السلوك الإجرامي في الجريمة
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 41-49
2026-06-15
32
إذا كان الركن المادي في جريمة القتل قد تبين في إطاره العام بوصفه البناء الخارجي للجريمة، فإن نقطة البدء تظل متجسدة في السلوك الإجرامي، إذ لا يتصور قيام قتل عمد دون نشاط يصدر عن الجاني ويمثل اعتداء على الحياة. غير أن تحديد هذا السلوك لا يقتصر على كونه حركة عضوية تصدر عن إنسان، وإنما يقتضي الوقوف على طبيعته القانونية، لأن القانون الجنائي لا يعاقب على الحركات في ذاتها، بل على الأفعال التي تعد اعتداء على مصلحة محمية.
وقد استقر الفقه الجنائي على أن السلوك في الجرائم العمدية هو كل نشاط إرادي يصدر عن الجاني ويكون من شأنه المساس بالحق الذي يحميه القانون، سواء اتخذ صورة فعل إيجابي أم امتناع متى توافر الالتزام القانوني بالتدخل، فالعبرة ليست بالمظهر الفيزيائي للحركة، بل بخضوعها لسيطرة الإرادة واتصالها بوظيفة الاعتداء. ومن ثم فإن الفعل الانعكاسي أو الواقع تحت إكراه مادي مطلق لا يعد سلوكاً بالمعنى الجنائي، لانعدام السيطرة الإرادية عليه (1).
ويترتب على ذلك أن السلوك في جريمة القتل لا يعرف بالحركة المجردة، وإنما بالفعل الذي يتجه، بطبيعته أو بحسب الظروف التي ارتكب فيها إلى الاعتداء على الحق في الحياة، فإطلاق النار، أو الطعن، أو التسميم لا يكتسب صفته الجنائية من كونه حركة عضوية، بل من كونه نشاطاً موجهاً نحو إحداث الوفاة. وهذا ما دفع الفقه إلى التأكيد على أن السلوك عنصر واقعي من حيث صدوره في العالم الخارجي، إلا أنه ذو طبيعة معيارية من حيث تقييمه قانوناً بوصفه اعتداء (2). ومن هنا يثور التساؤل حول الطبيعة الدقيقة للسلوك، هل هو عنصر مادي بحت يقتصر على الحركة الإرادية، أم أنه بناء قانوني يتحدد بوظيفته في الاعتداء على المصلحة المحمية؟
إن الاتجاه الراجح فقهاً يميل إلى أن السلوك، وإن كان يقوم على نشاط واقعي محسوس، إلا أن تحديده في نطاق جريمة القتل لا ينفصل عن تقييمه في ضوء الحق المعتدى عليه، بحيث لا يكون كل نشاط إرادي سلوكاً إجرامياً، وإنما فقط ذلك الذي يندرج في إطار الاعتداء على الحياة الإنسانية (3). ويتبين من ذلك أن السلوك الإجرامي في القتل هو فعل إنساني إرادي يتخذ صورة نشاط خارجي، ويقيم قانوناً باعتباره اعتداءً على الحق في الحياة، وهو ما يميزه عن مجرد الحركات المادية التي قد تصدر عن الإنسان دون أن تحمل في ذاتها معنی التجريم.
غير أن الوقوف عند هذا الحد لا يكفي لضبط ماهية السلوك في جريمة القتل العمد، لأن الخطر المنهجي لا يكمن في تعريفه بل في تبسيطه فالسلوك ليس حركة عضوية فحسب وليس الوسيلة المستعملة، وليس النتيجة التي ترتبت وإنما هو الفعل الإنساني الإرادي الذي يباشر الاعتداء على الحياة بوصفها مصلحة محمية، وتبتدئ سلسلة السببية التي تنتهي بإزهاق الروح. ومن ثم فإن تحرير مفهوم السلوك يقتضي فصله عن ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط به الحركة الفيزيائية والأداة التنفيذية، والنتيجة الإجرامية.
إن الفقه الجنائي حين قرر أن الركن المادي قوامه "سلوك إجرامي" لم يُرد بذلك كل نشاط يصدر عن الإنسان، وإنما النشاط الذي يخضع لسيطرة الإرادة ويصلح لأن يكون اعتداءً على المصلحة المحمية(4)، فالحركة الانعكاسية، أو الواقعة تحت إكراه مادي لا يقاوم تخرج . عن دائرة السلوك لأنها لا تنسب إلى إرادة حرة، وبذلك فإن أول عناصر السلوك في القتل هو كونه فعلاً إنسانياً إرادياً، أي فعلاً قابلاً للإسناد. غير أن الإرادية وحدها لا تكفي، فالسلوك في جريمة القتل لا يعرف بالحركة المجردة، بل بوظيفته الاعتدائية، فليس كل فعل إرادي سلوكاً قاتلاً، وإنما فقط ذلك الفعل الذي يتجه بطبيعته أو بحسب ظروف ارتكابه إلى المساس بالحق في الحياة (5)؛ فإطلاق النار ليس سلوكاً مجرماً لأنه حركة ضغط على زناد، بل لأنه فعل إنشاء سبب قاتل موجه إلى إنسان حي، وسم السم ليس مجرد مزج مادة بأخرى، بل فعل توجيه عنصر قاتل إلى جسد المجني عليه. فالسلوك في بنيته هو فعل "إعطاء الموت" بالمعنى القانوني، لا فعل استعمال أداة معينة، وهنا يظهر البعد
الوظيفي للفعل، فالسلوك في القتل لا يُعرف بالحركة العضوية، وإنما يُقدر على إنشاء سبب الوفاة. وقد جرى التأكيد على أن الفعل لا يُفهم في ذاته، بل في علاقته بالحق المعتدى عليه، وأن السلوك عنصر واقعي من حيث صدوره في العالم الخارجي، إلا أنه يتحدد قانوناً بوظيفته الاعتدائية (6).
وعند هذا، يبرز الالتباس بالخلط بين السلوك والوسيلة، فالوسيلة أداة تنفيذ والسلوك فعل اعتداء، الأداة قد تكون قاتلة بطبيعتها، لكن خطورتها لا تكون السلوك، فالسلاح الناري ليس هو السلوك، وإنما توجيه القوة القاتلة إلى إنسان حي هو السلوك، والسكين ليست هي السلوك، وإنما الطعن الموجه إلى موضع قاتل هو السلوك. وقد نصت التشريعات الثلاثة العراقي والمصري والفرنسي على فعل القتل دون تقييده بالوسيلة، وهو ما يدل على أن الجريمة ذات قالب حر، وأن الأداة لا تدخل في ماهية الركن المادي (7).
وقد أكدت محكمة النقض المصري هذا المعنى بقولها : " آلة القتل ليست من أركان جريمة القتل العمد (8) كما قررت "... لا يكفى لتوافر القصد لدى المتهم استعماله سلاحاً من شأنه إحداث القتل وإطلاقه على المجني عليه في مقتل، إذ ان ذلك لا يفيد سوى مجرد تعمد ارتكاب الفعل المادي من استعمال سلاح قاتل بطبيعته وإصابة المجني عليه في مقتل وهو ما لا يكفي بذاته لثبوت نية القتل ما لم يكشف الحكم عن قيام هذه النية في نفس الجاني (9)، ويتضح من ذلك، أن القضاء ذهب إلى أن خطورة الوسيلة لا تغني عن تحليل الفعل ذاته، وأن السلوك لا يختزل في الأداة، ومن ثم فإن إدخال الوسيلة في تكوين السلوك يؤدي إلى تسرب خطورتها إلى الركن المعنوي، وهو ما يخل باستقلال البناء الجنائي.
وهذا التمييز بين السلوك والوسيلة ينعكس مباشرة على تحديد بداية التنفيذ، فبداية التنفيذ لا تقوم بمجرد حيازة الأداة أو إعدادها، وإنما تبدأ حين تتحول الإرادة إلى فعل يدخل في نطاق الاعتداء الفعلي على الحياة، ولا يقل خطورة عن ذلك الخلط بين السلوك والنتيجة، فالوفاة ليست جزءاً من السلوك بل أثر له، والسلوك يسبق تحقق النتيجة، بل وقد يقوم نطاق الشروع ولو لم تتحقق الوفاة، وقد نصت المادة (30) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على " الشروع : هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا اوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها ويعتبر شروعاً في ارتكاب الجريمة كل فعل صدر بقصد ارتكاب جناية أو جنحة مستحيلة التنفيذ اما لسبب يتعلق بموضوع الجريمة او بالوسيلة التي استعملت في ارتكابها ما لم يكن اعتقاد الفاعل صلاحية عمله لإحداث النتيجة مبنياً على وهم او جهل مطبق. ولا يعد شروعاً مجرد العزم على ارتكاب الجريمة ولا الاعمال التحضيرية لذلك ما لم ينص القانون على خلاف ذلك "، وهذا النص يثبت أن السلوك يبدأ قبل تحقق الوفاة، وأنه يقاس بدخوله في نطاق الاعتداء الفعلي على الحياة لا بتحقق النتيجة، ويتبين من ذلك أن السلوك مستقل عن النتيجة من حيث التكوين، وإن كانت النتيجة لازمة لإتمام الجريمة. أما الالتباس الآخر، فيتعلق بالباعث، فالدافع النفسي – كالثأر أو الغضب - لا يكون السلوك، ولا يعد عنصراً فيه، إذ نصت المادة (38) من قانون العقوبات العراقي على " لا يعتد بالباعث على ارتكاب جريمة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، ويتضح من ذلك أن السلوك يبنى على الفعل الاعتدائي لا على الباعث الذي حركه، وأن الخلط بينهما يؤدي إلى إدخال عنصر أجنبي في الركن المادي.
وبهذا يتحدد السلوك بعد تحريره من هذه الالتباسات، بوصفه فعلاً إرادياً موجهاً إلى إنشاء سبب الوفاة أو بإخلال واجب يمنعها صالحاً موضوعياً لإحداث النتيجة، ومستقلاً عن الوسيلة والنتيجة والباعث. ومن ذلك يتبين أن السلوك ليس عنصراً مادياً بحثاً، بل هو بناء قانوني وظيفي يتحدد بقدرته الاعتدائية وقابليته للإسناد، وهو ما يعيدنا إلى السؤال التأسيسي الذي انطلقنا منه، السلوك ليس مجرد حركة، وإنما هو الفعل الذي يقيم عليه القانون مسؤولية إزهاق الروح. وبعد تحرير السلوك من التباسه بالحركة، والوسيلة، والنتيجة، والباعث، يتعين اختبار المفهوم عند الحد الذي تبدأ فيه المسؤولية الجنائية عن القتل بالمعنى الدقيق: متى يتحول ما يقع من أفعال من مجرد "تهيؤ" إلى "بدء في الاعتداء" ؟ هذا الحد لا يرسم بالزمن ولا بالنية وحدها، وإنما يرسم بمعيار مركب قوامه الصلاحية الموضوعية للفعل لإحداث الوفاة، واتصاله المباشر بوظيفة الاعتداء على الحياة. فالأعمال التحضيرية قد تكون خطرة في ظاهرها وقد تتضمن اختيار وسيلة شديدة للهلاك، لكنها تظل من حيث البناء القانوني خارج السلوك التنفيذي مالم تدخل في دائرة الاعتداء الفعلي. وهذا التمييز لا يقوم على الانطباع، بل على نص تشريعي صريح يضع فاصلاً بين العزم والتحضير من جهة وبين البدء في التنفيذ من جهة أخرى، وبالعودة إلى نص المادة (30) من قانون العقوبات العراقي، يتضح لنا أن النص يقررقاعدتين متلازمتين: الأولى أن الشروع لا يقوم إلا ببدء التنفيذ، والثانية أن العزم والأعمال التحضيرية لا تقوم مقامه، ويتبين من ذلك أن السلوك في منطقته التنفيذية، لا يبدأ لحظة التفكير ولا عند مرحلة الإعداد، بل عند مباشرة فعل يدخل في نطاق الاعتداء، ويكون صالحاً بحسب المجرى العادي للأمور لأن يفضي إلى الوفاة لو سارت الأمور في سياقها الطبيعي. وقد جرى بيان معيار "الدخول في نطاق الاعتداء" على أنه لا يتحدد بمقدار ما بذله الفاعل من جهد، بل يتغير بطبيعة الفعل من عمل تمهيدي إلى فعل يباشر الحق في الحياة أو يخلق خطراً مباشراً عليه فشراء سلاح أو نقل سم أو مراقبة المجني عليه، رغم دلالته على قصد سابق، يبقى في دائرة التحضير ما دام لم يتحول إلى فعل يباشر الاعتداء، أما توجيه السلاح وإطلاقه، أو وضع السم في طعام معد للمجني عليه، فيمثل نقطة الانتقال لأن الفعل هنا لم يعد "هيو" بل صار "بدءاً في تنفيذ الاعتداء" . ويتضح من ذلك أن معيار البدء في التنفيذ هو معيار موضوعي مرتبط بوظيفة الفعل لا بمجرد دلالة النية، وهذا المعيار يتصل اتصالاً وثيقاً بفكرة الصلاحية، فليس كل فعل يدخل ظاهرياً في مسار القتل يكون صالحاً لإحداث الوفاة، ومن هنا جاءت الفقرة الخاصة بالاستحالة في المادة (30) لتضع اختباراً أكثر دقة، السلوك التنفيذي يفترض فيه أن يكون صالحاً لإحداث النتيجة، أو أن يكون اعتقاد الفاعل بصلاحيته قائماً على تصور معقول لا على وهم أو جهل مطبق ويتبين من ذلك أن القانون العراقي لا ينظر إلى الشروع بوصفه نية مكشوفة بل بوصفه فعلاً له حد أدنى من الصلاحية الموضوعية أو الاعتقاد المعقول بالصلاحية. ويكتسب هذا المعنى ثقله حين ينظر إلى الاستحالة بوصفها ليست مسألة لاحقة على قيام الفعل، بل معياراً يختبر وجود السلوك التنفيذي ذاته، فحين تنعدم الصلاحية الموضوعية للفعل، لا يبقى من الفعل إلا صورة شكلية لا تتصل منطقياً بإمكان إحداث الوفاة، فينهار وصف البدء بالتنفيذ، أما حين تكون الوسيلة صالحة بطبيعتها لإحداث الوفاة، لكن النتيجة لم تتحقق لسبب عارض، فإن السلوك لا ينعدم بل يبقى قائماً في نطاق الشروع، لأن عنصر الصلاحية قد تحقق، وخيبة الأثر جاءت لسبب خارج عن إرادة الفاعل. وقد كرس القضاء هذا المعنى حين قضت محكمة النقض المصرية بأن استعمال مادة صالحة بطبيعتها لإحداث النتيجة يمنع القول بالاستحالة المطلقة متى كان عدم تحقق الوفاة راجعاً لظرف خارج عن إرادة الجاني، وقضت بالنص ".. أنه متى كانت المادة المستعملة للتسميم صالحة بطبيعتها لإحداث النتيجة المبتغاة، فلا محل للأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة...(10) ". وتتأكد أهمية هذا الاختبار في جرائم القتل بالذات، لأن الخلط بين الوسيلة والسلوك قد يجر إلى خطأ منهجي، مفاده اعتبار مجرد حيازة الوسيلة أو إعدادها سلوكاً تنفيذياً، غير أن تحرير السلوك من الوسيلة يجعلنا نرى بوضوح أن بداية التنفيذ لا تقوم بالوسيلة قبل استعمالها الاعتدائي، فالأداة قد تحمل وقد تخفى وقد تهيأ، لكن ذلك كله لا يدخل في السلوك التنفيذي ما دام لم يتحول إلى فعل يباشر الاعتداء على الحياة، وهذا ينسجم مع إطلاق نصوص القتل في التشريعات المقارنة، إذ لم تدخل الوسيلة في التكوين، وإنما علقت التجريم على فعل القتل ذاته (11) . ويتضح من ذلك أن الوسيلة تتقدم أحياناً زمنياً على السلوك لكنها لا تنشئه قانوناً، وفي هذا الإطار يبرز التحليل الذي شدد على أن الفعل في القتل لا يفهم من صورته الخارجية وحدها، بل من وظيفته في إنشاء سبب الموت، وأن تحديد لحظة البدء في التنفيذ يجب أن ينطلق من السؤال: هل دخل الفعل في دائرة الاعتداء على الحياة أم ظل خارجها؟ لأن توسع مفهوم السلوك ليبلغ التحضير يفضي إلى إضعاف الفارق بين الخطورة الاجتماعية وبين التجريم، وإلى إسناد مسؤولية قتل على أساس خطر محتمل" لم يتحول بعد إلى اعتداء (12) ويتبين من ذلك أن معيار البدء في التنفيذ ليس معيار الخطورة وحدها، بل معيار الدخول في الاعتداء هذا الاختيار يعيد بناء مفهوم السلوك على قاعدة، السلوك التنفيذي في القتل هو فعل صالح موضوعياً لإنشاء سبب الوفاة أو فعل اعتقدت صلاحيته اعتقاداً غير قائم على الوهم المطلق، ومن هنا فإن الصلاحية ليست وصفاً خارجياً بل معيار لضبط السلوك نفسه، ويتفرع عن ذلك أثر بالغ الدقة في الإثبات، فحين تكون الوسيلة شديدة الهلاك، يثور الميل إلى افتراض أن البدء في التنفيذ تحقق بمجرد إعدادها لكن معيار الصلاحية والبدء في التنفيذ يفرض على القاضي البحث عن الفعل الذي حوّل الوسيلة من مجرد أداة إلى وسيلة تنفيذ داخل نطاق الاعتداء، ووضع السم في طعام معد، إدخال الرصاصة إلى مسارها توجيه السلاح إلى شخص حي وإطلاقه، إطباق اليد على العنق بما يقطع النفس هذه ليست أمثلة إنشائية، بل هي صور تظهر معياراً، الفعل الذي لا يفصل بينه وبين النتيجة المحتملة إلا عامل خارجي هو وحده الذي يمثل بدء التنفيذ. ويتضح من ذلك أن البناء الذي يبدأ من السلوك بوصفه نقطة إنشاء الركن المادي، لا يمكن أن يظل وصفاً عاماً، بل يكتسب مضمونه الحقيقي حين يرتبط بمعيار البدء في التنفيذ ومعيار الصلاحية الموضوعية، لأنهما يحولان المفهوم من تعريف إلى أداة ضبط لحظة الدخول في الاعتداء، وضبط حدود الشروع وضبط استظهار القصد، ومنع تداخل الوسيلة في تكوين السلوك.
بعد أن تحدد السلوك بوصفه فعلاً صالحاً موضوعياً لإنشاء سبب الوفاة، يتعين اختبار المفهوم في أكثر صورة تعقيداً، صورة السلوك الإيجابي وصورة السلوك السلبي، أي القتل بالفعل، والقتل بالامتناع فيها لا يعود السؤال عن بدء التنفيذ أو عن الصلاحية، بل عن طبيعة الفعل ذاته حين يكون الامتناع هو الأداة التي تطلق النتيجة.
وبالحديث عن السلوك الإيجابي في القتل العمد، فإنه السلوك الذي يتخذ صورة فعل يباشر الاعتداء مباشرة على حياة المجني عليه سواء كان هذا الفعل حركة واحدة أم سلسلة أفعال متصلة، غير أن تعدد الأفعال المادية لا يعني تعدد السلوك ما دامت وليدة إرادة واحدة وخطة تنفيذية متصلة، لأن وحدة الجريمة تستمد من وحدة القصد واتصال الأفعال في سياق اعتدائي واحد(13) مما يبين لنا أن السلوك لا يقاس بعدد الحركات، بل بوحدة الفعل الاعتدائي.
وفي جرائم الاعتداء على الحياة تقرر أن تعدد الطعنات أو الطلقات لا يغير من طبيعة السلوك متى كان الفعل يمثل تنفيذاً لخطة واحدة تستهدف إزهاق الروح، لأن كل حركة لاحقة ليست إنشاء سبب جديد مستقل، بل استمراراً للفعل الأول (14) . ويتضح من ذلك أن السلوك الإيجابي يفهم كوحدة اعتدائية متصلة لا كوحدات مادية منفصلة. غير أن هذا التصور يقتضي الحذر عند تداخل أفعال متعددة قد يستقل كل منها بإنشاء سبب للوفاة، فإذا أطلق الجاني رصاصة فأصابت المجني عليه إصابة غير قاتلة، ثم بعد فاصل زمني مستقل عاد واطلق أخرى مميتة، فإن التحليل يختلف عما لو كانت الطلقات متتابعة في سياق واحد، فالانفصال الزمني والإرادي قد ينشئ سبباً جديداً، ويعيد تشكيل السلوك من جديد. ويتبين من ذلك أن معيار وحدة السلوك يقوم على اتصال الإرادة والزمان والمكان لا على مجرد تقارب الأفعال. أما الصورة السلبية، فقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة (34) على " تكون الجريمة عمدية اذا توافر القصد الجرمي لدى فاعلها وتعد الجريمة عمدية كذلك.
أ- اذا فرض القانون او الاتفاق واجبا على شخص وامتنع عن ادائه قاصداً احداث الجريمة التي نشأت مباشرة عن هذا الامتناع.
ب- اذا توقع الفاعل نتائج اجرامية لفعله فأقدم عليه قابلاً المخاطرة بحدوثها".
هذا النص لا يساوي بين الفعل والامتناع على إطلاقه، بل يشترط ثلاثة عناصر مترابطة، وجود واجب قانوني أو اتفاقي امتناع عن أدائه، وأن تنشأ الجريمة مباشرة عن هذا الامتناع. ويتبين من ذلك أن الامتناع لا يعد سلوكاً في ذاته، وإنما يصبح كذلك حين يكون الشخص في مركز قانوني يفرض عليه حماية الحياة، وكان اداؤه للواجب كفيلاً بمنع الوفاة، وقد جرى تحليل الامتناع في الفقه الجنائي على أنه ليس "عدماً" بل موقف إرادي في مواجهة التزام قانوني محدد وأن الإسناد هنا يقوم على فكرة الضمان لا على السببية الفيزيائية وحدها(15). ويتضح من ذلك أن السلوك الإيجابي يبنى على إخلال بواجب حماية، لا على مجرد عدم الفعل، وأن الامتناع لا ينشئ المسؤولية إلا إذا كان الممتنع في مركز يجعل حياته أو حياة غيره في عهدته القانونية، وأن الرابطة السببية في هذه الصورة تختبر بمعيار المباشرة ، أي أن تكون الوفاة نشأت مباشرة عن الامتناع لا عن سبب أجنبي مستقل. ومن هنا فإن الإسناد في القتل بالامتناع لا يقوم إلا حين يكون الامتناع هو العامل الحاسم في إطلاق النتيجة.
وهذا يتفق مع ما قرره الفقه من أن السببية في الجرائم السلبية تقاس بمدى قدرة الفعل المأمور به على منع النتيجة، فإذا كان اداء الواجب لا يحول دون الوفاة انتفى الإسناد(16). وتتضح أهمية هذا الضبط عند وقوع تدخل علاجي أو خطأ طبي لاحق للفعل أو الامتناع، فإذا امتنع شخص عن إسعاف آخر وكان الامتناع هو الذي أفضى إلى تدهور حالته، فإن قيام سبب أجنبي لاحق لا يقطع الرابطة ما لم يكن مستقلاً وكافياً بذاته لإحداث الوفاة.
اما الفقرة (ب) من المادة (34)، فإنها تدخل صورة القصد الاحتمالي، فتجعل الفعل عمدياً إذا توقع الفاعل النتائج الإجرامية لفعله وأقدم عليها قابلاً المخاطرة بحدوثها. وقد جرى تحليل القصد الاحتمالي على أنه يقوم على قبول النتيجة لا على إرادتها مباشرة ويتبين هنا أن سلوك القتل لا يكون موجهاً مباشرة إلى إزهاق الروح، لكنه يصبح كذلك حين يقبل خطر إحداثها. وبهذا يتحدد السلوك، في صورتيه الإيجابية والسلبية، بوصفه فعلاً أو امتناعاً إرادياً يقوم على مركز قانوني محدد صالحاً موضوعياً لإنشاء سبب الوفاة، ومقترناً باتجاه إرادي مباشر أو احتمالي ومن دون هذا الضبط تنهار الحدود بين القتل العمد وغيره من صور الإيذاء أو الخطأ، ويتحول الإسناد إلى مجرد افتراض.
يتضح مما سبق، أن السلوك الإجرامي في جريمة القتل العمد ليس مجرد نشاط إنساني يؤدي إلى الوفاة، بل هو فعل مقيم قانوناً بقدرته على إنشاء سبب إزهاق الروح، سواء اتخذ صورة إيجابية مباشرة أو صورة امتناع قائم على إخلال بواجب حماية، وأن تحريره من الالتباسات المفاهيمية يعد شرطاً لازماً لضبط حدود التجريم في أخطر صور الاعتداء على الإنسان.
_______
1- د. رمسيس بهنام، قانون العقوبات - القسم الخاص، منشأة المعارف، الإسكندرية، دون سنة نشر، ص 798.
2- د. احمد فتحي سرور الوسيط في قانون العقوبات - القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة ، 2012، ص 112
3- د. محمد سعيد نمور، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2013، ص 85
4- علي حسين خلف در سلطان الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات العاتك لصناعة الكتب القاهرة توزيع المكتبة القانونية ص 139
5- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات - القسم العام - النظرية العامة للجريمة والنظرية العامة للعقوبة والتدبير الاحترازي، دار النهضة، د. ت، ص264
6- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت ص 77 .
7- علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت، ص 45
8- نقض 13 فبراير 1967مجموعة احكام النقض، محكمة النقض المصرية، من 18، رقم 38، ص 201
9- نقض 5 ديسمبر ، 1985، مجموعة احكام النقض، محكمة النقض المصرية، من 36، رقم 198، ص 1037.
10- نقض 23 مايو ،1932 محكمة النقض المصرية، مجموعة القواعد القانونية، الجزء الثاني.
11- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 46
12- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت، ، ص 96
13- د. محمود نجيب حسني، مصدر سابق، ص 314
14- فتوح عبدالله الشاذلي، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 1996، ، ص 479.
15- د. عبد الستار الجميلي، مصدر سابق، ص 102 - 107.
16- د. محمود نجيب حسني، مصدر سابق ، ص 275-272
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة