0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الظروف المشددة المرتبطة بوسيلة ارتكاب الجريمة

المؤلف:  محمد حسن صلاح مهدي الجواهر

المصدر:  جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها

الجزء والصفحة:  ص 79-89

2026-06-15

55

+

-

20

لا تقف جسامة القتل العمد عند النتيجة التي يفضي إليها فعل القتل بل قد تتأكد بالنظر إلى الوسيلة التي استخدمت في ارتكابه، متى انطوت هذه الوسيلة على خطر خاص أو كشفت عن صورة أشد في العدوان على النفس، إذ قد يجعلها المشرع سبباً قائماً بذاته لتشديد العقاب. وعلى هذا الأساس سنقسم هذا الموضوع إلى فرعين ، نتناول في الفرع الأول. منه القتل باستعمال مادة سامة، بينما تخصص الثاني للقتل باستعمال المواد المتفجرة أو المفرقعة، وسنبين ذلك تباعا.
الفرع الأول
استخدام مادة سامة
لم يعرف المشرع العراقي المادة السامة ولم يبين أنواعها، وترك ذلك إلى تقدير المحكمة التي تتوصل إلى قناعتها بكون المادة سامة أم غير سامة بالاستعانة بأصحاب الاختصاص والخبرة في هذا الموضوع، ويستوي أن تكون المادة سائلة أو صلبة أو حتى غازية، ولا يهم مصدر هذه المادة نباتياً أم حيوانياً أو معدنياً، فكل ما يؤثر في الجسم تأثيراً كيمياوياً ويؤدي إلى الوفاة يعتبر من المواد السامة التي تستوجب العقوبة المشددة وهي الإعدام (1) . فإذا ثبت أن المادة المستعملة سامة اعتبر هذا الشرط متوافراً سواء كان مفعول هذه المادة يحدث حالاً أو يتراخى إلى وقت ما طال أو قصر ولا يهم كيفية تقديم المادة السامة إلى المجني عليه فقد يخلط بطعام أو شراب أو يقدم خالصاً أو عن طريق الحقن أو الاستنشاق. وقد جمع المشرع العراقي بالفقرة (1/ ب) من المادة (406) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969) بين المادة السامة والمفرقعة والمتفجرة باعتبارها وسائل في جريمة القتل العمد، وجعل الحكم فيها واحداً سواء وقع القتل بمادة سامة أو مفرقعة أو متفجرة. فقد نصت على " 1- يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية : ب-اذا حصل القتل باستعمال مادة سامة، او مفرقعة او متفجرة .."
ومن نص الفقرة (ب) من المادة (406) من قانون العقوبات العراقي يتضح أن المشرع قد شدد عقوبة القتل بوسيلة السم إلى الإعدام وعدها ظرفاً مشدداً إذا ما حصل القتل باستعمال مادة سامة، والعلة في ذلك أن المشرع اعتبر اللجوء إلى هذه الوسيلة من وسائل القتل نوعاً من الخيانة والغدر لأنه غالباً ما يقع من الأقرباء أو الأصدقاء، وهو يقع في كتمان يصعب إثباته، فضلاً من ذلك فإنه غالباً ما يقترن بسبق الإصرار، ولهذا فقد اعتبره القانون ظرفاً مشدداً في جريمة القتل العمد يرفع العقوبة إلى الإعدام، إلا أن المشرع العراقي قيد النص بشرطين هما أن يقع قتل عمد بأركانه الثلاثة السابق ذكرها، وأن يستعمل السم في هذا القتل (2).
وعلى هذا فإن استعمال السم لا يعتبر وفقاً للقانون العراقي جريمة خاصة وإنما هو ظرف مشدد للفعل المادي يصح عليه ما يصح على القتل من أحكام وقواعد عامة فيما يتعلق بالشروع ونحوه، كما أن استعمال المادة السامة يعتبر ظرفاً عينياً لاتصاله بالركن المادي للجريمة – أي بالوسيلة لذلك يسري على جميع المساهمين في الجريمة سواء أكانوا فاعلين أصليين أم مجرد شركاء وسواء علموا به أم كانوا يجهلون وجوده طبقاً للأحكام العامة في سريان الظروف المادية (3)
وبالانتقال إلى التشريعات محل المقارنة نجد أن المشرع المصري قد نص في المادة 233 من قانون العقوبات المصري على أن استعمال مادة سامة في جريمة القتل العمد يجعل العقوبة المقررة للجاني هي الإعدام، فقد ورد بها "من قتل أحد عمداً بجواهر يتسبب عنها الموت عاجلاً أم آجلاً : يعد قاتلاً بالسم أياً كانت كيفية استعمال تلك الجواهر ويعاقب بالإعدام ، وتبين المادة أن استعمال السم في جريمة القتل يشدد العقاب على الجاني فيصبح الإعدام، وتعد هذه من الأحوال النادرة التي يعتد بها المشرع في خصوص الوسيلة المستخدمة في ارتكاب الجريمة، حيث إن القاعدة العامة أنه لا يعتد بالوسيلة المستخدمة في ارتكاب الجريمة وترجع علة تشديد العقاب في هذه الحالة إلى أن استخدام المادة السامة كوسيلة للقتل إنما يدل على خيانة وخسة وغدر من الجاني، بالإضافة إلى أن المجني عليه لا يرى وجهاً للحذر من الجاني لأنه مطمئن إليه، كما أن استعمال هذه المادة السامة سهل من حيث تنفيذ الجريمة ويتبع ذلك صعوبة كبيرة من حيث إثبات الجريمة، فضلاً عن أن اللجوء إلى هذه الوسيلة في الغالب الأعم يكون نتيجة تدبير وتفكير هادئ من قبل الجاني يمكنه من تقليب الأمور وموازنتها بين الإقدام على ارتكاب هذا السلوك الإجرامي أو الإحجام عنه (4) . وقد عرف قانون العقوبات المصري الصادر سنة 1883 من نص المادة 211 منه جريمة القتل بالسم باسم " من تعمد قتل أحد بشيء من العقاقير أو الجواهر السامة التي يتسبب عنها الموت في ظرف برهة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة يعد قاتلاً بالسم ويعاقب بالقتل أياً كانت كيفية استعمال تلك العقاقير أو الجواهر السمية ويعاقب بالإعدام" ، وقد سار المشرع المصري على منوال المشرع الفرنسي في أول الأمر، فكانت المادة 211 من قانون العقوبات الصادر في 1883 تنص على هذا الحكم، وبالنظر إلى ما ينطوي عليه هذا النص من خروج على القواعد العامة، تدخل المشرع المصري في سنة 1904 بتعديل النص السابق - متأثراً في ذلك بنص ا المادة 379 من ، قانون العقوبات البلجيكي - والذي أصبح في ظل قانون 1937 المادة 233 عقوبات وهكذا رفع المشرع المصري الشذوذ الذي كان قائماً في قانون 1883 والذي ما زال قائماً في القانون الفرنسي (5) ، وأصبح القتل بالسم صورة من صور القتل العمد لا يفترق عن صورته البسيطة إلا في وسيلة القتل، إلا أن القانون المصري قد عدها ظرفاً مشدداً مماثلاً للنص في القانون العراقي حيث نص في قانون العقوبات المصري وبنص المادة (233) " من قتل أحد بجواهر يتسبب عنها الموت عاجلاً أم آجلاً فهو يعد قاتلاً بالسم أياً كانت كيفية استعمال تلك الجواهر ويعاقب عليها بالإعدام" (6)
أما القانون الفرنسي فقد تناول جريمة القتل بالسم في نص المادة (301) من قانون العقوبات، القتل بالسم " أنه اعتداء على حياة إنسان بتأثير جواهر يتسبب عنها الموت عاجلاً أو آجلاً وأياً كانت طريقة استعمال تلك الجواهر ومهما كانت نتائجها " ثم تأتي خطورة هذه الجريمة كونها تستعمل بسرية وغفلة من المجني عليه فضلاً. من صعوبة إثباتها، وقد يتعذر إلى الوصول إلى معرفة الفاعل، يضاف إلى ذلك قد يكون استعمال السم وليد تفكير عميق وسبق إصرار كما أنه يعد دليل خبث وخطورة إجرامية كامنة في الجاني مما يبررأخذه بالشدة (7). والتسميم جريمة خاصة في القانون الفرنسي، وهي جريمة شكلية، تتم كاملة بمجرد تناول المجني عليه للمادة السامة ولو لم يترتب على ذلك وفاته، بل أسعف بالعلاج، لذلك لا يتصور فيها العدول الاختياري بعد تناول المجني عليه للمادة السامة، فلو تدخل الجاني بعد تناول المادة السامة وأعطى المجني عليه ترياقاً أزال أثر السم وأبطل مفعوله في الجسم، لا يعد ذلك عدولاً، لأن الجريمة تكون قد تمت بتناول المادة السامة مهما كانت نتيجة تناولها، ويكون فعل الجاني التالي لتمام الجريمة من قبيل النوبة الإيجابية التي لا تنفي وجود الجريمة قانوناً، وإنما يجوز أن تكون ظرفاً قضائياً مخففاً للعقاب (8) . وقد ذهب المشرع الفرنسي منذ عهد الملكية القديم والى وقتنا هذا إلى مدى بعيد في تشديد عقوبة تلك الجريمة إذا اعتبرها جريمة شكلية أو جريمة سلوك مجرد بحيث يكفي لتوافرها تامة مجرد إعطاء المادة السامة للمجني عليه سواء أدت الى إزهاق روحه ام لا ، وسواء عدل الجاني عن جريمته وأعطى المجني عليه ترياقاً أزال أثر السم ام لم يعدل . فالعقوبة هي الإعدام في جميع الأحوال (9) ، وقد ساوى بين الجريمة التامة في القتل بالسم والشروع فيها، فيعتبر تسممأكل اعتداء على حياة إنسان باستعمال جواهر يتسبب عنها الموت ولو لم تحدث الوفاة فعلا(10) . فالقانون الفرنسي قد خرج من هذه القواعد العامة في اعتبار تام الجريمة في تناول السم لا إحداث الوفاة فإذا تناول المجني عليه السم المعد له ولو لم يمت عوقب الفاعل بالإعدام.
وقد عرف أصحاب الاختصاص الطبي السم بأنه "كل مادة تؤدي عند نفوذها الى داخل الجسم بتأثيرها الفزيولوجي والكيمياوي إلى تدهور في الصحة بصورة حادة أو مزمنة وقد تنتهي بالموت" (11) ، ويعرفه جانب منالفقه أيضاً بأنه كل مادة أياً كان مصدرها أو شكلها يمتصها جسم الإنسان وتؤثر في أنسجته تأثيراً كيمياوياً يؤدي إلى الوفاة (12) . ويشير جانب آخر بأن كل اعتداء على حياة شخص بتأثير مواد من شأنها أن تحدث الموت عاجلاً أو آجلاً أياً كانت الطريقة التي استعملت بها هذه المواد أو أعطيت وأياً كانت نتائج ذلك (13) . وقد عرف الفقه جرائم السم بأنها تلك الجرائم ذات الوسيلة المحددة، فلا يكون لها وجود قانوني إلا باستخدام السم وهي من الجرائم التي اهتمت القوانين القديمة وسائر القوانين الحديثة على اعتبارها صورة خاصة من صور القتل العمد يعاقب فاعلها بالإعدام (14) ويمكن تعريفها أيضاً، بأنها كل اعتداء على حياة إنسان سواء أكان اعتداء سلبياً أم إيجابياً نص القانون على تحريمه ووضع له عقاباً اذا ما استعمل السم في القتل وصدر من شخص مسؤول .
إن جريمة القتل باستخدام مادة سامة لابد لقيامها من توافر الأركان الثلاثة وهي وجود انسان حي وفعل ، من شأنه ان يؤدي الى الوفاة وهو استخدام السم ، ثم القصد الجنائي وهو نية إزهاق روح إنسان، وقد اعتبر المشرع العراقي القتل بالسم ظرفاً مشدداً يشدد العقوبة إلى الإعدام وذلك لأن هذه الوسيلة تنم عن غدر او خيانة وسهولة إعداد السم وتقديمه للمجني عليه وصعوبة كشف الأثر له ، إضافة الى أن من يقدم على استخدام السم في الغالب له صلة بالمجني عليه تسمح له بالثقة فيه ، (15) فالعقوبة تتشدد في مثل هذه الحالة إذا ما تقابل الغدر والخيانة، ومن المعروف أن القتل بالسم يلابسه سبق الإصرار ، إذ يعد الجاني المادة السامة وسيلته في القتل بعد أن فكر ودبر بهدوء ورسم خطة مديرة وأعد العدة لتنفيذ الجريمة، كذلك فإن السم يدس للمجني عليه دون مواجهة . ولا أهمية المقدار المادة السامة التي استعملها الجاني في تشديد عقوبته لأن الجرعة القاتلة تختلف باختلاف المادة السامة ودرجة تركيزها وطريقة تناولها وحال المجني عليه من حيث العمر والصحة (16)". كذلك فإن أغلب صور التسمم قد يكون الجاني مدبراً من قبل على فعله ومن أجل هذا نص المشرع على جناية القتل بالسم نصاً خاصاً وفرض لها عقوبة أشد أوصلها إلى الإعدام، ولو ارتكبت بغير إصرار (17).
أن الشارع في سياسته الجنائية ركز على تشديد العقاب على الجاني كلما استعان في ارتكاب جريمته بوسائل أو بأوضاع تضمن له تفوقاً غير طبيعي على ضحيته سواء كان . من شأن هذا التفوق زيادة رصيده من المزايا أو تجريد خصمه من بعض قدراته، أو تيسير وسائل ،هربه أو إخفاء أدلة الجريمة وهذه الاعتبارات جميعاً تكاد تتحقق في حالة القتل بالسم فالمجني عليه كما أسلفنا يوثق من حيث يأمن إذ يدس له السم في من العادة المحيطين به ممن يولهم ثقة ولا يظن أن تهب عليه ريح الموت من قبلهم (18). وقد ثار خلاف في الفقه حول ما إذا كان يشترط أن تكون المادة سامة في طبيعتها، فيرى البعض انه يجب أن تكون كذلك ، في حين يذهب رأي آخر إلى أن القتل يعد قتلاً بالسم سواء كانت المادة المستعملة سماً في حقيقتها أو كانت مادة أخرى من شأنها أن تسبب الموت (19).
ومن المتفق عليه أن المقصود بنص المادة (233) هو أن تستخدم جواهر توصف بأنها سامة حينما يكون من شأنها إحداث الموت ، والرأي في هذا الوصف يعود إلى قاضي الموضوع الذي يستعين عادة بأهل الخبرة لبيان ما إذا كانت المادة المستعملة هي سامة أم لا ، ويستوي أن يكون من طبيعتها كيمياوية سامة بسبب أصلها الحيواني أو النباتي أو المعدني ويكفي أن يكون من طبيعتها إنتاج الأثر القاتل ، وإذا أعطيت المادة السامة بكمية قليلة لا تكفي لإحداث القتل كاستخدام سلفات النحاس بكمية صغيرة يكون الفاعل قد ارتكب جريمة الشروع لأن عدم حصول الموت يعد ظرفاً خارجاً عن إرادته(20). وبمقتضى أحكام قانون العقوبات العراقي، إذا كانت المادة المستعملة غير سامة وليست من طبيعتها إحداث الموت فتعتبر الجريمة صورة من صور الاستحالة المطلقة التي ترجع إلى الوسيلة والتي يعاقب عليها القانون باعتبارها شروعاً في جريمة قتل عادية، ولكن إذا كانت المادة المستعملة سامة ولكنها غير كافية لإحداث الوفاة فالواقعة تعتبر شروعاً في القتل.
أما إذا كانت المادة سامة بطبيعتها لكنها أعطيت للمجني عليه في ظروف تجعلها لا تحدث الوفاة كأن أعطيت بكمية أقل مما يتطلبه إحداث الوفاة أو أن المجني عليه لم يتناول الكمية كلها لشعوره بطعمها الغريب ، الى غير ذلك ، فإن الفعل يعتبر شروعاً في جريمة القتل بالسم وإذا تناول المجني عليه المادة السامة التي أعطاها الجاني للمجني عليه، لكن الوفاة لم تحدث لسبب خارج عن إرادة الجاني، فإن مسؤولية الجاني تقتصر على الشروع في القتل بالسم ، ويحدث هذا عدا في حالة إسعاف المجني عليه بالعلاج ، أو مقاومة جسمه لتأثير المادة السامة أو أن كمية المادة كانت قليلة وبالتالي لن تحدث الوفاة ، ويسأل الجاني عن الشروع في القتل بالتسميم.
وترى قلة نادرة من الشراح الفرنسيين بقاء هذا الوضع على ما هو عليه حتى الوقت الحاضر ، ولكن الراجح فقهاً وقضاء أنه تجري الان على الشروع في التسميم والعدول الاختياري عنه جميع الأحكام العامة ، فمن يضع للمجني عليه سماً في طعامه ثم ينبهه الى الخطر المحدق به لحظة تناوله. إياه ، أو ينتزعه منه قبل تناوله ، أو حتى يعطيه ترياقاً يبطل أثر السم بعد تناوله إياه بالفعل، يستفيد من أثر العدول الاختياري في امتناع العقاب (21). ويلحق بعض الشراح بالمواد السامة استعمال مادة قد تؤدي الى القتل احياناً ولو لم تكن سماً من الوجهة الفنية كحقن المجني عليه بميكروبات الدفتريا او التيتانوس ، وذلك بالنظر الى عمومية النص ، الا ان هذا ليس هو الرأي المعمول به (22).
ولا بد لنا من أن نذكر بأن جريمة القتل بالسم من الجرائم العمدية ولهذا يتعين توافر القصد الجنائي بمعناه الذي حددناه سابقاً من علم وإرادة ، يضاف الى ذلك أن ينصرف علم الجاني الى أن وسيلته في القتل هي مادة سامة وأن يريد تحقيق النتيجة باستخدامها ، فإذا لم يتوافر العلم والإرادة على النحو السابق فلا تقوم جريمة القتل بالسم وانما قد نكون امام جريمة قتل خطأ أو جريمة إعطاء مواد ضارة أو لا جريمة على الاطلاق. أن استخدام مادة السم ، من الظروف المشددة الموضوعية ما يرجع الى الصفة في القصد وتمكن منه ما يرجع الى الصفة في المجني عليه وما يعود الى الوسيلة لنفسه . وهذا ما سار عليه المشرع العراقي فقد اعتقد أن هناك من الوسائل التي تدل على الجبن أو الخطر الجاني مما التشدد يوجب في استعمالها . وما الحالة التي نحن فيها غير صورة من هذه الصورة وقد عاقب المشرع على القتل باستعمال مادة السم بعقوبة الإعدام . وقد كان استعمال السم في القتل وسيلة مألوفة فيما مضى ، بل لقد اتخذ في وقت من الأوقات مظهراً وبائياً خطيراً في فرنسا ، وقد حمل ذلك لويس الرابع عشر الى تشكيل لجنة خاصة بمرسوم صادر في سنة 1682 لتعقب الفاعلين والحكم عليهم بالموت حرقاً . ودفع ذلك الشارع الى جعله جريمة خاصة ، تعد ضمن الجرائم الوحشية التي لم يكن لها عقوبة أخرى غير الإعدام ، فضلاً . عن أن عقاب الشروع فيها كان مساوياً للجريمة التامة . كما كان العدول الاختياري لا يعفي الجاني من العقاب ، مادام الأخير قد وضع السم في متناول المجني عليه بالفعل . كما أن التطور التاريخي لهذه الجريمة وموقف القوانين منها يبين أن من الجزئيات التي شددت على فاعلها المشرع في كل العصور تقريباً هي جريمة القتل العمد المرتكبة باستعمال مادة السم .
ولابد من الاشارة الى أن هنالك فرق بين المادة السامة والمادة الضارة وأن ضابط التمييز بين الجريمتين أعطاء مادة ضارة، والتسميم – هنا هو عنصر القصد المتطلب في كل منهما، فالقصد في استعمال السم ينصرف إلى إرادة إزهاق روح المجني عليه، أما في إعطاء المواد الضارة يتمثل في إرادة الأذى البدني، ويرجع هذا الفرق الى اختلاف النتيجة الجرمية في كل منهما، فعلى حين تكون هذه النتيجة هي الوفاة في إعطاء المادة السامة او "التسميم" فأنها تكون مساساً بسلامة جسم المجني عليه في إعطاء او استعمال المواد الضارة. من جملة ما تقدم نرى أن تشديد العقاب على القتل باستعمال مادة سامة لا يجد أساسه في الوسيلة بوصفها أداة مادية فحسب وإنما في ما تكشف عنه من طبيعة إجرامية خاصة تجعل هذا النمط من القتل أكثر جسامة من غيره ، إذ يقترن السم في الغالب بالخداع والكتمان وسبق التدبير ، ويحرم المجني عليه من إمكان التحوط أو المقاومة، بما يجعل الاعتداء واقعاً في صورة تنطوي على قدر أعلى من الغدر والخطر. ومن ثم فإن اتجاه المشرع العراقي إلى إدراج استعمال السم ضمن الظروف المشددة في القتل العمد يتفق مع العلة الموضوعية للتشديد، وإن كان قد أحسن حين لم يفرده بجريمة مستقلة، بل أبقاه ظرفاً مشدداً مرتبطاً بالوسيلة، بخلاف الاتجاه الفرنسي الذي توسع في بنائه إلى حد إضفاء طابع الجريمة الخاصة عليه. كما يكشف الفقه المقارن أن جوهر المسألة لا ينصرف إلى التكييف الشكلي للنص بقدر ما ينصرف إلى خطورة الوسيلة ذاتها وما تثيره من إشكالات تتصل بتحديد ماهية المادة السامة، وحدود الشروع، ومجال الاستعانة بالخبرة الفنية، الأمر الذي يجعل القتل بالسم صورة تتجاوز في خطورتها مجرد إزهاق الحياة إلى الإخلال بضمانات المواجهة الطبيعية بين الجاني والمجني عليه.
الفرع الثاني
استخدام المواد المتفجرة أو المفرقعة
لقد نص المشرع العراقي في المادة (1/406/ب) سالفة الذكر على تشديد عقوبة القتل العمد إذا وقع باستعمال مادة مفرقعة أو متفجرة، فجعل العقوبة في هذه الحالة هي الإعدام.
حيث تنص الفقرة على " ب- اذا حصل القتل ب استعمال مادة سامة او مفرقعة او متفجرة ..." ،
من تحليل هذا النص نجد أن المشرع العراقي قد اعتبر القتل بهذه الوسائل التي أوردها حصراً وهي السامة والمتفجرة أو المفرقعة ظرفاً مشدداً يرفع العقوبة من السجن المؤبد أو المؤقت الى الاعدام، والحكمة من التشديد في هذه الحالة راجعة الى أن استخدام هذه الوسيلة ينم عن شخصية خطيرة ونفس شريرة وخسة في التصرف ، حيث أن استخدام المتفجرات او المفرقعات في القتل بعدم فرض التخلص من الاعتداء أمام المجني عليه ويصبح التخلص من الخطر امر يكاد يكون مستحيلاً ، كما ان الآثار التي تتركها هذه الوسيلة في الغالب تكون كبيرة وما تحدثه من رعب وخوف في نفوس الناس يفوق ما تحدثه أية وسيلة اخرى وذلك نتيجة لطبيعة المادة وآثارها الواسعة (23).
ولا يوجد في قانون العقوبات المصري مقابل خاص لهذا الظرف على النحو الذي أورده المشرع العراقي ، وهو ما يكشف عن اتجاه المشرع العراقي إلى الاعتداد بخطورة هذه الوسيلة بوصفها سبباً مستقلاً للتشديد. والعلة في ذلك ظاهرة، لأن استعمال المواد المتفجرة أو المفرقعة لا يكشف عن عدوان موجه إلى شخص المجني عليه وحده، وإنما ينطوي على استخفاف بحياة عدد غير محدود من الناس واستهانة بأرواحهم وسلامتهم، إذ إن أثر هذه الوسائل لا يقف في الغالب عند الشخص الذي انصرف إليه قصد الجاني مباشرة، بل يمتد إلى غيره ممن يوجدون في مكان الانفجار أو في محيطه، وكثيراً ما يكونون من الأبرياء الذين لم يتجه الفعل إليهم ابتداء (24).
ولم يحدد المشرع العراقي المقصود بالمادة المفرقة او المتفجرة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، لذلك يصعب تحديد هذه المسألة وتنوعها ، لكن قانون المواد القابلة للانفجار رقم (20) لسنة 1957، قد عرف المواد القابلة للانفجار في المادة الأولى بقوله "أ- المواد القابلة للانفجار هي أية مواد تحتوي في تركيبها على مواد كيمياوية من شأنها إحداث الحريق أو الهدم أو الإتلاف بأية كيفية كانت الأغراض الاعتداء على الأرواح والممتلكات والإرهاب والإخلال بالأمن سواء كانت تلك المواد مستوردة أو مصنوعة محلياً ، ويعتبر حكم هذه المواد والأجهزة التي تستخدم في صنعها وتفجيرها.
ب-مواد الألعاب النارية – كل مادة أخرى ملتهبة أو متفجرة تستعمل لأغراض التسلية ولا يؤدي هذا الاستعمال الى اي خطر على النفس او الممتلكات .
ج - سلطة الإصدار - وزير الداخلية او من : يخوله (25)"
ويرى اتجاه من الفقه بأن المواد المفرقة او المتفجرة تشمل جميع المواد التي من شأنها ان تحدث انفجاراً وتستخدم لأغراض الاعتداء على حياة المواطنين او ممتلكاتهم او تستخدم لأغراض الإرهاب والإخلال بالأمن (26).
وتعرف المتفجرات بأنها مركب او خليط كيمياوي يتحول بسرعة هائلة عن طريق التفاعل الكيمياوي - عند تعرضه لمؤثر خارجي - الى كميات من الغاز ودرجة حرارة مرتفعة وضغط كبير معطية قوة محطمة لكل ما حولها . اما المفرقعات فهي مركب او خليط كيمياوي تعد لإحداث فرقعة صوتية تكون مصحوبة بهالات ، او أشكال ضوئية او دخانية، مثل (الألعاب النارية المضيئة او الدخانية المعدة للاستخدام في المهرجانات والمناسبات) (27)، وبذلك يترك الموضوع لتقدير المحكمة تستعين في تقديره بأصحاب الخبرة والجهات الفنية المختصة بهذه المواد لتحديد ماهيتها ويذهب جانب من الفقه الى أن تحقق هذا الظرف يقتضي شرطين الأول، أن تقع جريمة القتل العمد بأركانها المعروفة، والثاني، أن يكون استعمال السم او المواد المتفجرة او المفرقة هو الوسيلة التي ارتكب بها القتل. أما تقدير كون المادة المستعملة متفجرة او مفرقة، فإنه شأنه في ذلك شأن المادة السامة، يعد من المسائل الفنية التي ترد الى الخبراء كما ذكرنا آنفاً، فيرجع في شأنها إلى المختصين لبيان طبيعتها وما إذا كانت داخلة في مدلول النص أو خارجة عنه (28).
ومن ثم فإن التشديد في هذه الصورة لا يفسر بمجرد تحقق الوفاة، وإنما بما تكشف عنه الوسيلة المستعملة من تهور واستهتار وعدم مبالاة بحياة الآخرين فالجاني الذي يلجأ إلى المادة المتفجرة او المفرقة لا يباشر قتلاً عادياً بوسيلة مألوفة، وإنما يستعمل أداة من شأنها بطبيعتها أن تضاعف من دائرة الخطر، وأن تجعل النتيجة غير مقصورة على الشخص المقصود وهو ما يبرر تشديد العقاب.
وعلى هذا، فإن تطبيق الظرف المشدد يقتضي أن تكون نية إزهاق الروح قد اقترنت باستعمال إحدى هذه المواد على وجه تتحقق معه علاقة السببية بين الوسيلة والنتيجة، أما إذا ثبت أن القتل قد وقع بغير المواد التي أوردها النص على سبيل الحصر، فلا مجال لإعمال هذا الظرف ولو كانت الوسيلة الأخرى شديدة الخطر ، كما أن هذا الظرف يعد قائماً سواء أكان القصد محدداً بشخص معين أم غير محدد، وسواء وقعت الوفاة في الشخص المقصود ابتداءً أم في غيره ممن أصابه الفعل نتيجة خطأ في التصويب أو خطأ في الشخصية، لأن مناط الاعتداد هنا هو خطورة الوسيلة المستعملة ذاتها وما تولده من خطر متجاوز للشخص المجني عليه المقصود (29).
بعد بيان الوسائل المستخدمة في جريمة القتل العمد والتي من شأنها أن تشدد العقوبة، نستنتج أن خطورة وسيلة القتل كانت ، في هاتين الصورتين ، هي الأساس الذي أقام عليه المشرع التشديد، لأن السم بما ينطوي عليه من غدر وخفاء، والمواد المتفجرة أو المفرقة بما تكشف عنه من استخفاف واسع بالأرواح، يخرجان بالفعل من صورته العادية إلى صورة أشد جسامة، الأمر الذي يفسر تشديد العقاب فيهما إلى الحد الذي انتهى إليه النص. وعليه لتطبيق هذا الظرف المشدد لابد أن تكون جريمة القتل العمد قد تمت بأركانها مضافاً إلى ذلك أن تكون الوسيلة المستعملة هي إما سامة أو متفجرة أو مفرقة أي أن تتوافر النية في إزهاق الروح باستعمال إحدى المواد المذكورة أعلاه، أما إذا ثبت كون القتل قد تم بغير المواد المذكورة اعلاه فلا يمكن تطبيق الظرف المشدد هذا ، علماً أن هذا الظرف المشدد يعتبر متوافراً سواء أكان القصد محدداً أم غير محدد ، وسواء أكانت الضحية هي المراد قتلها يتحقق هذا الظرف ام غيرها التي قتلت نتيجة خطأ في التصويب أو خطأ في الشخصية (30).
____________
1- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 158.
2- د. جلال ثروت، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 116.1979
3- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 158
4- د. سامح السيد جاد، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص ، جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، 2005، ص 35.
5- د. علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت، ص 147.
6- د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد - الأحكام العامة، مطبعة المعارف، د. ت ، ص 259
7- د. نشأت احمد نصف شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، مكتبة السنهوري، بغداد، 2010، ص221.
8 - د. فتوح عبدالله الشاذلي، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 1996، ص513.
9- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص146.
10- د. محمد نوري كاظم ، ص 77.
11- د. لويس سمعان ، الطب العدلي التطبيقي، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1971 ، صفحة 186 ، نقلاً عن : د ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص158.
12- د. محمد عودة الجبور ، الوسيط في قانون العقوبات ، دار وائل للنشر ، عمان، 2012، ص51
13- د. محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات - القسم الخاص جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار النهضة، 1978، ص 11.
، ص 96.
14- الحسين بن الشيخ ، مذكرات في القانون الجنائي الخاص ، ص29
15- د. حسن صادق المرصفاوي ، قانون العقوبات - القسم الخاص ، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982، ص 186. د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد - الأحكام العامة، مطبعة المعارف، د. ت، ، ص259
16- د. جلال ثروت، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، المجمع الثقافي، أبو ظبي .1979 ، ص 116.
17- المستشار محمود إبراهيم اسماعيل ، علم الاجرام والجريمة، دار العدل للنشر، بيروت، 1991، ص 145.
18- د. محمد عوض ، جرائم الاعتداء على الأموال ، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1984، ص 83
19- د. فوزية عبد الستار ، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982، ص39
20- د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد - الأحكام العامة، مطبعة المعارف، د. ت ص 266
21- د. رؤوف عبيد ، جرائم الاعتداء على الاشخاص والأموال ، 1985 ، ص 69
22- د. رؤوف عبيد، جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، دار الفكر العربي، ط8، 1985 ص 70.
23- د. واثبة داوود السعدي، قانون العقوبات - القسم الخاص شركة العائك لصناعة الكتب، القاهرة ، د. ت ، ص 116.
24- علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت ، ص156.
25- المادة الأولى من قانون المواد القابلة للانفجار رقم (20) لسنة 1957، الوقائع العراقية، العدد 3999، 10/6/1957
26- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 159 .
27- وزارة العدل - معهد عارض ، نظام المتفجرات والمفرقعات بحث منشور في مجلة العدل ، العدد (42) ، السعودية، 2009 ، ص ، 262
28- د. واثبة داود السعدي، مصدر سابق، ص 116.
29- ماهر عبد شويش الدرة، مصدر سابق، ص 159
30- د. ماهر عبد شويش الدرة، المصدر نفسه، ص159

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد