي الكبير، ج 9، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1419هـ / 1999م، ، ص208.
4- قال الحنابلة: "في القبلة والملامسة فيما دون الفرج هل ينعقد بها تحريم المصاهرة؟ فنقل إسماعيل بن سعيد وأبن منصور والمروذي لا ينشر الحرمة إلا الوطء . ونقل الحسن بن ثواب وعبد الله والمروذي: أنها تنشر الحرمة"، القاضي أبو يعلى المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين، ج 2، ط1، مكتبة المعارف، الرياض - السعودية، 1405هـ / 1985م، ص 100.
5- قال الجعفرية: "اللمس بشهوة مثل القبلة واللمس إذا كان مباحاً أو بشبهة ينشر التحريم وتحرم الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المبسوط في فقه الأمامية، ج 6 ، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، دون تاريخ ومكان الطبع، ، ص292.
6- محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، المبسوط، ج4، بدون طبعة، مطبعة السعادة، مصر، بدون سنة نشر ص 207.
7- قال الحنابلة: "أما مقدمات الجماع كاللمس الشهوة، والنظر إلى الفرج، أو إلى جسدها وهي عريانة فمن الأصحاب من ألحقه بالوطء وهو المذهب ومنهم من خرجه على وجهين، أو روايتين، من الخلاف في تحريم المصاهرة به"، المرداوي، أحمد المرداوي، الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ج 21، ط 1 ، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، 1415هـ / 1995م ، ص232.
8- جاء في النوادر: "وأما الربائب فإنما يحرمن بالبناء بالأم أو بالتلذذ بها بلباس أو تجريد، أو مغازلة أو مداعبة، أو نظر شهوة إلى وجه أو ساق أو شعر ، العدوي والحاصل أنه لا بد من قصد التلذذ مع وجود التلذذ أو أحدهما في جميع المقدمات من قبلة ومباشرة، أحمد بن غانم بن سالم النفراوي، الفواكه الدواني على رسالة بن أبي زيد القيرواني، ج4، بدون طبعة دار الفكر ، دمشق - سوريا، 1415هـ / 1995م ص 505.
9- عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، ج2، ط1، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق - القاهرة، 1314هـ ، ص 107.
10- قال الخرشي : أن الخلاف في وطه أو تلذذ الصغير سواء اعتبرنا فيه كونه يقوى على الجماع أو كونه مراهقاً هل ينشر الحرمة أم لا إنما هو فيما يتوقف فيه التحريم على التلذذ أبو عبد الله محمد الخرشي ، شرح الخرشي على مختصر خليل، ج3، ط2، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، 1317هـ، ص208.
11- قال العمراني: "وإن باشر امرأة فيما دون الفرج بشهوة في ملك أو شبهة، بأن قبلها أو لمس شيئا من بدنها... فهل يتعلق بذلك تحريم المصاهرة، وتحرم به الربيبة على التابيد ؟ فيه قولان: أحدهما: يتعلق به التحريم والثاني: لا يتعلق به تحريم المصاهرة ولا الربيبة"، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي، البيان، ج 9، ط 1 ، دار المنهاج، جدة، 1421هـ / 2000م ، ص 251.
12- القاضي أبو يعلى المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين، ج 2، ط1، مكتبة المعارف، الرياض - السعودية، 1405هـ / 1985م ص 100.
13- الروضة البهية: "إن تحريم البنت مشروط بالدخول بالأم فلا تحرم البنت بمجرد النظر واللمس"، الشهيد السعيد محمد بن جمال الدين مكي العاملي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج6، دار العالم الإسلامي، بيروت، ، ص 115.
14- المحيط البرهاني: وسئل ابن سلمة عن امرأة أدخلت ذكر صبي في فرجها، والصبي ليس من أهل الجماع قال تثبت به حرمة المصاهرة"، ابن مازة ، ج 3، ص 64.
15- أو مكنت البالغة العاقلة مجنوناً أو مراهقاً ،عالمة فوجهان أصحهما الاعتبار بالرجل، فتثبت المصاهرة إذا اشتبه عليه ، النووي، مصدر سابق، ج 7، ص112.
16- ذهب ابن عثيمين في شرح زاد المستقنع إلى أن المقصود بالمراهق هو الذي قارب البلوع فإن وطه في الفرج مع الانتشار ثبتت كافة أحكام الجماع ... والمصاهرة تثبت بالجماع، محمد بن صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستنقع، ج 13، ط 1 ، دار بن الجوزي بدون مكان نشر، (1422-1428هـ)، ص 206.
17- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج 9، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق - عمان، 1991م ، ص119.
18- منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، كشاف القناع عن الإقناع، ج5 ، ط1، وزارة العدل في المملكة العربية السعودية، 1421 - 1429هـ ، ص73.
19- قال السيستاني في الدخول بالأم الموجب لحرمة الربيبة: لا فرق في الدخول بين القبل والدبر، ولا يكفي ا؛ الأنزال على فرجها من غير دخول وإن حبلت به ، وكذا لا فرق في الدخول بين أن يكون في حال اليقظة أو النوم اختياراً أو جبراً منه أو منها"، السيستاني، منهاج الصاحين، مصدر سابق، مسألة 160، ص 59.
20- ينظر: أبن المنذر ، الإشراف، ج1، ص178؛ أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بأبن قدامة المقدسي المغني، ج 9 ، مكتبة القاهرة، بدون طبعة، 1388هـ/ 1968م ، ص 516؛ أبن حزم الظاهري المحلى ج 9، ص 140 ، ود. أسامة بن سعيد القحطاني وآخرون، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، ج3، ط1، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1433هـ / 2012م ، ص201.
21- سورة النساء : الآية (23).
22- والخلوة الصحيحة أن تسلم نفسها وليس هناك مانع لا من جهة الطبع ولا من جهة الشرع والفاسدة أن يكون هناك مانع أما طبعاً وأما شرعاً فالطبع أن يكونا مريضين أو أحدهما مرضا لا يمكن معه الجماع أو بها رتق أو معهما ثالث والذي من جهة الشرع أن يكونا محرمين ،الحدادي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزبيدي اليمني الحنفي، الجوهرة النيرة، ج 2، ط 1 ، المطبعة الخيرية، 1322 هـ ، ص 15.
23- محمد أمين الشهير بأبن عابدين الدر المختار في شرح تنوير الأبصار ، ج3، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، 1415هـ / 1995م ، ص119.
24- ابن مازة، مصدر سابق، ج 3، ص 64.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة