تركيب جدار الجسم في الحشرات Structure of the Body Wall))
للحشرات وغيرها من مفصليات الأرجل الأخرى هيكل أو غلاف خارجي صلب يساعد الحشرات على الحياة والتطور في البيئات المتباينة، وتقدر قوة هذا الجدار بثلاثة أضعاف قوة الهيكل الداخلي للحيوانات الفقارية، إضافة إلى أنه يعمل كدعامة صلبة تحمي الحشرة من المؤثرات الخارجية البيئية وتحافظ على المحتوى المائي لها. ويعتبر جدار الجسم في الحشرات الهيكل الخارجي (Exoskeleton) لها. ويتحور جزء منه ليبطن أجزاء من القناة الهضمية والجهاز القصبي والقنوات التناسلية وقنوات مختلف الغدد الجلدية . ويمثل الهيكل الخارجي للحشرة غطاء واقياً للأعضاء التي يحيط بها ويهيئ مساحة غير محددة لاتصال العضلات، ويمنع اختراق بعض المبيدات ومسببات الأمراض ، ويمنع تسرب الماء من داخل جسم الحشرة فيحول دون جفافها. كما أنه يكسب الحشرة قواماً مميزاً . ويجمع الجهاز الدعامي الخارجي في الحشرات بين القوة والمقدرة وقلة الوزن ، إذ إنه يعتبر كالدعائم جوفاء وفارغة بالمقارنة بالدعائم الصماء في الفقاريات . بالإضافة إلى ذلك فهو يساعد الحشرة على الحركة والالتواء والانتفاخ عند الامتلاء وتكوين البيض في المبيض . وأخيراً تلعب هذه الطبقة التي تغلف جسم الحشرة دوراً بارزاً في نجاح الحشرات كأحياء برية (Terrestrial) .
ويتألف جدار الجسم في الحشرات من الطبقات التالية : 1- القشرة (Cuticle) ، 2- الأدمة (Epidermis) ، وتعرف أيضاً بالبشرة ، ولكن الاسم الغالب لها في بعض المراجع هو تحت البشرة (Hypodermis) ، الغشاء القاعدي (Basement Membrane) (الشكل 1).
1- القشرة (Cuticle) :
القشرة طبقة معقدة في تركيبها تفرزها خلايا الأدمة (Epidermis) . والقشرة طبقة لا خلوية، ومع أنها تعتبر مادة غير حية، إلا أنها مهد لكثير من التغيرات الكيميائية المعقدة. وهذه الطبقة تغلف السطح الخارجي لجسم الحشرة كافة، وتنغمد في مناطق معينة مشكلة بذلك دعامات وتراكيب الهيكل الداخلي (Endoskeleton) (الشكل 2)، كما أنها تبطن انخماصات جدار الجسم الخارجي كالجهاز القصبي التنفسي وأجزاء من القناة الهضمية والمجرى التناسلي وبعض الغدد .
والقشرة حديثة التكوين تكون مرنة مطاطية قابلة للانثناء في بدء تكوينها، بيد أن أجزاءها الخارجية سرعان ما تطرأ عليها عملية تصلب (Sclerotization) ، وهي عملية دباغة (Tanning) تتعلق في حقيقتها بطبيعة الروابط الكيميائية وتغيرها بين سلاسل البروتين الذي يعتبر من أهم مكونات القشرة . وتتكون نتيجة عملية التصلب هذه مناطق متصلبة تسمى الصليبات أو الصفائح المتصلبة (Sclerites) تفصلها مناطق غشائية رقيقة (Intersegmental Membrane) ، وهذه بمجموعها تشكل الهيكل الخارجي ، وتلعب دوراً مهماً في آلية الحركة عند الحشرات (الشكل 2).

الشكل (1) : رسم تخطيطي لمقطع عرضي مركب من جدار جسم الحشرة
(عن: 1992 Weber & Weidner)

الشكل (2): النقر والدروز الحقيقية والأذرع الداخلية والتصلب وأنواع التمفصل لجدار جسم الحشرة (عن مصادر مختلفة).
وتتميز في القشرة من الخارج إلى الداخل المناطق التالية (أشكال أرقام 1 و 2 و 3):
أ - القشرة السطحية (Epicalticle) ، ب - القشرة الأولية (Procuticle) ، . والأخيرة تتميز إلى قشرة خارجية (Exoculticle) وقشرة داخلية (Endocuticle) .
أ - القشرة السطحية (Epiculticle) (الشكل 3) :
وهي الطبقة السطحية المقاومة مع أن ثخانتها تتراوح بين (1-4) ميكرون فقط، وهي خالية تماماً من الكيتين ولا يكتمل تكوينها في الغدد والقصبات الهوائية والحشرات المائية والحشرات المتطفلة. وتتميز هذه الطبقة أحياناً بصبغة داكنة ولكنها عموماً عديمة التلوين. ويختلف تكوين القشرة السطحية من حشرة إلى أخرى، حيث تبدو هذه الطبقة تحت المجهر الإلكتروني مكونة من أربع طبقات متتالية وهي من الخارج إلى الداخل (شكل 3):
1- طبقة الملاط أو الطبقة السمنتية (Cement Layer) : وهي طبقة رقيقة ثخانتها أقل من (0,1) ميكرون تفرزها الغدد الجلدية (Dermal Glands) ، وتحمي ما تحتها من طبقات، ويمكن إزالتها بالحك أو بمذيبات الدهون لأنها من طبيعة بروتينية دهنية. وقد ينعدم وجودها في بالغات حشرات حرشفية الأجنحة .
2- طبقة شمعية (Wax Layer) : وهـي مؤلفة من جزيئات من الشمع (استرات أحماض دهنية) تنتظم في توزعها إلى حدٍ ما مشكلة طبقة واقية ضد نفاذية الماء، وذلك لأن جزيئات الماء غير قادرة على العبور من خلال جزيئات الشمع. وهذه الطبقة تفرزها خلايا البشرة أو الأدمة الداخلية عن طريق القناة الشمعية (Wax Canal) الممتدة داخل القنوات الثقبية المسامية (Pore Canals) .
3- طبقة متعددة الفينولات (Polyphenol Layer) : وهي تعطي القشرة لونها الخاص .
4- طبقة الكيوتيكولين أو القشرين (Cuticulin Layer) : وهي تكون الجزء الأكبر من القشرة السطحية . وتتركب من مادة بروتينية دهنية (الليبوبروتين). وهي غير منفذة للماء، تفرزها الخلايا الخمرية . توجد هذه الطبقة تقريباً في جميع أنواع الحشرات، وتغطي سطح جدار الجسم بأكمله، وتحيط بأطراف القنوات الثقبية.
ب - القشرة الأولية ((Procuticle (شكل 1 و 3):

الشكل (3): طبقات جدار الجسم في الحشرة (عن مصادر مختلفة)
إن أول ما يفرز من القشرة الكيتينية يمثل القشرة الأولية التي تصل ثخانتها إلى (200) ميكرون، ولكن سرعان ما تتصلب الأجزاء الخارجية منها مشكلة بذلك القشرة الخارجية (Exoculticle)، والتي هي عبارة عن طبقة غير مرنة قاتمة اللون تحتوي على الكيتين والبروتين والسكليروتين. ولا يكتمل تكوين هذه الطبقة في الأجزاء المرنة من جدار الجسم (الأغشية بين الحلقات)، وتقاوم سائل الانسلاخ وتحمل هذه الطبقة الحراشيف والزوائد السطحية الجدارية كالأشواك . في حين تشكل الأجزاء الأخرى غير المتمايزة ما يسمى بالقشرة الداخلية (Endocuticle) . وهذه الطبقة الأخيرة من أثخن طبقات جدار الجسم، وتمتاز بالمرونة، وتحتوي على الكيتين والبروتين وهي خالية تماماً من السكليروتين، وتتمتع القشرة الداخلية ببنية صفيحية رقيقة (Lamellae) تنجم عن توزع اللييفات الكيتينية الدقيقة (Microfibre) للقشرة، حيث تتوضع متوازية فيما بينها بحيث تسمح أنظومتها هذه بإمكانية تغير شكل الصفائح وبالتالي القشرة كلها. وتتركب القشرة الداخلية من طبقات متعاقبة فاتحة وداكنة تمثل مناطق النمو اليومي ليلاً ونهاراً على التوالي (شكل 3)، وتترسب هذه الطبقات بمحاذاة السطح الخارجي للقشرة. وقد توجد بين طبقتي القشرة الخارجية والقشرة الداخلية طبقة أخرى جامدة بعض الشيء ولكنها غير كاملة الصباغ تعرف بطبقة القشرة المتوسطة (Mesocuticle) . وأحياناً يلي القشرة الداخلية فيما بينها وبين طبقة الأدمة الخلوية طبقة عديمة التمايز ولا تحتوي على لييفات كيتينية وتصبح حبيبية بالقرب من الأدمة تعرف بطبقة تحت القشرة (Subcuticle) أو طبقة شميدت (Schmidt's) نسبة لمكتشفها (شكل 3) .
هذا وتخترق طبقات القشرة الأولية بشكل عمودي أنابيب أو أقنية دقيقة تعرف بالأقنية الثقبية المسامية (Fore Canals) (شكل 3) . وهي أقنية ضيقة للغاية قطرها أقل من ميكرون واحد، وهي تمتد من خلايا الأدمة حتى السطح الداخلي للقشرة السطحية في طبقة الكيوتيكولين، وتكون بمعدل قد يصل (50 - 70) قناة لكل خلية أدمية واحدة، كما هو الحال في يرقات ذبابة اللحم (.Sarcophaga pp) وبذلك تكون كثافتها حوالي (15000) قناة في كل ميللمتر مربع وقد يزيد هذا العدد ليصل إلى ما يزيد على المليون قناة في الميللمتر المربع من جدار جسم الصرصور الأمريكي.
وتتفرع الأقنية الثقبية بالقرب من نهاياتها، كما أنها تكون متموجة حلزونية ملأي بخيوط سيتوبلازمية تخرج من خلايا الأدمة، وذلك في الأطوار الفتية للحشرة، في حين أنها تصبح مستقيمة وملأي بمادة قشرية في الأطوار البالغة (شكل 3) .
أما عن وظائف هذه الأقنية الثقبية فما يزال حولها بعض الجدل، ولكن الغالب حالياً أن مادة القشرة الأولية تتشكل حول هذه الأقنية، أو أن هذه الأخيرة تنقل بعض المواد القشرية إلى القشرة السطحية أو إلى طبقات القشرة الأولية ، وتنقل أيضاً الإفرازات التي تساعد على التئام الجروح، بالإضافة إلى أنزيمات التصلب. ويعتقد البعض أنها في قشرة جدار الجسم التامة التكوين تكون بمثابة الرباط بين القشرة والأدمة .
2- الأدمة (Epidermis) :
وتعرف أيضاً بالبشرة الداخلية، أو طبقة ما تحت الجلد (البشرة) (Hypodermis) . على كل حال إنها الطبقة الخلوية الخارجية في الحشرة، حيث تتألف من صف واحد من الخلايا العمودية المكعبية الشكل والتي تصبح في بعض المراحل غير واضحة الجدران. وتعطي هذه الخلايا بعد الانسلاخ مباشرة استطالات سيتوبلازمية خلال القنوات الثقبية الدقيقة، كما ذكر سابقاً. وتتخصص بعض خلايا طبقة الأدمة لتصبح أعضاء حس أو غدداً جلدية (Dermal Glands) (أشكال 1 و 3) والغدة الجلدية تتكون من ثلاث خلايا، إحداها خلية مفرزة تكون كبيرة نوعاً ما ، وخليتان تشكلان قناة الإفراز التي تمتد حتى سطح القشرة، وتتجمع مفرزات الغلة في حويصل ثم تنتشر على السطح خلال عملية تشكل القشرة مكونة الطبقة السمنتية أو الملاطية. هذا ولا يقتصر دور الأدمة على إفراز الجزء الأكبر من القشرة بل إنها تعطي أيضاً سائل الانسلاخ الذي يذيب القشرة الداخلية القديمة قبل أن تنسلخ الحشرة غير البالغة، كما أن الأدمة تمتص نواتج هضم القشرة القديمة وتساعد على التئام الجروح. وقد تتحور بعض خلايا الأدمة أحياناً وتصبح ذات حساسية خاصة لاتصالها بالجهاز العصبي وتشترك في تكوين أعضاء الحس ، أو قد تتحور إلى خلايا غدية مفرزة لمواد سامة أو مهيجة، أو تتحور إلى غدد تحيط بالثغور التنفسية (Peristigmatic Glands) تفرز مادة مانعة لدخول الماء إلى الجهاز القصبي كما في يرقات ذات الجناحين . وأخيراً تتوزع طبقة الأدمة بأنظمة معينة تكون أساساً لتحديد المظهر الخارجي لجسم الحشرة .
3- الغشاء القاعدي (Basement Membrance) (أشكال 1 و 3) :
وهو غشاء رقيق غير خلوي تبلغ ثخانته حوالي نصف ميكرومتر أو أقل، لاصق بقاعدة طبقة الأدمة. والغشاء القاعدي طبقة حبيبية عديمة التمايز الشكلي على هيئة صفيحة متصلة تستمر في نقاط معينة مع أغلفة الضروس العضلية التي تتثبت عليها العضلات. وتمتد أعضاء الحس والقصبات الهوائية إلى الغشاء القاعدي هذا الذي يحتمل أن منشأه أصلاً من خلايا الدم أو الطبقة الجنينية الوسطى (Mesoderm) على خلاف لطبقات جدار الجسم السابقة الذكر والتي منشؤها من الطبقة الجنينية الخارجية (Ectoderm) .
ويتكون الجدار الخارجي لأي حلقة من حلقات جسم الحشرة من ثلاثة أجزاء. (شكل 4):

الشكل (4) : تركيب حلقة صدرية من حلقات جسم الحشرة .
- صفيحة ظهرية أو الترجة (Tergum) : وتمثل الجزء العلوي من الحلقة .
- صفيحة بطنية أو الاسترنة (Sternum) : وتمثل الجزء السفلي من الحلقة .
- صفيحتان جانبيتان أو البلورا (Pleuron) : وتمثلان جانبي الحلقة .
وتظهر هذه الأجزاء بوضوح في حلقات الصدر. أما في حلقات البطن فقد تضمحل هاتان الصفيحتان، ويتم اتصال الصفيحة الظهرية بالصفيحة البطنية بواسطة انثناء لين ومرن من القشرة .